“آل ميتشيل في مواجهة الآلات”.. حروب الآلات الذكية يفسد رحلة أسرة مُفككة

بعد مرور ثلاثة أعوام من التأجيل، شاهدنا الفيلم المنتظر “آل ميتشيل في مواجهة الآلات” (The Mitchells Vs. The Machines). تأخر إنتاج الفيلم لأسباب متعددة، أكبرها هو جائحة كورونا بالتأكيد، وأصغرها هو اسم الفيلم.

نعم عزيزي القارئ اسم الفيلم كان واحدا من المشكلات التي واجهت وأخرت إنتاج الفيلم، فشركات الإنتاج تفضل أن يكون عنوان الفيلم كلمة واحدة فقط، مثل فيلم “ملكة الثلج” (Frozen) و”السحر” (Encanto) و”روح” (Soul) و”فوق” (Up) إلخ.

يقدم لنا الثنائي “فيليب لورد” و”كريستوفر ميلر” عملا لم نشاهد مثله من قبل، وهما من أنتجا أفلاما نجحت نجاحا ساحقا، مثل “فيلم ليغو” (The Lego Movie) و”الرجل العنكبوت.. بداخل عالم العنكبوت” (Spider-Man: Into the Spider-Verse)، وبالإضافة إلى النجاح التجاري الكبير الذي حققه الفيلم، فقد ترشح لجائزة الأوسكار في قسم أفضل فيلم رسومي.

تعقيد التواصل مع أجيال الشاشات.. معاناة الأب التقليدي

يقدم لنا الكاتبان “مايك رياندا” و”جيف رو” قصة أسرة تتكون من خمسة أفراد هم أب وأم وطفل ومراهقة وكلب.

نلاحظ من البداية أن الأب “ريك ميتشيل” هو شخص عاطفي اجتماعي منبسط ومحب للترحال والنشاطات اليدوية، وهو بالطبع ما يتعارض مع النشاط السائد في هذا العصر وهو النظر إلى شاشة ما، سواء كانت التلفاز أو الهاتف المحمول أو الحاسب الآلي، لا يخلو أي مكان نشغله من شاشة ننظر إليها. لهذا السبب يواجه الأب تحدي التواصل مع أولاده وخاصة ابنته “كيتي” التي أنهت مرحلة الثانوية لتوها، وأصبحت على أعتاب الانضمام إلى الجامعة.

تتميز “كيتي” بميول فنية وحُب خاص لإنتاج الأفلام، ولهذا السبب ترغب في الانضمام إلى جامعة تدرس فيها إنتاج الأفلام. يحاول “ريك” مرارا وتكرارا التواصل مع ابنته، لكنه دائما ما يفشل، بينما تشكو “كيتي” من أن والدها لا يفهمها ولا يوجد بينهما اهتمامات مشتركة.

رحلة العائلة البرية.. محاولة أخيرة لتقليص المسافات

تبدو هذه صورة مألوفة ومتكررة في الكثير من الأسر التي يمر فيها الطفل الأكبر بمرحلة المراهقة، خاصة عندما لا يكون الأب أو الأم متوائما مع الاختلاف الثقافي بين بيئة ابنه أو ابنته، وبين البيئة التي شكلت شبابه. تقوم الأم “ليندا” بطبيعة الحال بمحاولة تقليص المسافة بين الأب والابنة دون أن تنجح نجاحا مؤثرا.

في محاولة أخيرة من الأب قبل أن تتركه ابنته لتنتقل إلى مدينة أخرى حيث تقع جامعتها، يقوم “ريك” بإلغاء تذكرة ابنته، ويقرر أن تقوم العائلة بتوصيلها باستخدام سيارتهم الخاصة في رحلة أخيرة تشترك فيها الأسرة بكاملها.

