“أعظم معارك محمد علي”.. قصة المبارزة العظمى في حلبة القضاء الأمريكي

لم يحظ فيلم “أعظم معارك محمد علي” (Muhammad Ali’s Greatest Fight) للمخرج البريطاني “ستيفن فريرز” باهتمام كثير من النقاد عند عرضه في مهرجان كان السينمائي عام 2013.

ربما يكون الأمر راجعا إلى أنه عرض وسط زحام الأفلام المتتالية، خصوصا أفلام المسابقة التي تحظى عادة باهتمام أغلبية النقاد والصحفيين، وربما لأنه أيضا من الأفلام التي أنتجت للتليفزيون، رغم أن فيلما شهيرا من أفلام تلك النسخة من المسابقة الرسمية هو “وراء الشمعدان” (Behind the Candelabra) لـ”ستيفن سودربرغ”، فقد كان أيضا من الأفلام التليفزيونية التي صورت بكاميرا الديجيتال، وقد لقي استقبالا حماسيا كبيرا.

وربما يكون السبب أن كثيرين تصوروا أنه لن يستطيع أن يقدم جديدا في موضوع الملاكم الأسطوري الأمريكي الأسود “كاسيوس كلاي” (الذي غير اسمه عند اعتناقه الإسلام عام 1967 إلى محمد علي كلاي)، بعد أن قدمت السينما أكثر من فيلم روائي ووثائقي عن حياته وعن صعوده المدوي، وتربعه لسنوات على عرش بطولة العالم في الملاكمة.

الحقيقة أن الفيلم خيب ظن الكثيرين، فقد التقط “ستيفن فريرز” موضوعا يُنظر له من زاوية جديدة تماما، ليس فقط إلى ما يمكن أن نطلق عليه “قضية محمد علي”، بل إنه تطرق -للمرة الأولى ربما في تاريخ السينما- إلى أسلوب وطريقة عمل المحكمة الدستورية العليا في الولايات المتحدة، وما يجري عادة خلف الكواليس، عند النظر في أخطر القضايا المصيرية، وكيف تحولت قضية محمد علي إلى قضية سياسية من الدرجة الأولى، وكيف هددت بفضيحة قضائية وشيكة، لولا أن انتصر الرأي الأبعد نظرا عن المصلحة الحزبية الضيقة، وانتصر للعدالة المجردة التي تقوم على احترام القانون.

رفض التجنيد الإجباري.. أسباب دينية تؤدي إلى الإيقاف والمحاكمة

يعتمد الفيلم على السيناريو الممتاز الذي كتبته “شاون سلوفو” (من جنوب أفريقيا) عن كتاب “اقبض على النار” من تأليف “ماكس والاس” و”هاوارد بنجهام”، وهو يقوم على ما حدث من وقائع، بعضها حقائق موثقة، والبعض الآخر خيالي، بعد أن أعلن كلاي اعتناقه الإسلام، ثم رفض الانصياع لأمر التجنيد للالتحاق بالقوات الأمريكية التي كانت تقاتل في فيتنام، استنادا إلى أن دينه الجديد، ينهاه عن الاشتراك في هذا النوع من الحروب العدوانية.

ومن هنا أثار محمد علي غضب الكثير من الأمريكيين الذي يعتبرون الخدمة العسكرية واجبا وطنيا، ولكنه حظي بتعاطف قطاعات أخرى، تقدمية، كانت تناهض الحرب الأمريكية القذرة الدائرة في فيتنام.

وقد جُرّد محمد علي من لقب بطل العالم في الملاكمة من الوزن الثقيل، وسحب ترخيص مزاولته تلك الرياضة، ثم قُدّم للمحاكمة فقضت بسجنه لخمس سنوات، لكنه استأنف الحكم، وكان يتعين عليه أن ينفق معظم ما لديه من مدخرات اكتسبها خلال رحلته في عالم الملاكمة الاحترافية، على المحامين وتكاليف القضية التي استمرت حتى عام 1971.

يعتبر الفيلم من نوع الدراما التي تمتزج بالمواد الوثائقية، فمحمد علي كلاي لا يظهر فيه بشخصية تمثيلية، بل فقط من خلال لقطات من الأرشيف سواء لمبارياته الشهيرة، أو لأحاديثه التلفزيونية التي تمسك فيها بموقفه مهما كلفه الأمر، معلنا أنها قضية تتعلق بتمسكه بمبادئ الإسلام.

ملصق الفيلم الذي يعكس معاناة محمد علي مع القضاء الأمريكي

ولم ينزلق أبدا في الهجوم على القضاء، بل أبدى احتراما كبيرا له، رغم انتمائه للمنظمة الإسلامية التي شكلها عدد كبير من المسلمين السود وعرفت بـ”أمة الإسلام”، وكان الناشط الأسود “مالكوم إكس”، زعيم حركة الفهود السود أحد أعضائها قبل أن ينفصل عنها ثم يغتال فيما بعد.

