“أشكال”.. ألسنة من اللهب والخيال ترسم ما بعد ثورة الياسمين

لم تختفِ صورة محمد البوعزيزي -الشاب الذي أشعل النار في نفسه احتجاجا على سوء معاملة الشرطة له- من الأذهان في تونس، بل ما زالت الصورة الصادمة ماثلة في الأذهان تلهم وتنذر وتذكر، وحول هذه الصورة الراسخة في الذاكرة التي أشعلت ثورة الياسمين في تونس جاء الفيلم التونسي الجديد “أشكال”.

فيلم “أشكال” (إنتاج مشترك بين تونس وقطر وفرنسا) هو الفيلم الروائي الطويل الأول لمخرجه يوسف الشابي، وفيه يطرح كثيرا من التساؤلات حول الواقع التونسي بعد الثورة، وهل أثمرت التضحيات الكثيرة التي قدمها الشباب الثائر التغيير المنتظر، وما الذي يمكن أن يحدث؟ لكن هذه التساؤلات لا تأتي فقط على صعيد واقعي، فالشاب الذي كتب سيناريو فيلمه بنفسه يمزج هنا بين الأسلوب الواقعي والأسلوب الفانتازي الخيالي.

اختير هذا الفيلم ضمن عدد من الأفلام العربية الأخرى للعرض في الدورة الـ66 من مهرجان لندن السينمائي (خلال الفترة ما بين 5-16 أكتوبر/تشرين الأول الجاري)، وقوبل عرضه بترحيب كبير، فالفيلم يقدم رؤية طموحة شديدة الاختلاف عن ما ألفناه في الأفلام التونسية وفي الأفلام العربية بشكل عام.

حدائق قرطاج.. مدينة أشباح وأدتها ثورة الياسمين

يبدأ زمان الأحداث بعد مرور سنوات على ثورة الياسمين التي أطاحت بنظام الرئيس زين العابدين بن علي، أما المكان فهو ضاحية حدائق قرطاج الواقعة شمال تونس العاصمة، والتي كانت تشهد حركة بناء كبيرة قبل الثورة، وحسب ما تقوله الأسطر التي تظهر على الشاشة في بداية الفيلم، فقد توقف العمل في البناء خلال الثورة، وظل متوقفا لفترة، لكنه استؤنف الآن على استحياء كما سنرى.

هناك رغبة في تجريد الصورة، بحيث يصبح الحي ببناياته المرتفعة التي لا يزال معظمها مجرد هياكل خرسانية مرتفعة الأعمدة مهجورة الشقق، وتبدو المنطقة بأسرها كما لو كانت مدينة أشباح، أو مدينة للأرواح الهائمة التي جاءت من قلب الواقع، لكنها ليست في الواقع، بل هي تسبح فوقه.

منظر لتوقف الانشاءات المعلقة في المنطقة

هذا هو الأسلوب الذي يستخدمه يوسف الشابي في فيلمه، أي أن هناك بداية توحي بالواقعية، وبأننا أمام فيلم بوليسي من أفلام التحقيق في جريمة أو حادث غامض، لكن سرعان ما ينحرف بنا في اتجاه آخر، وأحداث ليس من الممكن أن تقع على أرض الواقع الذي نعرفه، بل لا بد أن تكون على مستوى الخيال.

إنه التجسيد الرمزي الذي يعبر عن الاحتجاج، وعن الرغبة في الصراخ. ومع ذلك فقد يكون من مشاكل الفيلم عدم قدرة السيناريو على الكشف عن طبقات أخرى من الحدث، سواء على صعيد الوعي أو العقل الباطن، بعد أن نتجاوز النصف الأول من الفيلم الذي يتميز بالإثارة والتشويق، وندلف إلى النصف الثاني منه. هنا نقع في حيرة، خصوصا أن الشخصيات تظل كما كانت في البداية أي لا تتطور أو تتعمق.

جسدان مُحترقان في ذات الحي والتوقيت.. هواجس الشرطة

يتميز الفيلم بالتشكيلات اللونية واللعب بالضوء والنار، والتكوينات التي توحي بالوحشة، مع خلفية صوتية بديعة، أصوات نباح الكلاب في فضاء الليل، دقات طبول، وموسيقى تنذر بوقوع شيء ما قادم من خارج الواقع.

هناك عمل قليل في بعض المباني التي لم تكتمل بعد، أما باقي العمل فقد توقف تماما، وماتت أصوات البشر أو اختفت، ويبدو المكان في الليل منطقة مقابر، وتجمعا للكائنات الهائمة الهامشية المثقلة بالهموم. حيث يعثر على جسد رجل محترق، ينقلونه إلى المستشفى، لكن حروقه شوهت معالم وجهه تماما، بحيث بات من الصعب التعرف عليه، والواضح أنه لن ينجو من الموت بسبب فداحة الحروق.

