“شجرة الكمثرى البريّة”.. القبيح الممتلئ حلاوة

لا تحتاج أفلام المخرج التركي نوري بلجي جيلان أكثر من المتابعة الدقيقة، والإمساك بالمسارات السرديّة للقصة السينمائية التي يطوّعها كمادة بصرية في أفلامة الروائية والوثائقية والقصيرة. ولعل التحدّي الوحيد الذي يواجه المُتلقي هو طول الفيلم الذي يزيد عن ثلاث ساعات كما هو الحال في فيلم “شجرة الكمثرى البريّة”.

لكن ما إن يمسك المُشاهد بخيوط القصة ويتابع أحداثها، ويتعرف إلى شخصياتها الرئيسية والثانوية حتى تتكشف له فكرة الفيلم، ويبدأ بالدخول إلى مرحلة التلذذ والاستمتاع بالفيلم على المستويين السردي

والبصري، خصوصا إذا كانت القصة تنتمي إلى بيئة المجتمع التركي وتتعداها إلى المجتمعات الإسلامية التي ترتبط بمنظومة قيم مشتركة تنبثق من ديننا الإسلامي الحنيف الذي يحتضن شعوبًا وأممًا كثيرة على أرض المعمورة.

الكمثرى.. بين المظهر والجوهر

يعتمد نوري على قصص واقعية مُغرية قادرة على أن تشدّ المتلقي العادي والمُشاهد المحترف، فكلاهما يجد المتعة والفائدة طالما أن الفكرة المهيمنة تنبع من محيطهم الاجتماعي الذي يعرفونه عن كثب، فالمخرج يبحث أولا وأخيرا عن إقناع المتلقي بقصة مفهومة لا تتعالى عليه، ولا تُشعره بالضآلة والصِغر أمام أطروحاته الفنية والفكرية والجمالية، فإذا ما انتاب المُشاهِد هذا الشعور الإيجابي فإنه سوف يمضي بمتابعة أحداث الفيلم بمحبة وألفة واسترخاء.

ينطلق نوري في معظم أفلامه من بؤرة مكانية يحبها ويتعاطف معها لا شعوريا، وأفلامه في مجملها تعطيك الانطباع بأنه يحب وطنه ويدافع عنه حتى النفس الأخير، ويصف تركيا دائما بالبلد الجميل الذي ينتظر من أبنائه المنجزات العظيمة، ولعل وجود “تشناق قلعة” في الفيلم هو إشارة إلى أهمية هذه المدينة في ماضيها البعيد الذي يذكِّرنا بحصان طروادة الخشبي، وبالانتصار على الأساطيل البريطانية والفرنسية في الحرب العالمية الأولى.

الشاب الطموح سنان نأى عن الواقع وجنح إلى الخيال كثيرا حين كتب رواية مضادة تشتغل على آلية ما وراء السرد

يفيد المخرج وكاتب الفيلم بالاشتراك مع زوجته إيبرو جيلان من هذا النتوء الواقعي الذي يسمح لنا بالاستعادات الذهنية من الماضي البعيد والقريب، والعودة إلى الوقت الحاضر الذي يبرز فيه سنان (آيدن دوغّو دميركول) الذي درس الأدب وعاد إلى قريته “ﭼِن” التي تقع على مشارف “تشناق قلعة”، وبدأ يفكر في مستقبله الذي قدّمه المخرج لنا بصيغة استفهامية مفادها: هل سيؤدّي سِنان اختبار الخرّيجين الجُدد؟ وهل سيقتفي أثر والده ويصبح معلمًا مثله في إحدى القرى المعزولة، أم سيذهب لأداء خدمة العلَم ويطارد العُصاة والمتمردين في الجبال النائية والموحشة في شرقي البلاد وجنوبها؟

لا يكفّ نوري عن الإشارة الدائمة إلى أنه منشغل بمصائر أبطاله، ومعنيّ بهمومهم وهواجسهم الداخلية، فلا غرابة أن يركز على سِنان الكاتب الأدبي الذي يفكر بإصدار روايته الأولى التي تنضوي تحت عنوان “شجرة الكمثرى البريّة” وتحمل معنى رمزيًا يُحيلنا إلى شكل ثمرتها المشوّه لكنها حلوة المذاق مثل السُكّر، وهو ذات التشبيه الذي أطلقة إدريس (والد سنان) على أناس القرية الذين يشبهون ثمار شجرة الكمثرى البريّة المشوّهة من الخارج لكنها مليئة بالحلاوة من الداخل، فالمَخبر أهمّ من المَظهر بآلاف المرات.

سنان.. خسارات متكررة

لم ينسَ نوري المسار العاطفي للقصة السينمائية، ولولاه لفقد الفيلم الكثير من دفئه وحنوّه ووهجه الساطع، فالحياة لا تستقيم من دون الحب بمعناه الواسع الذي قد يبدأ بالحبيبة لكنه يتوسع ويمتدّ إلى حب الأشقّاء والآباء والأجداد، أو يتشظّى إلى حب الأقرباء والأصدقاء وأبناء الوطن الواحد، وربما يمتد إلى الإنسانية برمتها.

هذا الحُب يعوّل عليه السينمائيون بمعانيه المتعددة ويستثمرونه لمصلحة فيلمهم أو خطابهم البصري الذي يحتاج إلى مثل هذه الجرعة المحفِّزة التي تديم زخم المُتلقين، وتغازل مشاعرهم الداخلية العميقة، فما من إنسان فلتَ من أسر الحب، أو نجا من هذه التجربة التي يكاد يشترك بها البشر جميعًا. وقد مرّ سنان بهذه التجربة لكنه حين عاد مُحملاً بشهادة التخرّج وجد نفسه عاطلاً عن العمل، ومركونًا في غرفة البيت مثل حاجة فائضة، فالأب المعلّم منغمس في لعب القمار وقد قاد أسرته الصغيرة المؤلفة من أربعة أشخاص إلى حافة الفقر والهاوية، فالأم بالكاد تدبر المأكل والمشرب، والتيار الكهربائي ينقطع بين آونة وأخرى لأن الأب لم يسدد فواتير الكهرباء.

