ثلاثية إيليا سليمان.. أحجية مليئة بالتناقضات والرمزية الساخرة من الاحتلال

في أي وقت وأي مكان تستطيع أن تشاهد أفلام إيليا سليمان وتفسرها في حاضر اللحظة بحسب ما تثير لديك رمزية القضايا ومعادلها الموضوعي من أفكار داخلك، فهو لم يؤطر الحكاية في حوارات مكتوبة، كما لم يجعل هناك بداية للحبكة ونهاية، ولم يحشرك في غرفة انتظار حل العقدة وتحول الشخصيات، بل أخذك معه في فضاء رمزيته المتواصلة وشخصياته الصامتة وسخريته القاتمة، وبحضوره الواقف دائما، المندهش المنتظر للحياة أن تمر، دون سلطة عليك أو ادعاء المعرفة، فتحكم بنفسك على ما حاول أن يقوله من خلال ثلاثيته “سجل اختفاء” (1996)، و”يد إلهية” (2002)، و”الزمن الباقي” (2009).

“سجل اختفاء”.. رحلة البحث عن ذات المخرج

في أول أفلامه “سجل اختفاء” يبدو إيليا سليمان باحثا عن ذاته ليس بوصفه إنسانا بل مخرجا، فنجده يصور مشاهد من الناصرة والقدس تتسم بالعزلة عن بعضها، لكنها تتكرر بأشكال مختلفة؛ النساء اللواتي يصنعن الطعام في المطبخ، الرجل الذي يعتني بعصفوره وكلبه وهو يلبس البيجامة، المحل الذي يتكرر وقوف سيارة أمامه وينزل منها السائق والراكب الذي بجانبه، فيضربان بعضهما أو يستبدلان الأماكن.

وهناك أيضا البائع الذي يجلس أمام محله لبيع التحف، وبجانبه صديقه إيليا سليمان، يراقبان المارة على مر الأيام؛ مُشاة غرباء أو من الحارة، رجل وزوجته، وفد سياحي آسيوي يحمل قائده علما كي لا يفقد أحد رعيته، شقيقان أصلعان.

لا يتحرك البائع وصديقه المغرمان بارتداء النظارات الشمسية وتدخين السجائر، كأنهما يعلمان أن لا أحد سيشتري الجِمال الخشبية أو زجاجات الماء المقدس، أو بطاقات المعايدة التي تحمل صور مناظر طبيعية، وواحد منها يحمل صورة الفلافل، وكتب عليه “السناك الوطني الإسرائيلي”.

ولا تخلو هذه المشاهد من تهكم وسخرية من الرموز التي تعبر عن فلسطين وقضيتها، وكيف أصبحت تجارة سياحية بحتة، وحتى حين تحولت كتجارة أصابها الكساد التام، أو استولى عليها الاحتلال، وفي ذات الوقت هي مشاهد تعبر عن ثبات وحركة الحياة “بفيزيائها وإنسانها”، لكنها تتكرر إلى درجة أنها أصبحت مألوفة في هذه المدينة التي لم يعد يغير من رتمها شيء.

كما إن إيليا لا يفتش في هذه المدن عن تناقضها وألمها وعاداتها اليومية فقط، بل يعبر أيضا عن مزاج أهلها النزق تارة، والضجر أحيانا، والكوميدي في غالب الوقت، كما كان حال الصيادين في البحر وهم يصطادون ويضحكون مع بعضهم.

إيليا سليمان من مشاركته في ندوات قمرة بالدوحة

ولا يكون ذلك في سردية سينمائية تقليدية تحكي حياة المُخرج وسط هذه المفارقات، بل لقد شظى الكل في مَشاهد متعددة غير مترابطة إلا بالكلمات التي تظهر على الشاشة مثل “اليوم التالي”، و”الانتقال إلى القدس”، وكأنه يخشى أن يضيع منه المُتلقي خلال الفيلم، أو ليقول له إنه صور فيلما فوق فيلم آخر، فقد عاد من أمريكا ليصنع فيلما، يقابل خلاله أبا من الكنيسة وأحد الكُتاب على هامش يوميات مدينته في فيلمه الأكثر اتساعا، في سعي مستمر لتكنيك مغاير للسرد السينمائي.

