“الكاراس”.. ثلاثة أجيال تصارع رواسب الإقطاع والثورة والرأسمالية

يروي لنا التاريخ سيلا متدفقا من الحكايات عن حكم الجنرال “فرانثيسكو فرانكو”، لكن من بين طيات الأحداث المتناقلة هناك شيء ما لا يزال تطفو آثاره على السطح، فعندما تولى “فرانكو” أمور السلطة وأرسى قواعد حكمه؛ حوّل نظره نحو برشلونة وكتالونيا، وشرع في التنكيل بهما دون رحمة، والسبب هو العداء الفطري بين الشمال والجنوب أثناء الحرب الأهلية الإسبانية، ونظرة الجنرال لهذه المدن التي لا تعدو كونها مصنعا للثوار المناهضين لحكمه الأوحد.

ورغم مرور عشرات السنوات على هذه الحرب، فإن أطياف هذا العداء يُمكن الإمساك بها ولو خلسة، وهذا ما يتطرق إليه الفيلم الإسباني “الكاراس” (Alcarras)، وهو من سيناريو وإخراج “كارلا سيمون” (2022)، وقد حاز عن استحقاق جائزة “الدب الذهبي” في مهرجان برلين السينمائي لعام 2022.

يبدو الفيلم مهموما بالصراع حول الأرض وماهية التملك، ولمن يعود الحق، هل هو للملاك الأصليين، أم للعاملين والسكان المرابطين على مدار سنوات؟ ومن ثم ينطلق لرؤية أكثر رحابة، ويُحيل هذا النزاع إلى صراع مُستتر بين الفرد من جهة، والكيانات الاقتصادية من جهة أخرى، فكل منهما يبحث عن مصلحته الخاصة وفق رؤيته الذاتية التي لا يرى سواها.

تدور أحداث الفيلم حول إحدى العائلات الإسبانية التي تقطن في نطاق الأراضي الزراعية المترامية الأطراف في منطقة “الكاراس” الكتالونية، إذ تنقلب حياتها فجأة بعد عودة الملاك الأصليين للأرض، ومطالبهم بترك منزلهم والحقول الزراعية التي يعملون بها، حينها تُصيبهم الحيرة بين استكمال حياتهم وتجاهل تلك المطالب التي تطرق رؤسهم، أو التخلي عن الأرض طواعية.

عوالم الفيلم.. مشاهد متضادة من عالم مرئي وآخر خفي

يبدأ الفيلم بلقطة تأسيسية لحقل زراعي ممتد الأطراف تلتقطه الكاميرا لثوان، وتعقب هذه اللقطة لقطات أخرى للحقل من عدة زوايا، وكأن الفيلم يُخبرنا منذ البداية بحدود العالم السردي وببطولة المكان ذاته، فالمعني ليس فقط البشر المُحيطين بتلك البقعة، بل الأرض أيضا لها من الظهور نصيب وافر.

ثم ننتقل إلى المشهد التالي، ونرى فيه مجموعة من الأطفال يلعبون في إحدى السيارات القديمة المتهالكة، لكنهم في لحظة ما تنتابهم نوبة ذعر فُجائية، لا تكشف الكاميرا عن مصدرها إلا ببطء ملحوظ ومقصود تماما، حينما تُسلط العدسة على رافعة ثقيلة تحمل السيارة لأعلى، تمهيدا للإلقاء بها بعيدا عن الأرض.

العائلة تنظر إلى الرافعة وهي تُزيل الأشجار

الربط بين المشاهد الأولى للحقول الزراعية ومشهد الرافعة يضع المتفرج أمام مقارنة واضحة المعالم بين عالمين، ستتضح سماتهما مع مرور السرد وتدفقه، فأحدهما مرئي والآخر خفي، فقد جعل السيناريو الأحداث تدور في إطار مكاني منفرد هو الحقل والأراضي المترامية حوله، والمنزل الريفي الذي تقطنه الأسرة العاملة.

لا تكاد تنطلق الكاميرا خارج هذه الحدود إلا فيما ندر، وهنا يُمكننا تسمية هذا المكان مجازا بالعالم الأول أو الفطري، حيث تغلب عليه الحياة التلقائية البعيدة عن مظاهر الترف، الحياة التي تتمسك أكثر بمنحى أصيل في العيش، معتمدة على الزراعة كأسلوب رئيسي ووحيد لممارسة الحياة، وكأن هؤلاء هبطوا فجأة من السماء لممارسة طقوس حياتهم الأكثر تمسكا بالحياة التقليدية.