حتى هذه اللحظة تبدو قصة الفيلم مألوفة، بالإضافة إلى أن الفيلم يقدم شخصية الأب بوصفه الشخص الطيب، وعلى الجانب الآخر لا تبدو الابنة أيضا كشريرة في القصة، نشاهدها تقول وتقوم بأشياء تثير الغضب، لكننا دائما ما نذكر أنها مراهقة ويمكننا أن نتسامح مع سلوكها. أين المشكلة إذن؟

الأب “ريك” يشعر بالانفصال عن ولديه المنغمسين في عالم التكنولوجيا، ويسعى جاهدا لسدّ هذه الفجوة

المشكلة هي أننا لا نستطيع أن نتخيل وسيلة يستطيع بها الأب تطوير علاقته بابنته.

غيرة الأنظمة تحرك الجيوش الإلكترونية.. حروب الذكاء الصناعي

في مكان آخر نشاهد “مارك باومان” الذي يمكننا ببساطة افتراض أنه تمثيل لـ”مارك زوكربيرغ” المؤسس والمدير التنفيذي لشركة “ميتا” المالكة لموقع “فيسبوك” وتطبيق “إنستغرام” وغيرهما.

أنشأ “مارك” نظام تشغيل يعتمد على الذكاء الاصطناعي يُدعى “بال” وهي كلمة إنجليزية تعني صديق، ويعد نظام “بال” هو النظام الأكثر شعبية في عالم الفيلم، لكن “مارك” قام بتطوير نظام تشغيل جديد في صورة أناس آليين أفضل وأكثر ذكاء من “بال”، مما تسبب في شعور “بال” بالغيرة الشديدة، ومن ثم قرر الانتقام من “مارك” والسيطرة على الأناس الآليين. يستخدم “بال” هذا الجيش من الآليين للسيطرة على العالم والتخلص من البشر.

لا تقلق عزيزي القارئ، لم تنتقل إلى مقال آخر عن فيلم آخر بالخطأ، فما زلنا نتحدث عن فيلم “آل ميتشل في مواجهة الآلات”، وهذا هو وجه القصور الأكبر في الفيلم.

أولا أشعر أنني استخدمت تعبير صراع البشر ضد الآلات في كل ما كتبته للجزيرة الوثائقية، لقد استهلكت هذه الفكرة بصورة مزعجة دون أي تطوير يذكر، ثانيا وهو الأهم فإن الفيلم يحتوي على قصتين منفصلتين تماما، وهذا هو السبب المباشر في أن القصتين لم يطورا بشكل عميق، لهذا السبب كان من المتوقع أن لا نحب هذا الفيلم، فقد تميزت قصته أو بالأحرى قصتاه بالسطحية الشديدة، لكن ما حدث كان العكس، بشكل يُخالف التوقعات، فما هو السر؟

اهتزازات يد الإنسان.. رسوم مبهرة تكسر المثالية النمطية

من أهم العناصر التي لفتت نظر النقاد في هذا الفيلم هي أسلوب الرسم والتحريك، فمنذ اللحظة الأولى ندرك أن هناك شيئا مختلفا هذه المرة، إذ يبدو أسلوب الرسم مختلفا عن الأسلوب المعتاد في الأفلام الرسومية التي تستخدم برامج المحاكاة ثلاثية الأبعاد، لكن الفيلم لا يبدو أنه يتبع أسلوب الرسم اليدوي ثنائي الأبعاد، بل إن هناك شيئا مختلفا.

يقول “فيليب لورد” و”كريستوفر ميلر” إن الفيلم يقدم قصة تدور حول مفهوم الإنسانية، بما يشمله ذلك من التصالح مع الخطأ وإدراك الجانب المرح من المشكلات، ولهذا السبب رغب الثنائي في إنتاج رسوم تتميز بخطوط منحنية ورسم يشبه رسم يد الإنسان في عدم دقته، على العكس من الأفلام الرسومية الأخرى كفيلم “السحر”.