عودة من المهجر لصناعة فيلم.. احتفاء بموهوب المدينة

هذا الحرص على المتلقي لن يهتم له إيليا سليمان أبدا في أفلامه التالية، فلن يربط بين المَشاهد بالكلمات المكتوبة، بل سيعتمد على لحظة تكرارها كي يبدأ كل مرة من جديد داخل الفيلم، فيما يشبه السرد الرقمي لكن دون تكنولوجيا.

ومن السهل التنبؤ بأن إيليا كان يعرف حين صنع الجزء الأول بأنه سيكون بداية سلسة أفلام العودة إلى مدينته وعلاقته بوالديه، بالتأكيد لم يكن يعرف كل الخطة وماذا سيؤدي إلى ماذا، وبماذا سيحتفظ أو يُلقي وماذا سيكرر، لكنه كان يعرف على الأقل أنها ستكون حكايته هو، وأن ذاته “أيضا بفيزيائها وإنسانها” هي الرابط الأساسي بين هذه الثلاثية.

فعلى الرغم من التبعثر الكبير والمستوعب داخل الجزء الأول، تبقى ماثلة أمامنا حكاية هذا الشاب الذي عاد من الغربة ليصنع فيلما، فيقضي وقته يراقب تفاصيل مدينته، ويجلس مع صديقه بائع التحف، يسافر بين تل أبيب وحيفا ورام الله، ليعكس تناقضات المجتمع عبر يومياته، فمن الممكن أن يجلس أمام نافورة بتل أبيب وحوله إسرائيليون دون أن يتحدث لأحد، أو يشرب البيرة وفي الخلفية صوت طقس ديني، أو يحصل على جهاز اتصال لاسلكي سقط من شرطي إسرائيلي بالخطأ في أحد شوارع القدس، ليجلس يستمع إلى المحادثات الأمنية في وحدته، أو يحتفظ بقداحة على شكل قنبلة وأخرى على شكل مسدس.

ناهيك عن أنه أصبح موهوب المدينة التي تقرر الاحتفاء به في واحدة من الندوات، ليقدمه عريف الندوة معنا المخرج السينمائي إيليا سليمان، العائد من منفاه الاختياري في نيويورك، وقد اختار الوطن موقعا لتصوير فيلمه الجديد عن السلام، سيحدثنا عن حبكة الفيلم وأساليب السرد التي سينتهجها، وبعض الشيء عن خصوصية اللغة السينمائية في هذا الفيلم الجديد، لكن حين يقف إيليا المخرج وإيليا الممثل ويهم بالحديث لا يستمع إليه أحد، وكأنه غير مرئي لهم، ويبدأ الأطفال بالصراخ والهواتف النقالة ترن، وفوق هذا فالبوق لا يعمل، فلا يتكلم إيليا ولا يكتمل الاحتفاء، وهكذا المشهد الوحيد الذي يعطي أملا بأن إيليا سيكسر الصمت، لا يحدث إطلاقا.

يوميات الناصرة.. تناقضات المدينة المحتلة وغير المحتلة

يحتل الأب في الفيلم حيزا رئيسيا، فهو يربي الحيوانات الأليفة ويباري رجال الحارة بالمقهى في لعبة مصارعة الأيدي، كما يلعب الشطرنج على جهاز حاسوب ضخم، كذلك الأم التي تطبخ بصحبة جاراتها، دون تسليط الضوء على العلاقة بين الثلاثة، عدا المشهد الذي يعزف فيه السلام الوطني الإسرائيلي، والعلم يرفرف من شاشة تلفاز قديم في منزلهم، والأم والأب يشخران أثناء نومهما على الأريكة، بينما يقف إيليا في الغرفة الداخلية ينظر من النافذة، ويكون هذا المشهد الأخير في الفيلم.