يبدأ زمان الأحداث بعد مرور سنوات على ثورة الياسمين التي أطاحت بنظام الرئيس زين العابدين بن علي.

تكلف الشرطة اثنين من ضباط المباحث بتحري الحادث، أما أحدهما فيدعى بطل، وهو رجل في منتصف العمر، متزوج ولديه طفلة، لكنه متجهم وغامض، وأما زميلته فتدعى فاطمة، وهي فتاة غامضة بدورها تقيم بمفردها، وإن كان لديها صديق يتردد عليها أحيانا.

يزداد الطين بلة عندما يعثر بعد أيام على بقايا جسد فتاة محترقة في المنطقة نفسها، حيث كانت تعمل خادمة في منزل رجل من أصحاب النفوذ. يريد رئيس جهاز الشرطة أن ينتهي بطل وفاطمة من التحقيقات في أقصر وقت، وإغلاق هذه القضية، من أجل تجنب إثارة الرأي العام.

شرطة بن علي.. سيف على الشعب ودرع للفاسدين

تقبض الشرطة على رجلين من الصعاليك البؤساء كانا يتجولان ليلا في تلك المنطقة، لكنهما يشهدان بأن رجلا هو الذي أعطى النار للفتاة بيده، أي من دون شعلة أو عود ثقاب، وكأنه أشعل لها يده مباشرة وقدمها لها.

سوف نشاهد في مشهد استرجاع مُصوّر على أحد الهواتف المحمولة (وهي كثيرة في الفيلم) صورة توحي بذلك بالفعل، وأما تحقيقات الطب الشرعي فتثبت غياب كل ما من شأنه أن يدعم فكرة الانتحار أو جرائم القتل، بل وتصور الصور التي نراها على هاتف الفتاة ومن قبل الرجل مشهد حرق كامل لرجل مماثل للبوعزيزي نفسه، وكأنه قد أصبح ملهما لغيره.

تتكرر وتتكاثر حوادث الحرق التي يمارسها أفراد مجهولون، لكن من بينهم أيضا ضابط شرطة، وتذهب أفكار رئيس الشرطة إلى أن هذه الحوادث قد يكون وراءها عمل إرهابي، لكن كيف؟ الواضح أن هناك رغبة في سرعة إغلاق الملف، فهل نحن أمام فيلم عن تجاوزات الشرطة؟ نعم وكلا. فرجال الشرطة سينتشرون في المنطقة، يعتقلون وينكلون بعدد كبير من الأفراد من عامة الشعب، ويضربونهم ضربا مبرحا، ثم يزجون بهم داخل سيارات الشرطة.

هو مشهد يقول إنه لا شيء تغيّر في تونس بعد الثورة، أما لجنة الحقيقة والكرامة التي يفترض أن تكشف فساد الشرطة في عهد الرئيس بن علي، وتنصف ضحايا النظام السابق، فمن الواضح أنها ترغب في التغطية على ما وقع في الماضي.

فاطمة.. شرطية ذكية في مجتمع ذكوري عنيف

في الفيلم إشارات تدين موقف والد فاطمة، وهو صحفي معروف وعضو في هذه اللجنة، حيث نشاهده على شاشة التلفزيون وهو يلقي خطبة عصماء، أي مجرد كلمات.

أما فاطمة فقد نأت بنفسها تماما عن والدها، بينما يبدو زميلها بطل يحاول إخفاء ارتباطاته القديمة بالنظام السابق، وربما يرغب أيضا في التغطية على تلك الحوادث المثيرة للفزع، ويقلقه أكثر أنه لا يستطيع القبض على شخص ما وإلصاق التهمة به، بل يصبح تدريجيا أكثر اقتناعا بأن الأمر أكثر غموضا مما يبدو.

 

الشرطية البوليس “فاطمة” شخصية قوية تتشكك في الرواية الرسمية من البداية

شخصية فاطمة لم يشبعها السيناريو كما كان ينبغي. إنها على علاقة بشخص لا نراه إلا في لقطة أولى سريعة، أو نرى جزءا من وجهه، لكنه سرعان ما يختفي، ثم نراه في مشهد آخر عندما تذهب هي إليه فيبدي تحفظه على الظهور معها في هذا التوقيت لكونها شرطية، أي في وقت تدهورت فيه العلاقة بين الشرطة والشعب مجددا. واللقطة التي يظهر فيها مع فاطمة تدور ليلا وهي مصورة من بعيد، أي لقطة عامة غائمة، بينما يحيط الظلام بالشخص فلا نراه تماما. من هو، وماذا يفعل؟ وما موقفه من الأحداث؟ وما شكل هذه العلاقة؟ وما الذي كانت تريده هي منه؟ لا يقدم الفيلم إجابات.