وعلى الجانب الآخر الذي لا يكاد يُرى إلا شحيحا عالم مُضاد لهذا العالم، نرى ملامحه في الرافعة التي يتردد صوتها لفترة ليست بالهينة، ثم تظهر عبر لقطة متوسطة وكأنها وحش يلتهم سيارة الأطفال، وعند توالي الحكاية نرى وسائل أخرى أكثر هجومية تصل ذروتها في ألواح الطاقة الشمسية المنصوبة بمحاذاة الحقل كأسلحة مُشرعة نحوهم، تُهدد وجودهم وتكاد تُفنيهم، وعلى الرغم من قلة عدد مشاهد هذا العالم، فإن وجوده محسوس وضاغط على العائلة، فالوجود غير الملموس يُصبح حضوره أقوى في الغياب.

انتشال السيارة والأشجار.. إيقاع رتيب لقصة تطوف حول نفسها

يفتتح الفيلم بمشهد الرافعة وهي تنتشل السيارة القديمة، عند هذه النقطة يفتتح السرد القوس المبدئي للحكاية، وينغلق بمشهد مماثل والرافعة تُحطم الأشجار، فالبداية والنهاية يتماثل مدلولهما في سرد حداثي يتخذ من البنية التقليدية القائمة على الفصول الثلاثة (بداية ووسط ونهاية) أساسا للحكي، لكنه يطعم هذه التقليدية على مستوى البناء بملامح أكثر تطورا، فالفيلم لا يتميز بالأحداث الدرامية الكبرى كالميلاد والوفاة، لكنه يستمر في منوال دائري حول نفس النقطة ولا يكاد يبرحها، وهي التنازل عن الأرض لصالح ملاكها الأصليين.

العائلة تجتمع على طاولة الطعام احتفالا بالكرنفال رغم محاولات الاستيلاء على أرضهم

يبدأ قوس الحكاية بالمشاهد الأولى، ويتبعها في تسلسل درامي، يتتابع حول البحث عن أحقية امتلاك الأرض، حيث نرى الجد وهو يبحث بين أوراقه عن سند ملكية الأرض، لكنه يتذكر أنه لا توجد أي أوراق ثبوتية، فقد امتلك الأرض شفهيا من الأصحاب الأصليين أثناء فترة حكم الجنرال “فرانكو”، ولخشية التنكيل بهم أخفى الملاك أحقيتهم لعقود طويلة، والآن حان الوقت لإرجاع الأرض لعهدتهم مُجددا.

يقول الكاتب الأمريكي “روبرت مكي” عن التفاصيل السردية “التفرعات أو المنعطفات في القصة لا تُملأ بالأحداث المثيرة، فالشخصيات تبحث عن المعنى، وعن التغيير أيضا”. وبالنظر لسيناريو فيلمنا نجد أنه في اعتماده على التفاصيل الحياتية الصغيرة لأبطاله، وتقديمه حياتهم اليومية في تكرار؛ يكشف في داخله عن رغبة الشخصيات في إحداث تغيير ما، أو التواؤم مع ما يحدث حولها من مُجريات وتغييرات، فالقصة تتصاعد في مصفوفة سردية قوامها التفاصيل الصغيرة، شذرة من هنا مع مثيلاتها من هناك، وهكذا طوال الفيلم، وكل تفصيلة تكشف عن خبايا حياة هذه الأسرة المُهدَدة التي تبحث عن إجابة لسؤالها المؤرق، ما الذي تفعله عندما يأتيك نبأ رحيلك الاضطراري عن محل إقامتك؟

هذا ما يُجيب عليه السيناريو، فالحياة قد يبدو أنها تسير بتلقائية، لكنها تخفي بين طياتها ذعرا داخليا لا نراه، وإن كنا نشعر به، يُباغتنا حينا، ويختبئ أحيانا أخرى، وكما ذكرنا فالأحداث الكبرى المتعلقة بمسار الحياة لا تحدث، أو بمعنى أدق تحدث في الخلفية، ونرى صداها، وهو ترك الأرض الذي تتحايل عليه الأسرة بشتى الطرق، ليس عن تمسك بالأرض بوصفها هوية وأصلا، لكنه في شق منه تمسك بالحياة ذاتها، كالأسماك إذا غادرت الماء فإنها تلقى مصيرها المنتظر.