حالة الكساد وشعور الإحباط والذكورة الملقاة على أرصفة المقاهي، والسلام الوطني الإسرائيلي الذي يتردد في بيت فلسطيني، جميعها انعكاس لحقيقة أن الاحتلال خنق الأرواح والأماكن في مدينة الناصرة، حتى أصبحت تقف على الحافة، فهي مدينة محتلة وغير محتلة، حرة وغير حرة، لها أسوار وليست لها أسوار.

لقطة من مدينة الناصرة التي تعيش حالة من التناقض من كونها محتلة وغير محتلة

ليس التهكم في الفيلم فقط على شكل الحياة في مدينته، بل أيضا على الاحتلال ذاته ومنظومته الأمنية التي تنتفض لنداءات عدن صديقة إيليا على حين تحدثت على اللاسلكي قائلة بالعبرية إن هناك حدثا أمنيا في القدس، وهي تحاول أن تسلي نفسها تسلية طفولية، إذ غدت وحيدة بعد أن ترك إيليا المنزل وعاد إلى الناصرة، فتستجيب سيارات الشرطة للنداء وتبحث عن موقع الحدث الأمني، والفتاة مستمرة بنقل معلومات خاطئة لهم وعناوين مختلفة، مما يجعل السيارات تدور حول نفسها إلى أن يعتقلوها بعد اقتحامهم المنزل.

تتحرز شرطة الاحتلال على كل شيء، حتى دمية المانيكان التي ترتدي الثوب الفلسطيني، والتي كانت تواسي “إيليا” وهو يجلس على كرسي مطلي بالعلم الفلسطيني يشاهد مشهد رقص تراجيدي في أغنية دريد لحام “رايتي السودة الحزينة” من مسرحية “غربة”.

بالون في الهواء يحمل صورة عرفات.. تهكم من الرعب الأمني

خوف الشرطة الإسرائيلية من المانيكان، والقنبلة والمسدس الذين ما هما إلا قداحات، ليس يمثل سخرية من رعبهم الأمني فقط، بل كذلك معادلا موضوعيا للعجز عن التسلح في ذلك الزمان والمكان، وهذا العجز يتحول إلى فانتازيا كاملة حين تتحول المقاومة إلى لعبة نينجا خيالية في الفيلم الثاني “يد إلهية”.

ومن هنا نستطيع القول إنه كان يؤسس في “سجل اختفاء” لعدد من القضايا ومكونات الصورة السينمائية التي ستتكرر لاحقا في فيلمي “يد إلهية” و”الزمن الباقي”، لكن هذا التأسيس أصبح يتمتع بهذه الصفة بوقت لاحق حين صنع الفيلمان الآخران.

وهذه السمات المشتركة تشمل المكان والأفكار والتكنيك، فإضافة إلى فكرة المقاومة التي تتحول في الفيلم الأخير “الزمن الباقي” إلى ذكريات من الماضي، فوالده صانع أسلحة المقاومة في شبابه، وهو ينقذ جنديا إسرائيليا من موت محقق في حادث لسيارته العسكرية التي تنقل الأسلحة.

إيليا سليمان في فيلم “يد إلهية” يحمل البالون الذي طُبعت عليه صورة ياسر عرفات

كما تتكرر قضية التهكم من الرعب الأمني في فيلم “يد إلهية”، حين يذهلون أمام بالون في الهواء يحمل صورة ياسر عرفات، ويتجاوز الحاجز دون أن يستطيعوا منعه، أو في فيلم “الزمن الباقي” حين تعتبر الشرطة الإسرائيلية صينية “البرغل” مادة لصنع السلاح، أو حين يتحرك مدفع دبابة مع ذهاب وإياب شاب يتحدث بهاتفه النقال أمام منزله.

“روخ على البيت”.. مفارقات تجسد عبثية المواطن والمحتل

هناك مكونات في الأفلام الثلاثة هي الأب والناصرة وفقرة الإمبريالية الأمريكية، والأهم أن المنزل هو ذات المنزل في الأجزاء الثلاثة، وبعض الممثلين دائمي الظهور هم من عائلته وأصدقائه الحقيقيين، وهناك ما اقتصر على الفيلمين الأخيرين كمشهد الساحة الخارجية في المستشفى، وظهور الشقيقين الأصلعين في المشهدين، وكذلك يظهران في الفيلم الأول، لكن ليسا مريضين، بل عابري طريق من أمام محل التحف.