من اللافت للنظر أن فيلمي “السحر” و”آل ميتشيل في مواجهة الآلات” يشتركان في ضعف القصة، وفي قوة عنصر الرسم. ففي حالة فيلم “السحر” يبدو كل شيء مثاليا، ويحتوي الفيلم على كم مبهر من الألوان التي تعرض في تناسق بديع، لكن في حالة فيلم “آل ميتشل في مواجهة الآلات” كان الرسم غير مثالي، فقد قام فريق الإنتاج بتدريب نظام ذكاء صناعي يقوم بتغير شكل الخطوط كي تحاكي اهتزازات يد الإنسان، ليس هذا فقط، لكن أيضا كي تكون الألوان غير متجانسة، وربما تخرج عن الحدود في بعض الحالات.

وقد استغل الفريق عدم التجانس هذا كي يكون عنصرا في التفاعل مع الضوء، فيصبح عدم التجانس أداة للتأكيد على مسار الضوء وانعاكاساته على ملابس وأجسام شخصيات المسلسل، وإضافة إلى كل هذا قام الفريق بمزج الرسم اليدوي لكثير من العناصر مع الرسم الرقمي للفيلم، كما هو الحال مع الانفجارات على سبيل المثال، حيث تجري محاكاة قلب الانفجار باستخدام تكنولوجيات الرسم الرقمية، ثم تضاف تأثيرات الانفجار باستخدام رسم يدوي.

رسومات الكاريكاتير.. محاكاة عالم التواصل الاجتماعي الحديث

لم يكتفِ الفريق بتطوير أسلوب الرسم فقط، بل قاموا أيضا بإضافة طبقة من رسومات كاريكاتيرية تعبر عن مشاعر الشخصيات على الفيلم، فيما يشبه أسلوب الرسم الذي يستخدم في نشر الصور الخاصة أو القصص على تطبيق “إنستغرام” أو “تيك توك”، حيث يقوم الشخص بإرفاق صورة أو مادة فيلمية، ويقوم بإضافة طبقة من الكلام أو الصور التعبيرية أو حتى يرسم بيده على شاشة الهاتف.

وقد تَسبب هذا الأسلوب في جعل صورة الفيلم بالغة التميز، وظهر في صورة لم نشاهد مثلها من قبل. لكن هذا لا يكفي كي يجعل الفيلم تجربة ممتعة، إذ يتكون أي فيلم من عدد من العناصر، وإتقان كل منها واجب ومهم لإخراج فيلم جيد، لكن عنصر القصة، وهيكلها هو أهم عنصر على الإطلاق، ففيلم يحتوي على صورة جيدة وصوت ممتاز لن ينجح دون قصة متماسكة والعكس أيضا صحيح، فكثير من الأفلام نجحت بسبب قصتها فقط.

رسوم الشخصيات على الشاشة.. أساليب خارج الصندوق

الفارق هو وعي الفيلم بذاته، وما يعنيه هذا هو أننا نمر بحقبة في عالم الفن يسميها البعض ما بعد ما بعد الحداثة، وهذا ليس خطأ كتابيا، وببساطة فإن ما يعنيه هذا هو أن فكرة الفيلم المثالي الذي هو عمل فني كامل ومتكامل ومستقل بذاته لم تعد أمرا مرحبا به بدرجة كبيرة، بل إن هناك حالة من التململ من هذا الأسلوب دون أن نعلم كيف نخرج عنه.

“كيتي” تعبر عن مشاعرها باستخدام طبقة رسومية إضافية فوق الرسم الأساسي للفيلم

بشكل عملي ودون الإكثار من الكلام المجرد، نقول إننا إذا شاهدنا مسلسلا مثل “بيت الورق” (House of Cards)، نلاحظ أن بطل المسلسل “فرانسيس أندروود” يتحدث إلى المشاهد مباشرة، وما يعنيه هذا أن المسلسل يدرك أنه ليس شيئا مستقلا بذاته، بل هو عمل يشاهده مشاهدون، ومن ثم فهو يضمهم إلى الفيلم من خلال التحدث إليهم مباشرة، وقد استخدم “آدم ماكاي” هذا الأسلوب في فيلمه الشهير “العجز الكبير” (The Big Short)، فلم يكتفِ بالتحدث المباشر إلى الشاشة، بل إنه قام بإدراج مشاهد منفصلة تماما عن أحداث الفيلم يشرح فيها ما حدث، وكأن الفيلم هو برنامج تعليمي.