 

لذلك يستمر إيقاع الحياة الرتيب كما هو، العمل من الصباح حتى المساء في الحقل، تجتمع العائلة للحصاد، يقطفون ثمار الفاكهة في بهجة مُصطنعة، وفي المساء يجتمعون حول مائدة الطعام بشهية تتناقص يوما بعد يوم، وهكذا يتعرض السرد لهذه التفاصيل التي قد يبدو أنها لا تُقدم ولا تؤخر في مسار الحكاية ذاته، لكنها تكشف بأسلوب متوارٍ عن متغيرات تتصاعد تدريجيا.

ألواح الطاقة.. رمزية الصراع بين قوى الماضي والحاضر

يُقدم السيناريو أزمة أبطاله في الزمن المضارع الحالي، لكن جذور الأزمة تعود للوراء، حيث يحكي الجد عندما انتقلت إليه ملكية الأرض بأن أسرته أخفت وثائق الأسرة الإقطاعية لديها حتى لا تطالها يد الثورة، والآن تُطالب تلك الأسرة الإقطاعية بأملاكها، ورغم عدم الحاجة الفعلية لها، فإن الرغبة في الاستيلاء وإقامة المشاريع لتعظيم الفائدة الربحية هي المسيطرة.

وعند هذه النقطة يخلق السرد قوى أخرى مُضادة لرغبات وأهداف العائلة المُهددة، فيتخذ من ألواح الطاقة الشمسية عدوا يستوطن من الأرض الزراعية ما شاء، في مقابل صمود العائلة ومحاربتهم تلك القوى المُعاكسة لرغباتهم، وبالتالي يخلق نقطة صراع تتطور مع تدفق السرد.

يحمل الصراع الدرامي في جعبته عددا من الرمزيات والتأويلات التي يُمكن إحالتها إلى صراع زمني، بين زمن ولّى، وما زال يقاوم احتضاره ببسالة، في مقابل زمن آخر يولد من رحم التغيرات والتطورات العالمية، أو بمعنى أدق زمن ماض وزمن حاضر، فإذا كان الاعتماد الكلي في الماضي على الزراعة كسبيل وحيد للحياة، ومن ثم تجعل الحياة تبدو وكأنها أكثر أصالة ونقاء، فالزمن الحالي القوة فيه للتكنولوجيا والتطور الصناعي، وهنا تكتسي الأراضي الزراعية بألواح الطاقة الشمسية التي تزداد رقعتها بمرور الوقت، وتُشكل خطرا على الأراضي الزراعية، ومن ثم يخلق عداء دفينا بين العائلة القاطنة في الحقل، والطرف الآخر الذي لا نلمح وجوده إلا عبر تأثيره، مما يدفع الابن “كيميت” (الممثل جوردي بوجل دولكيت) لنزع لوح الطاقة الشمسية من منزله بغلظة وغيظ مكتوم، حتى في ظل الحاجة لمصدر طاقة، فإنه يتخلى عنها مواجهة لهذه الألواح التي تُشكل خطرا جوهريا على وجوده الذاتي.

الجد مع حفيدته ينظرا إلى ألواح الطاقة الشمسية التي تُهدد وجودهم

الألواح الشمسية ما هي إلا رمز لطغيان الكيانات الاقتصادية على الفرد، وتصاعد الفكر الرأسمالي على حساب الإنسان، حيث تأتي الجرافات وتنتزع الأشجار وتقذف بها بعيدا، كل ذلك لإنشاء محطة الطاقة التي تنتمي لإحدى الشركات الكبرى، وبدورها تنتمي لأصحاب الأرض الأصليين الذي لا يعنيهم سوى تعاظم المكسب المادي، لذلك يواجه الجد الفشل في الصلح حينما يُرسل هدية بضع ثمرات من أشجار الحقل لأصحاب الأرض، وكأنه يُذكرهم بأصولهم، لكن الوضع يستمر كما هو دون بارقة أمل في التغيير.

شجرة الحفيد.. عدوى التمسك بالأرض في الأجيال الثلاثة

في أحد المشاهد ينظر الجد إلى عائلته الكبيرة المكونة من الابن والحفيد وهم يبحثون عن أوراق ملكية الأرض، تقترب الكاميرا من وجهه، وتكشف عن حزن عميق مغلف بالأسى، في مقابل الابن “كيميت” البطل الرئيسي للفيلم، والغضب يُمسك به وهو يصيح منفعلا، وعلى الناحية الأخرى ينظر الأحفاد إلى ما يحدث وكأنه قضية حياة أو موت.