تدخلات البيت الأبيض.. انحياز العدالة ضد الرجل الأسود

وجود محمد علي في الفيلم هو إذن وجود رمزي لقضية تتعلق بمبدأ المساواة أمام القانون، نحن هنا أمام تسعة قضاة، هم أعضاء أعلى سلطة قضائية أمريكية، وهي المحكمة الدستورية العليا التي كان يتعين عليها أن تناقش أولا (في عام 1970) ما إذا كان من الضروري قبول الاستئناف المقدم من محمد علي أم رفضه، في وجود تدخل سياسي واضح من جانب الرئيس “نيكسون” الذي كان يوالي الاتصال هاتفيا -كما نرى- برئيس المحكمة الذي عينه في منصبه حديثا، وهو القاضي المحافظ “وارين بيرغر” (الممثل فرانك لانجيلا).

كان هذا مما دفع “بيرغر” إلى الإصرار على رفض القضية، لكنه وجد من يتصدى له من داخل المحكمة، ويطرح ما يدلل به على ضرورة وأهمية النظر في الاستئناف، وقد انتهى الأمر إلى تعادل الآراء، فتقرر قبول النظر في الاستئناف حسب القوانين المعمول بها.

كان القاضي الأسود (الممثل داني غلوفر) العضو الوحيد الذي يمثل السود الأمريكيين داخل المحكمة، وقد أعلن من البداية وقوفه إلى جانب قبول الاستئناف، إلا أنه طلب إعفاءه من حضور المناقشات، لأن شهادته يمكن أن تكون بالضرورة “مكسورة”، أي قابلة للطعن على خلفية التحيز العنصري.

“كيفن كونولي”.. شمعة أمل في مكتب القاضي الجمهوري

يهرب الفيلم من فكرة أن يتحول إلى تصوير جلسات طويلة ومرهقة للمناقشات التي تدور بعد ذلك داخل قاعة المداولات في المحكمة العليا، لكي يتجه أولا للتركيز من البداية، على شخصية قاضي شاب طموح يدعى “كيفن كونولي” (الممثل بنجامين ووكر)، وهو يلتحق حديثا بالعمل في مكتب القاضي “جون هارلان” الجمهوري المحافظ (الممثل كريستوفر بلامر). وقد نجح “كيفن” في إقامة علاقة صداقة إنسانية جيدة مع القاضي وزوجته، وأصبح له بمثابة التلميذ.

يشتبك “كيفن” في مناقشات يومية مع مجموعة من القضاة الشباب الذين يعملون في إعداد الملفات القضائية وكتابة الحيثيات والخلفيات القانونية لقضاة المحكمة، يتراهنون أحيانا على ما ستسفر عنه المداولات، يختلفون ويشتبكون بالأيدي أيضا بعد أن يحتدم الصراع ويصبح مسألة مبدأ كما يراها “كيفن”، في حين يخالفه في الرأي زميل له إحساسا منه بالغيرة، بسبب تألقه الفكري وقربه من عقل القاضي “هارلان” وقلبه.

ثانيا ينتقل السيناريو البارع لتصوير الجوانب الشخصية في حياة “هارلان”، فقد أصبحت زوجته تعاني من مرض الزهايمر، ونراها في أحد المشاهد تغادر المنزل فجأة في الليل، لتسير بملابس النوم في وسط الشارع، في ذلك الحي الهادئ الأرستقراطي في واشنطن.

ثم نلمح تدهور حالته الصحية بعد أن يصاب بمرض السرطان، ويخفي حالته عن زملائه في المحكمة، كما يتماسك أمام “كيفن” ويرفض أن تأتي له سكرتيرته بالمساعدة الطبية وقت الحاجة إليها. هذا جزء من شخصية تقوم على تقاليد راسخة تتلخص في التماسك حتى النهاية، إنه على وشك أن يتقاعد، لكنه يصر حتى اللحظة الأخيرة على ضرورة إبداء وجهة نظر تستند إلى العدالة.

رفض الطعن.. عنصرية القضاء ضد المسلم الأسود

يدرس “كيفن” ملف القضية ويعده لـ”هارلان”، ويناقشه في موقفه الذي يدعم موقف رئيس القضاة الدستوريين، أي تأييد الحكم الصادر في حق محمد علي. ويقول له كيف قُبل الطعن من جانب جماعة “شهود يهوه” الذين رفضوا الانضمام للجيش على أسس دينية، بينما يرفض طعن محمد علي رغم كونه على نفس الأرضية الدينية.

كيفن كونولي القاضي الشاب الذي يحاول إرساء العدالة

أليس في ذلك تفرقة؟ أليس هذا بسبب كونه مسلما؟ هل الإسلام هو السبب؟ هل لأنه أسود؟ هل لأنه يخالف سياسة تخالفها أعداد كبيرة من الشباب الأمريكي الذي يحرق بطاقات التجنيد في الساحات العامة وأمام البيت الأبيض؟

تتواصل مناقشات القضاة على طريقة الفيلم الكلاسيكي الكبير “اثنا عشر رجلا غاضبا” (12 Angry Men) الذي أخرجه “سيدني لوميت” (1957). تدريجيا يقتنع عدد أكبر من القضاة بعدالة قضية محمد علي، لكن الأغلبية لاتزال غائبة، خصوصا أن الرأي يستقر على ضرورة أن يأتي قرار المحكمة العليا بالأغلبية المطلقة، أي ضرورة موافقة كل الأعضاء على ما تتخذه من قرار في هذا القضية التي أصبحت قضية سياسية ساخنة من قضايا الرأي العام الأمريكي، ومن العيب أن تظهر المحكمة منقسمة أمام الرأي العام.

