“في الصف لآن فرانك”.. أحاديث الغرباء عند باب أشهر ضحايا النازية في أمستردام

إذا كان هاجس كثير من الأفلام الوثائقية المُهتمة بتوثيق أزمان ومناسبات عامة عابرة، هو قدرتها في القبض على روح تلك الأزمان والمناسبات وحفظها، وكيف يمكن أن تنقل وقائع الراهن، وتقدمه عبر صور تتوخى الأمانة إلى درجة التطابق مع ذلك الواقع أو الاقتراب منه.

كل هذا ضمن الظروف الإنتاجية المُتاحة، والمحكومة غالبا بعناصر خارجية مُتقلبّة وزمن لا ينتظر أحدا وإمكانيات تبقى دائما شحيحة أو محدودة، فإن فيلم “في الصف لآن فرانك” (In Line for Anne Frank) الذي أخرجه الهولندي “روبرت سخينكيل” (2014)، قد حظي بحرية أسلوبية كبيرة، رغم أنه أيضا يُسجل حدثا عابرا.

لكن الحدث الذي سجله الفيلم الهولندي يتكرر كل يوم تقريبا، ولا توجد فروق جوهرية في النفَس العام للقصص التي ترويها الشخصيات التي يبتغيها الفيلم، أو إذا وقع التسجيل في الصيف أو الشتاء، سواء كان ذلك في يوم واحد، أو على أزمان مختلفة وفي أيام متفرقة.

في بيت العائلة

من أمام باب البيت الشهير لعائلة “فرانك” اليهودية الديانة الألمانية الأصل، في العاصمة الهولندية أمستردام، سيكون موقع تصوير هذا الفيلم الوثائقي، وهو لا يكاد يغادر تلك البقعة الجغرافية المُطلّة على إحدى قنوات أمستردام، لكنه يذهب أحيانا قليلة إلى داخل البيت في مشاهد سريعة.

أما الموضوع فهو قصص الناس الآتين من كل بقاع العالم لزيارة البيت، فتُسجِّل الكاميرا شهاداتهم أثناء وقوفهم في الصَفّ، بانتظار دورهم لزيارة الأثر الذي صار متحفا، والتقرُّب من عوالم أهل البيت الذين تحولوا إلى أيقونة للعذاب اليهودي في أوروبا في القرن العشرين.

فالبيت هذا، هو ذاته الذي اختبأت به العائلة مدة عامين بعد احتلال القوات الألمانية النازية للمدينة الهولندية في بدايات عقد الأربعينيات، وفي أحد غرفه الخلفيّة ستكتب ابنة العائلة “آنا” يومياتها عن ذلك الزمن، وتُعدّ اليوم من أشهر كتب اليوميات في العالم، فقد تُرجمت إلى معظم اللغات الحيّة، كما أنها تستعاد كل بضعة أعوام عبر معظم الفنون المُعاصرة.

مخبأ آنا فرانك الذي أصبح متحفا للزائرين

لكن بالإمكان تخمينه. هو عن دوافعهم لزيارة البيت والانتظار الطويل أحياناً في الشارع (يسمح المتحف لمجموعة محددة بالدخول في وقت واحد إلى داخل البيت القديم بسبب ضيق هذا الأخير وحفاظاً على متعلقاته). أما الإجابات فجاءت متنوعة، لكنها عندما توضع إلى جانب بعضها في الفيلم، تكاد تُشكِّل قصة عالمية واحدة للظلم والتمرُّد عليه، وأمثلة على تاريخ داميّ لبشر لم يتعلموا من أخطائهم وعثراتهم أبداً. فالعراقي الكردي وزوجته المحجبة اللذان كانا في الصَفّ، سيستعيدان قصة من تاريخ الأكراد في شمال العراق، وكيف هربا ذات يوم من بطش نظام صدام حسين، والخوف الذي تلبسّهم لأشهر.

أما الفتاتان المصريتان المحجبتان فستشددان على أهمية الحرية الدينيّة في عالم اليوم، الذي يتجه  إلى مزيد من الانعزال والتضييق، وتُذكرّان بأن عائلة فرانك قُتلت لأسباب عرقية دينية. وسيربط رجل أمريكي مُسِنّ أسود كان ينتظر مع  زوجته، بين ما حصل لآنا فرانك وعائلتها وتاريخ حركة السُود في الولايات المتحدة الأمريكية.

أحزان على المحرقة

ولعل أكثر القصص تأثيراً، تلك التي روتها هولندية يهودية كانت مع آنا فرانك في السجن النازي (قُبض على آنا فرانك مع عائلتها بعد وشاية جيران في عام 1944 وأُرسلت الى سجن ألماني وتم حرقها في أفران الغاز في يوم غير معروف من شهر مارس من عام 1945). تتذكر السيدة المُسِنَّة آنا فرانك، لكنها لا تعرف ماذا حَلَّ بها في السجن.

يطرح الفيلم سؤالا بسيطا إلى حد البداهة على الذين اختارهم من صف المنتظرين، لن نسمع السؤال في الفيلم، ولكن يمكننا تخمينه، وهو يدور حول دوافعهم لزيارة البيت والانتظار الطويل أحيانا في الشارع، ويسمح المتحف لمجموعة محددة بالدخول في وقت واحد إلى داخل البيت القديم بسبب ضيقه وحفاظا على متعلقاته.