ورغم ذلك فالفيلم يولي اهتماما واضحا بوجود فاطمة كامرأة في مجتمع ذكوري، وقيامها بعمل محفوف بالخطر، فنشعر طول الوقت أن الرجال الذين تعمل معهم يرفضون وجودها، ويعاملها بعضهم بازدراء، ويكاد أحد الضباط يعتدي عليها أيضا، لولا أن زميلها بطل يحول بينه وبينها، فيكتفي بالسباب.

إنها موجودة في قلب الفيلم، وهي أكثر ذكاء وفطنة بل وصدقا، فهي ترفض من البداية فكرة أن هذه الحوادث انتحارية، كما أنها أكثر إيجابية، فهي تحاول إنقاذ الشرطي الذي أشعل النار في نفسه، وربما بسبب إقدامها ومبادرتها وشجاعتها تتعرض لمضايقات الرجال، بل حتى من الرجال العاديين الذين يوجهون لها نظرات ساخرة، فكيف تكون امرأة وشرطية في وقت واحد؟

رقصة النار الأخيرة.. بوابة الانتقال من الواقع إلى الخيال

تتكرر حوادث الانتحار حرقا من دون أن تكون انتحارا، فهي تقع في تلك المنطقة الخالية من السكان، أي التي لا يراها أحد تقريبا، وبالتالي ليس من الممكن أن يكون المقصود منها إثارة الثورة، كما أن الشخص المحترق لا يبدو أنه يتألم أو يصرخ أو حتى ينهار جسده على الأرض ويسقط مباشرة، بل يظل واقفا وكأنه يتحدى النار نفسها، وكأنه اختار هذه النهاية عن نية مبيتة، وربما أنه ليس أيضا من عالمنا، بل من عالم ما وراء الطبيعة ممن أتوا لتحذيرنا وتذكيرنا أو استلهموا ما فعله البوعزيزي، لكن الشابي يجعلهم أناسا عاديين مثلنا من لحم ودم. تبدو هذه الفكرة ملتبسة بعض الشيء في مشهد النهاية الخيالي تماما، والذي سيكون مفاجئا ومدهشا بالنسبة للمشاهدين.

فاطمة وبطل أمام ضحية جديدة للحرق: في تكوين تشكيلي بديع

المهم أن تكرار حوادث حرق الذات في الفيلم سيتطور إلى ما هو أكبر من ذلك. هنا ينتقل الفيلم من دائرة الواقع إلى دائرة الخيال، حيث أجواء القصص الخيالية لكائنات تنتمي إلى ما وراء الطبيعة، تعيش بيننا.. هل هي تلهمنا، أو تخيفنا؟

ليس مهما الوصول إلى إجابة نهائية، فهدف الفيلم ليس تفسير الألغاز، ولا شرح الحبكة وتفكيكها، بل استخدامها للتعليق على واقع ما بعد الثورة في تونس. الوضع القائم الذي لا يختلف عما كان، عن حالة التناقضات الطبقية، وعن الظلم وممارسات الشرطة القمعية ضد المواطنين.

يوسف الشابي.. إبداع المخرج المتمكن من أدواته

يبقى الفيلم عملا طريفا يشق طريقا جديدا مختلفا لرواية قصة مثيرة تشد المتفرج، لكي يدلف منها إلى الموضوع السياسي، ولا شك أن المخرج يوسف الشابي متمكن من أدواته، وقد نجح بالتعاون مع مدير التصوير حازم برباح في استخدام المكان على نحو مثير وبديع بتكويناته وأشكاله، بما في ذلك الرسوم المختلفة التي نراها على الجدران.

المخرج التونسي يوسف الشابي

كما أدار المخرج الممثلين فاطمة الوصيفي ومحمد قراية، ونجح في التحكم بالأداء كثيرا، دون أن ينزلق في اتجاه المبالغة، كما وفق كثيرا في استخدام مساحات الصمت في الفيلم، وحركة الكاميرا البطيئة التي تمر على تفاصيل المكان، سواء داخل البنايات المهجورة أو في الشوارع والمناظر الخارجية، كما جعل التصوير يدور في معظمه ليلا، مع حس خفي بما يكمن في الظلام، وهو ما يتسق مع الطابع الغامض للفيلم.