ولا تخلو الأفلام الثلاثة من فانتازيا سينمائية، كمشهد عبور امرأة جميلة حاجزا إسرائيليا في الفيلم الثاني “يد إلهية”، هذه الفانتازيا في عبور الحاجز يكررها في مشهد آخر في الفيلم الثالث “الزمن الباقي” حين تمر امرأة تقود عربة أطفال وسط اشتباك بين الجنود وشباب الحجارة في مدينة رام الله، فيتجمد كل شيء، ما عدا الجندي الذي يصرخ بها وهو يوجه إليها فوهة سلاحه “روخ على البيت”، فتخلع نظارتها الشمسية قائلة له “أنا روح على البيت.. أنت إلي روح على البيت”.

وهذا الحوار يعبر عن فكرة الاحتلال الطارئ على الأرض في مقابل صاحب الأرض الأصلي، ويتكرر في فيلم “يد إلهية”، حين يقوم شاب معتقل في سيارة شرطة إسرائيلية متوقفة في مفترق طرق بوصف العنوان الصحيح لسائحة أجنبية تائهة، فهي تسأل عن عنوان لم يعرفه الشرطي، فيقوم بإخراج الشاب الفلسطيني المعتقل من السيارة ويسأله عن العنوان، فيدلها دون أن يزيل الشرطي العصابة عن عينيه.

إن كل لقطة في الفيلم لم تكن اعتباطية أو زائدة، بل جاءت إما لتخبرنا تفصيلا جديدا عن يوميات مدن فلسطينية، أو لتكون قطعة جديدة في أحجية ثلاثية إيليا، ثلاثية الأب والابن كما هي في أذهاننا حاليا.

وإذا كان هذا التشظي في أوجه بالفيلم الأول “سجل اختفاء”، فإنه سيقل في فيلم “يد إلهية”، وتنمو حكاية الأب والابن، وتتحول المشاهد إلى أيقونات أيضا منعزلة، لكن يربط بينها التكرار، تكرار الوقوف عند الحاجز، تكرار فتح الرسائل، تكرار رمي النفايات، تكرار انتظار الحافلة، إلا أنها في سياق أوضح.

ويبقى فيلمه الذي يصنعه داخل الفيلم قيد التحقق، فهو يعلق بطاقات القصة “الستوري بورد” على الحائط، ويقدم ويؤخر في المَشاهد، حتى يصل إلى فيلمه الأول، وهو الثالث فعلا، أو السردية المتكاملة “الزمن الباقي”.

“يد إلهية”.. مشاهد أيقونية في الذاكرة البصرية

يبدأ فيلم “يد إلهية” بمشهد بابا نويل وهو يركض حاملا الهدايا على ظهره ومجموعة من الفتية يلاحقونه، وحين يتوقف على قمة التل، يظهر سكين مغروس في صدره، دون أن نعرف هوية الطاعن، لكن المشهد لا يعبر إلا عن الغدر بأجمل ما في فلسطين والناصرة، إنه قتل إرث البراءة والعطاء في المدينة، دون أن يكون مهما إذا ما كان القاتل فلسطينيا أو إسرائيليا.

بل إن هذا المشهد سيتحول إلى أيقونة في الذاكرة البصرية، وسنراه يتكرر كل عام وقت احتفالات عيد الميلاد على تلال رام الله وعند حدود غزة، حيث شبان يرتدون زي بابا نويل يركضون، ويواجهون رصاصات المحتل، لتلتقط الكاميرات العالمية الصور، فيحيا مشهد الفيلم من جديد بعدة طرق، وقد يعرف هؤلاء من صاحب براءة الاختراع، وقد لا يعرفون.