مآسي الديكتاتورية والعنصرية.. أحزان على هامش المحرقة

أما الإجابات فجاءت متنوعة، لكنها عندما توضع إلى جانب بعضها في الفيلم، تكاد تُشكِّل قصة عالمية واحدة للظلم والتمرُّد عليه، وأمثلة على تاريخ دامٍ لبشر لم يتعلموا من أخطائهم وعثراتهم أبدا.

فالعراقي الكردي وزوجته المحجبة اللذان كانا في الصف، سيستعيدان قصة من تاريخ الأكراد في شمال العراق، وكيف هربا ذات يوم من بطش نظام صدام حسين، والخوف الذي تلبسّهم لأشهر.

أما الفتاتان المصريتان المحجبتان فتشددان على أهمية الحرية الدينيّة في عالم اليوم الذي يتجه إلى مزيد من الانعزال والتضييق، وتُذكرّان بأن عائلة “فرانك” قُتلت لأسباب عرقية دينية. وسيربط رجل أمريكي مُسِنّ أسود كان ينتظر مع زوجته، بين ما حصل لـ”آن فرانك” وعائلتها وبين تاريخ حركة السود في الولايات المتحدة الأمريكية.

رفيقة السجن النازي.. ذكريات المرأة المسنة

لعل أكثر القصص تأثيرا، تلك التي روتها هولندية يهودية كانت مع “آن فرانك” في السجن النازي، وقد قُبض على “آن فرانك” مع عائلتها بعد وشاية جيران في عام 1944، ثم أُرسلت إلى سجن ألماني وأحرقت في أفران الغاز في يوم غير معروف من شهر مارس من عام 1945.

تتذكر السيدة المُسِنَّة “آن فرانك”، لكنها لا تعرف ماذا حَلَّ بها في السجن. كما تستعيد بعضا من أهوال سنوات السجن، وكيف كانت تشاهد المئات يُساقون إلى أفران الغاز كل يوم، وأن الموت كان أمنية للبعض للتخلص من سجون لا تُوصف قسوتها.

مذكرات آنا فرانك تطبع مئات الطبعات وبلغات مختلفة

ويسجل الفيلم حوارا آخر مع هولندي يهودي نجح مع أهله في الهروب من المدينة في بدايات الأربعينيات من القرن الماضي والهجرة إلى أمريكا، ولم يجد الجرأة للعودة إليها بعد ذلك. سيُذكر الرجل هذا بمقدار الحظ الذي تمتعت به عائلته، على عكس عائلة “فرانك” الألمانية التي اختارت هولندا وجهة، بعد صعود النازية في ألمانيا في بدايات عقد الثلاثينات، لكن النازية ستتبعهم إلى المدينة الهولندية، التي كان يُعرف عنها التسامح مع اليهود.

قراءة اليوميات.. مشاهد شاعرية لفتيات يتقمصن دور الكاتبة

إلى جانب الشهادات الشخصية التي شكّلت عِمَاد الفيلم، فإنه يقدم مقاطع من يوميات “آن”، مقروءة بلغات مختلفة عن طريق فتيات من جنسيات مختلفة، أغلبهن بعمر قريب من ذاك للفتاة اليهودية الراحلة (وصلت إلى الخامسة عشر من العمر)، وكن ينتظرن مع أهلهن في صَفّ المنتظرين نفسه.

تحدق الفتيات بالكاميرا وهن يقرأن تلك اليوميات، لتبدو هذه المشاهد خارج سياق العملية التسجيلية للفيلم، بل تندرج -بسبب التركيز البؤري للعدسة على الفتيات وعدم وضوح ما خلفهن في تشكيلات جماليّة مقصودة- ضمن محاولات الفيلم لتقديم مشاهد شاعرية تخرج عن الإطار الواقعي الذي صورت به الشهادات.

وقد خرجت الشهادات أيضا عما اعتدناه من الحوارات السريعة المسجلة في أمكنة عامة، فهي تغوص قليلا في الذاتية، باحثة عن معانٍ عميقة لتداعيات الأحداث التاريخية ومفاعليها المتواصلة في حياتنا اليوم.

استعادة المأساة.. مفتاح لمآسي الإنسان على يد النازية

يربط المخرج في معالجته الحساسّة المتفائلة بين الماضي والحاضر بسلاسة لافتة، فهو يَتَشكَّل من استعادة لمأساة معروفة، يتفتح في مناخاته، ليُقدم -عبر شهادات الزائرين بهوياتهم المختلفة- عالما معاصرا منفتحا ومتفهما، هو على النقيض من ذلك الذي أحاط بالبيت الهولندي قبل ستين عاما ونيف.

هذا الخط المتفائل يقابله آخر في الفيلم، لا ينسى المظالم الأخرى التي مرّت على البشر منذ محرقة اليهود على يد النازية، وقد نقل بعضا منها زوارُ بيت عائلة “فرانك” في العاصمة الهولندية أمستردام، إذ كان كثير منهم يرزح تحت ثقل الأحداث التاريخية الكبيرة التي عصفت بحياتهم.