لمسة المخرج.. جماليات تكسر نمطية المحاكمة البيروقراطية

على الرغم من أن كل من عايش تفاصيل قضية محمد علي كلاي يعرف ما انتهت إليه، فإن الفيلم البديع أصبح يجذب المشاهدين ويجعلهم يحبسون أنفسهم، في انتظار ما ستسفر عنه تلك القضية، كما لو كانت نتيجتها لم تنشر وتصبح من التاريخ، وذلك بفضل لمسات الإخراج عند “فريرز”، ونتيجة للإيقاع السلس الذي يقود الفيلم تدريجيا نحو ذروة تعقيد درامية.

ولعل السبب الآخر يكمن أيضا في أن معظم ما يكشف عنه الفيلم من تفاصيل تدور من وراء الكواليس، هي تفاصيل ليست متداولة، بل قد يكون فيها بعض الخيال، وإن كانت تستند إلى معرفة جيدة بالشخصيات.

كل هذه النقاط تبرز في ثنايا الفيلم البديع الذي يعتمد دون شك على الأداء التمثيلي الرفيع من كل الممثلين، ومنهم إضافة إلى من ذكرناهم “باري ليفسنون” و”بيتر غريتي” و”هاريس يولينوفريتز ويفر”.

إن كل حركة وكلمة حوار وإيماءة بسيطة داخل السياق، تبدو محسوبة تماما، كحركة ممثل في الإطار الذي تسمح به الصورة التليفزيونية، والإضاءة المناسبة المحدودة بشكل ما للفيلم التليفزيوني الذي يصور بكاميرا الفيديو، كما أنها محسوبة أيضا بالثانية من حيث المونتاج، لكي يصبح واضحا من يقف مع ماذا، ومن يطغى على من، ومن الذي ينام مثلا أثناء الجلسات، ومن الذي تخذله حالته الصحية أحيانا فيكاد ينهار لكنه يواصل.. إلى آخر تلك اللمحات الإنسانية البسيطة التي تكمل هذا العمل البديع.

سينتهي الأمر كما نعرف، بالحصول على الاتفاق بين الجميع ما عدا كبير القضاة الذي يضطر للرضوخ لرأي الأغلبية، وبعد اقتناع القاضي “هارلان” بما عرضه له مساعده الشاب الذي أصر أيضا على تقديم استقالته، حين يئس من إمكانية أن يغير “هارلان” رأيه بعد أن أوضح له بالوثائق الحقيقة.

لكنه يفاجأ في اليوم التالي بـ”هارلان” يستدعيه ليخبره بأنه سيصوت مع حق محمد علي في رفض الخدمة العسكرية لأسباب تتعلق بولائه الديني. فيقول له “كيفن”: هل غيرت رأيك؟ فيكون جوابه: بل أنت الذي غيرتني.

كان أداء “كريستوفر بلامر” مع “لانجيلا” و”غلوفر” (رغم قصر دوره) أداء رفيعا، ويقوم على التقمص التام والتعبير والإضافة من عند الممثل إلى الشخصية لإضفاء ملامح إنسانية عليها، وإخراجها من الطابع التكنوقراطي الجاف.

دين السلام.. إعادة الاعتبار للإسلام من خلال محمد علي

إن فيلم “ستيفن فريرز” يأتي في وقت مناسب تماما، لأنه يعيد للإسلام حقه، ويبرزه من خلال رسالة محمد علي القوية، بوصفه دينا يرفض العنف، كل العنف، ما لم يكن دفاعا عن النفس.

إيقاع الفيلم محسوب بحيث ليس من الممكن تقديم حدث على حدث، ولا مشهد على آخر، ولا وضع لقطة مكان أخرى.

الفيلم ينتقل من الداخل إلى الخارج في الوقت المناسب، من الشخصي إلى العام، ومن الوثائقي إلى الدرامي، ومن المناقشات القانونية التي قد لا تهم سوى المتخصصين، إلى التركيز على الفكرة المجردة، أي العدالة، التوازن، الحق، دور القاضي، وكيف يمكن أن تهتز ثقة الناس فيه، وما يمكن أن يسبب إهماله للتفاصيل الصغيرة في القضية من إدانة رجل بريء، وما يترتب على ذلك، وأين تنتهي السياسة ويبدأ إحقاق الحق وإقامة العدل، بغض النظر عن الانقسامات السياسية الحزبية بين أعضاء المحكمة، وهل هناك عدالة مطلقة.