إن فيلم “يد إلهية” منذ اللقطة الأولى حتى الأخيرة لا يضم سوى مشاهد ستبقى أمثولة في ذاكرة السينما العالمية، حيث الحب الذي تمارسه أيدي العاشقين على الحاجز، وبذرة المشمش التي تفجر دبابة، وفتاة النينجا التي تتخلص من نخبة جنود إسرائيليين بالحجارة، وبالون عرفات، وبابا نويل المطعون، وفتاة الحاجز.

وهي أيقونات مكثفة من المفارقات والتناقضات بنقاء خالص، وربما أكثرها شهرة بعد مشهد بابا نويل المغدور، هو مشهد الفتاة الجميلة التي تقطع الحاجز أمام دهشة الجنود وصمتهم، كذلك البالون الذي يعبر الحاجز وعليه صورة عرفات، ويصل إلى القدس المحتلة، وقد يعبر عن بطولة أو وهم البطولة، فما يحمله هواء وداخله هواء أيضا.

إنها ثلاثة مشاهد رئيسية ستحمل طوال الزمن الباقي تناصا مع الحياة، وتتكرر في تعبير هازئ بمناسبات وطنية ودينية، ونموذج مغاير في مواجهة الاحتلال، ومفارقة الأنوثة الطافحة أمام بندقية عسكرية.

ومع هذه المشاهد الكثيرة التي تبدو ساطعة عن باقي الفيلم، وتكسر إيقاع امتداد حكاية العودة مرة أخرى لإيليا من نيويورك، حين يقع والده مغشيا عليه بسبب مشكلة في قلبه؛ تبقى مدينة الناصرة تفيض بذكورها الذين يقضون وقتهم بالشجارات والغضب، فقد تجاوز الأمر انتظار أن تنتهي البطالة كما في الفيلم الأول.

ويقترب إيليا من والده في أكثر من مشهد يجمعهما في المستشفى، يظهر فيه حرص الابن على الأب، لكن دون كلام أو حتى تبادل النظرات، كأنه اغتراب داخل عودة، إلى أن يقرر في بطاقات القصة “الستوري البورد” داخل الفيلم وفاة الأب، أو هكذا تريد اليد الإلهية.

“الزمن الباقي”.. عودة إلى أيام الاحتلال الأولى

ليس إيليا وحده من يتقدم به العمر ويمشي الشيب في رأسه، بل يزداد انكفاءُ مدينة الناصرة إلى داخل حدود وضَعها الاحتلال، وتتآكل مصاطب الحارة، ومع كل ذلك تجد الحداثة طريقها كي تصل إلى المدينة، وتصبح لدى والدته مدبرة منزل أجنبية، وكذلك جهاز “كاريكوي”.

يبدأ فيلم “الزمن الباقي” بمشهد لسائق يضع حقائب إيليا سليمان في سيارة الأجرة، لكن الأمطار الغزيرة والرياح تحولان دون تقدم السيارة، ولا يعود السائق الإسرائيلي قادرا على رؤية الطريق فيتوقف. وهنا ينتقل الفيلم إلى زمن 1948، حين والده الشاب اليافع صانع الأسلحة يحب ابنة الجيران.

ولم يسلم السرد التاريخي من تهكم إيليا اللاذع حين يحاول جندي عراقي البحث عن طبرية للمحاربة مع جيش الإنقاذ العربي، ويدله بسخرية مجموعة من الرجال الذين يجلسون في نفس المقهى، لكن هذه المرة يحملون بنادقهم ينتظرون الاحتلال.

في هذا الفيلم يصل إيليا إلى الحكاية والسردية المتكاملة لقصة والده وعائلته وطفولته التي كانت عبارة عن ومضات في الفيلمين السابقين. ويتدرج بكيفية وصول أهل المدينة إلى قبول العيش تحت الراية الزرقاء وغناء أناشيد المحتل كأنها أناشيد الوطن، فيسلم مفتشُ المنطقة الإسرائيلي المعلمةَ العربية جائزةَ الاندماج في مجتمع ديمقراطي، ومديرها العربي سعيد بذلك أيضا.