لقد جعل السيناريو الشخصيات امتدادا لبعضها، حتى وإن اختلفت سماتها السلوكية والشكلية، فكل منهم يُعاني بطريقته ويُعبر عن هذه المعاناة بأسلوبه الخاص، الصمت الدائم الذي لا يقطعه سوى أحاديث جانبية عن الماضي، سمة الجد وأسلوبه، وكأنه يُجسد إحدى شخصيات الدراما الشكسبيرية، حيث يُتابع في صمت محاولات تجريف الأرض والمساعي الدؤوبة لطردهم، كل هذا بنظرة صامتة تشي بحزن عميق، قد يبدو رد فعله تجاه كل ما يحدث سلبيا وبدون رد دفاعي، لكن الصمت هنا احتجاج وتعبير عن الغضب المكتوم.

أما الابن المسؤول الأول عن رعاية الأرض، فيقف على النقيض تماما من الأب، الغضب مُسيطر عليه بدرجة كبيرة، ويجعل ردود أفعاله في بعض الأحيان غير مُبررة أو مُبالغا فيها، لكن مع مرور الأحداث يكشف السرد عن أن ما وراء كتلة الغضب المستعرة خوف وترقب من المجهول الآتي، لتنتقل جرعة الخوف منه إلى باقي الأفراد، فكل منهم يحمل خوفه بداخله، ويُفصح عنه بأسلوبه الخاص.

 

يتفق الجميع على شيء واحد، ألا وهو ضرورة التمسك بالأرض، وهذا ما يُدركه الحفيد المراهق الذي يترك دراسته ويعمل في الأرض، وبالتالي يضع ذاته في مواجهة والده الذي يسعى لتفوق ابنه الدراسي، ويُشجعه على ترك العمل، فهو لا يرغب بطريقة أو بأخرى في تسلسل مصيره لابنه، لكن الابن يُعبر عن خوفه بأسلوبه، ويزرع شجرة صغيرة في الأرض، يعتني بها حتى تنمو، وكأنه يترك بصمته أو شيء منه ويُعلن تمسكه بالبقاء، فكل من الشخصيات الثلاث تُبدي تمسكها بموقفها الدفاعي، لكن يختلف أسلوب كل منهم حسب تكوينه الشخصي، وبالتأكيد حسب انتماءه الزمني، فالجد ينتمي للماضي، في مقابل الابن والحفيد الذي يبدو زمنهما مُغايرا ويحمل أساليب مختلفة عن ما سبق.

حصار الأشجار للرافعة.. انتصار الحقل على وحش الرأسمالية

تباينت وجهات النظر طوال أحداث الفيلم، فالأحداث تدور حول العائلة، لكن عرض القصة ذاتها اعتمد على تعدد الرؤى، البداية مع الجد، ثم ننتقل مع الابن، ثم الحفيدة المراهقة التي يقع على عاتقها أغلب الفيلم، نرى الحبكة بعينيها ووفق رؤيتها هي، وكأن السرد لا يُخبرنا سوى بشيء واحد، وإن تعددت تأويلاته، ألا وهو التمسك بالأرض مهما بلغ الثمن.

يصل الصراع بين الفرد والرأسمالية الباحثة عن الثراء إلى ذروته مع اندفاع القصة للأمام، حتى نصل إلى مشهد النهاية والرافعات تُزيل أشجار الحقل، والعائلة تنظر إليها غير مُبالية، ثم تبتعد الكاميرا للأعلى كاشفة عن حصار الأشجار الكثيف للرافعة، لتبدو الصورة وكأنها تُخبرنا من علو بأن النصر حليف الحقل المُهدد.

لا شك بأن الفن يرصد ما يدور بداخل ذاوتنا، يُعبر عن المخاوف والهموم، وغيرها من الأفكار الصالحة للتداول، وفي فيلمنا تقدم المخرجة الإسبانية “كارلا سيمون” لمحة خاطفة عن قبس من حياتها في كتالونيا، وارتباط أسرتها بالأرض الزراعية المُهددة بالفعل من قبل الكيانات الاقتصادية الكبرى، فهل نجحت التجربة، أم لم يبق سوى صدى خافت للصراخ؟

تكمن الإجابة في جودة الفيلم وقدرته على طرح الأسئلة وإثارة الفكر، وطموحه في التعبير عن قضية ذاتية بأسلوب عام يتماس مع المتفرج، ويجعل مدة الفيلم -البالغة تقريبا نحو الساعتين- جرعة مكثفة من المشاهد المؤرقة عن الحياة وتعاقبها الزمني وما تفعله بنا أحيانا.