وفي فيلم “آل ميتشل في مواجهة الآلات” يصبح أسلوب الرسم هو الأداة التي تستخدم كي تعرض هذه الفكرة، فالفيلم يصور الأحداث التي تمر بها الشخصية، لكن عندما تقوم الشخصيات برسم رسوم يدوية على الشاشة تعبر بها عن مشاعرها، فهي تصبح فجأة واعية بوجود حدود لإطار الشاشة، يجعلنا هذا كمشاهدين نشعر أن هذه الشخصيات تعلم أنها جزء من فيلم.

دمج المشاهد في الفيلم.. خطة فنية تبرر نقاط الضعف المتعمد

يقدم أسلوب دمج المشاهد في الفيلم مبررا لبعض نقاط ضعف الفيلم، إننا نشاهد العائلة غير المثالية عن عمد، المرسومة رسما غير مثالي بصورة متعمدة، في قصة غير مثالية عن غير عمد، لكن يمكننا تجاوز هذا الضعف لصالح الاتساق، إن فيلم “آل ميتشل في مواجهة الآلات” فيلم غير مثالي، وهو نفسه يعلم ذلك، لكن هذا غير مهم لأننا جميعا نقضي بعض الوقت المرح سواء في كتابته أو رسمه أو حتى مشاهدته. هذه الروح التي نجح الفيلم ببراعة في إيصالها تقول لنا إن الفيلم غير مثالي، وإننا أيضا غير مثاليين، ولا بأس ببعض الخطأ.

نلاحظ وعي الفيلم بهذا في إيقاع القصة، إذ يعتمد الفيلم على إيقاع نمطي معتاد في كثير من الأعمال السينمائية أو الروائية، يبدأ هذا النمط بعرض لمسرح الأحداث، وتقديم للشخصيات ودوافعها، ثم تظهر بعد ذلك مشكلة كبيرة تواجه الأبطال، ويتمكنون بصعوبة من تجاوزها، مما يخلق حالة من الارتياح لديهم ولدى المشاهد أو القارئ، لكننا لا نلبث حتى نواجه مشكلة أكبر من السابقة، ثم يكون تجاوز هذه المشكلة هو الممهد لختام القصة.

في حالة فيلم “آل ميتشيل في مواجهة الآلات” فإن المشكلة الثانية تبدو بلا حل فعلا، وهي كذلك في واقع الأمر، لكن تجاوزها يحدث بصور ضاحكة من خلال غضب الأم. نلاحظ هنا أن الفيلم يستخدم هيكلا نمطيا لكنه يتلاعب به بشكل مرح.

على الجانب الآخر نشاهد صورة مختلفة في فيلم “السحر” (Encanto) الذي يقدم قصة عائلة “مادريجال” الكولومبية التي يمتلك أفرادها قدرات سحرية ما عدا طفلة واحدة. يعرض الفيلم كفاح هذه الطفلة الوحيدة للحصول على اعتراف عائلتها بها.

في هذا الفيلم نشاهد فيلما رسوميا ذا صورة مثالية، وهذه غير مبالغة، فمشاهدة الفيلم هي متعة للعينين بدون أي شك، لكنها ليست متعة للعقل بالتأكيد، فعلى سبيل المثال لا تستخدم شخصيات الفيلم قدراتها السحرية في دفع القصة أو التأثير عليها بأي شكل كان، وكأن هذه القدرات السحرية هي مجرد صورة جميلة للاستعراض، ويمكن استبدالها بشكل كامل بأي خاصية مميزة أخرى، لكن مثالية وإتقان فيلم “السحر” تجعل تجاهل نقاط ضعف الفيلم في هيكل القصة أمر أكثر صعوبة.