وبمجرد مغادرتهم يقرّع المدير الطفل إيليا قائلا: “مين قلك أنه أمريكا كولنيالية؟ تعرف هذا الحكي ما بنحكى في الصف”.

وتكون ساحة المدرسة خالية إلا من الزينة البيضاء والزرقاء، وفي مشهد لاحق يسأل المدير الطفل إيليا مرة أخرى “مين قال لك إنه أمريكا إمبريالية؟ بتعرف هذا الحكي ما بنحكى في الصف”. وهذه المرة تكون الساحة ممتلئة بالأطفال، لكن الجميع في حركة متجمدة، مما يعبر عن الكثير من ملامح المستقبل القادم.

مفارقات الطفولة.. مشاهد تختزل في ثناياها الكثير

يصور إيليا طفولته ومراهقته بين الاعتناء بوالده وكونه طفلا لديه أفكار مغايرة، وتدهشه عروض السينما، وبين مراقبة الجيران الذي يكرر أحدهم محاولات الانتحار في مشاهد كوميدية وحوارات عن نظرياته السياسة أكثر هزلية، كما يكون إيليا شاهدا على منعطفات تاريخية كزمن الوحدة العربية، ووفاة جمال عبد الناصر، واستلام السادات، ومناوشات بين شباب مدينة الناصرة وجنود الاحتلال.

الممثل صالح بكري في فيلم “الزمن الباقي” (صفحة المخرج على فيسبوك)

ويحدث التحول في زمن الفيلم مرة ثانية حين يكون الشاب إيليا في الصيدلية يشتري الدواء لوالده المريض، في اللحظة التي ينام فيها والده بالسيارة على أنغام “أنا قلبي دليلي” للمطربة ليلى مراد، وهي ذاتها الأغنية التي يستمع إليها جنود الاحتلال، حين يسرقون جهاز “الجرامفون” من منزل حبيبته بعد مغادرة الناصرة مع عائلتها إثر احتلالها عام 1948.

الزمن الذي ينتقل إليه ليس الماضي، وليس الحاضر الذي يمثله وجوده بسيارة الأجرة المتوقفة بسبب المطر، بل هو زمن يصل فيه إلى منزله في الناصرة لزيارة والدته الوحيدة مع المربية، وهنا يطرق الباب أحدهم، فينظر إيليا من عين الباب ليجد شرطيا إسرائيليا، وهو ما يربكه، لأن لهذا الزي الأزرق ذكريات سيئة من طفولته، لكنه حين يفتح الباب لا يجد إلا جارهم الفلسطيني الذي يعمل بالشرطة الإسرائيلية، وهو الأمر الذي يبدو أنه لم يعد عارا، ويرحب به الشرطي مقدما له صحن سلطة تبولة.

رام الله.. تناقضات الرفاهية تحت الاحتلال

تستمر مفارقات إيليا مع أصدقائه وأهل الحارة وفي المقهى، كما يزور رام الله ويقدم أكثر من صورة ساخرة عن الرعب الأمني للاحتلال فيها، كما يصور تناقضات الحياة والاحتلال في مدينة رام الله؛ فيرقص شبابها على صخب موسيقى صالة الديسكو، بينما تنادي دورية الاحتلال بحظر التجول عند باب الصالة، ولا أحد يهتم.

هنا ينتقل إلى المشهد الفانتازي الأكثر بروزا في الفيلم، وذلك حين يقفز بعصا الزانة من فوق جدار الفصل العنصري ليسقط على الناحية الأخرى دون ضجيج، فيسجل هنا مشهدا آخر من أيقونات السينما الفلسطينية في العالم.

بعده يعود إلى زمن الفيلم الحاضر، حيث السائق نائم بالسيارة، وحين يصل إيليا سليمان إلى مكان ما، نجده في المستشفى حول والدته التي تعاني من نوبة سكر، يتبادلان النظرات والابتسامات، لكن دون كلام أيضا، وينتهي الفيلم وهو يراقب المرضى وقد عادوا ليكرروا جنون يومياتهم في الساحة الخارجية، فيضع بذلك آخر قطعة من الأحجية مكانها.