وعلى الرغم من الضائقة المالية التي يعاني منها جميع أفراد هذه الأسرة إلاّ أنّ سنان ظل يستجير بالأمل الأدبي ويعوّل على روايته الأولى، لكننا لو دققنا في تفاصيلها لوجدنا أن هذا الشاب الطموح قد نأى عن الواقع وجنح إلى الخيال كثيرا حين كتب رواية مضادة تشتغل على آلية ما وراء السرد، وهي تقنية خاصة بالمثقفين المتخصصين الذين يعيشون ما وراء الحياة أو في أبراجها العاجية ولا يلامسون عصبها النابض، ولهذا ظلت الرواية على الرفوف ولم يبع منها نسخة واحدة.

أفلام نوري تتميز بحواراتها الكثيفة المعبّرة التي جاءت منسجمة مع طبيعة القصة السينمائية

وبحساب الخسارات الجسيمة فإن فقدانه لحبيبته خديجة (هازار إيرغيتشلو) هي الخسارة الروحية الأكبر، ثم تلاها فشل الرواية التي أصدرها بمبالغ نقدية مُستدانة، وإخفاقه في اختبار التعيين، وأكثر من ذلك فشله في التواصل مع أبيه أولاً، ومع شقيقته ووالدته المؤازرة له في كل مشاريعه المستقبلية الصغيرة والكبيرة منها على حد سواء.

الأفلام التي تخلو من المفاجآت لا يستسيغها الجمهور، وفيلم “شجرة الكمثرى البرية” يحتشد بهذه المفاجآت والصور المباغتة التي تدهش المتلقين، وربما يكون الأب على صعيد الشخصيات الرئيسية في هذا الفيلم هو المفاجأة الأكبر، فهذه الرواية التي لم يقرأها أحد حتى شقيقته، وأمه التي تحبّه حُبًا جمًا، ولا الروائي المشهور سليمان (سيركان كيسكين). قد قرأها الوالد إدريس كارا سو الذي أدّى دوره بإتقان شديد الممثل “مراد جمجير”، وقد تبيّن أن الوالد قد قرأ بعض الفصول مرتين واستمتع بها جدًا، وهذه دعوة للتأمل في النفس البشرية المعقدة. فلقد أدمن هذا الوالد على لعب القمار، ولم يعد بإمكانه توفير حتى التيار الكهربائي لأسرته، لكنه ظل مخلصًا لبعض القضايا الأخرى مثل الالتزام بالتعليم الجاد في المدرسة، والعمل الأسبوعي في الأرض الزراعية التي يمتلكها في القرية، وحفره المتواصل للبئر بحثًا عن الماء، وقراءة رواية ابنه بطريقة أدهشته وأثارت انتباهه.

حوارات كثيفة لم تضر بالصورة

ما يميز أفلام نوري هو حواراتها الكثيفة المعبّرة التي جاءت منسجمة مع طبيعة القصة السينمائية، ومُخرج من طراز نوري لا يُخشى عليه من الرأي السائد الذي يقول إن كثرة الحوار تقلل من أهمية الصورة البصرية. وقد يصحّ هذا الرأي مع مخرجين مبتدئين لا يمتلكون خبرة سينمائية طويلة أو غير موهوبين أصلاً، لكن نوري يمسك العصا من منتصف المسافة التي توازن بين الصورة والكلمة، وقد نجح في ذلك أيّما نجاح ولم يضح بأحدهما على حساب الآخر، ويكفي أن نشير هنا إلى الحوار العميق الذي دار بين سنان والإمامَين نظمي وفيصل على مدى عشرين دقيقة تحدثا فيه عن الإيمان والإلحاد، والشك واليقين، والأدب والفن، والقناعات المتنوعة التي يمتلكها كل واحد منهم على انفراد.

هذا الحوار يتشعّب منذ مستهلّ الفيلم حتى نهايته المعبّرة. فبعد أن عرف سنان أن أباه قد قرأ الرواية بدقة وأناة، وأيقن بأنه يحاول أن ينتصر على محنته وإدمانه في لعب القمار من خلال عمله الأسبوعي الدؤوب في هذه المزرعة، نزل سنان إلى البئر وأخذ يحفر بالمعول قاعه الصلبة المليئة بالأحجار، على أمل أن ينبجس الماء ويحوّل هذه الأرض الجافة إلى حديقة غنّاء ترفل بالخير العميم.

وفيلم من هذا القبيل يبعث على الأمل ويحفّز المشاهدين على إعمال الذهن، وإعادة التفكير بالقصة الواقعية التي تحتمل أكثر من قراءة رمزية تجعل من عائلة سنان كاراسو أنموذجًا للوطن التركي، ولعلي لا أغالي إذا قلت للعالم الإسلامي الذي يعيش أبناؤه ظروفًا مشابهة لظروف هذه الأسرة التي انتشلت نفسها من أنشوطة اليأس والتراجع والانكسار.

عُرض هذا الفيلم خارج المسابقة في الدورة الثانية لمهرجان الجونة السينمائي في مصر، وقد تابعه الجمهور بشغف كبير على الرغم من طوله الذي تجاوز الثلاث ساعات بثماني دقائق. وسوف يُعرض في برنامج “رحلة” في مهرجان لندن السينمائي لهذا العام.