دينا بوزيد: الاشتغال على التراث ليس بالأمر الهين

المنتجة دينا بوزيد أما سبق لها ان انتجت اعمال مثل “الاهلى فى مائة عام” للجزيرة الرياضية،  وفيلم عن حرية التعبير والرأي فى وسائل الاعلام المصرية المرئية والمقروؤة عرض على الجزيرة الاخبارية تحت عنوان “السقف العالى” برنامج “تحت المجهر” 2009، تلقيها الوثائقية هنا بمناسبة عرض سلسلة علماء مسلمون التي قامت بانتاجها.

حاورها : حسن المرزوقي

اخترتم حوالي 14 عالما مسلما فما مقياس الاختيار لهؤلاء ولم تختاروا آخرين أثروا في الثقافة مثل علماء اللغة أو الفقهاء أو علماء الكلام.. علما وأن هذه الاختصاصات تحتل ركنا كبيرا في مكتبة التراث العربي ؟
إخترنا ثلاثة عشر عالما إضافة إلى حلقة تمهيدية توضح مفهوم “الحضارة الاسلامية والعلم”. وجاء اختيار هؤلاء الثلاثة عشر عالما   فى كل الدروب العلمية ذات المساهمات الواضحة فى العلوم الإنسانية كافة، ولم نقتصر على العلوم العلمية البحتة مثل الطب والرياضيات والفلك بل شمل اختيارنا علماء اللغة والفلسفة وعلم الكلام مثل الجاحظ، ومحى الدين بن عربى: فمن المعروف أن الشيخ الأكبر محى الدين بن عربى لم يكن شيخ الصوفية الأكبر فقط ولكنه أثر بفكره على علماء الغرب ولعل أبرزهم دانتى الذى اقتبس فقرات كاملة من كتب “الفتوحات المكية” و”رحلة إلى مملكة الله” فى كتابه “الكوميديا الالهية”. وبهذا قصدنا إختيار علامات جلية لمساهمة الحضارة الإسلامية فى كافة العلوم الإنسانية العلمية والنظرية والفكرية والفلسفية، فى عصر كان يعم أوروبا ظلام دامس، مما جعلها الركيزة الأساسية لعصر النهضة الأوروبية.

هناك الكثير من الأعمال الوثائقية والدرامية التي تناولت تاريخ العلماء المسلمين فما الجديد في عملكم فنيا وموضوعيا (أي المضمون)..؟
 قمنا بتوثيق أزهى عصور الحضارة الإسلامية من الزاوية العلمية المزدهرة فى تلك الفترة الممتدة من 700ميلادى إلى 1300ميلادى (أى بعد وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام بسبعين عاما إلى سقوط الأندلس) وقد سميت معظم تلك الفترة بالعصر الذهبى للإسلام. وعليه، فقد تناولنا سيرة ومسيرة كل عالم بالأخذ فى الاعتبار ظلال الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية التى واكبت ظهور العالم موضوع الحلقة، وهو ما يمكننا، بالنظر لكامل السلسة، أن نعى ما كانت عليه فترة “العصر الذهبى للإسلام”.

أثناء التحضير والتصوير

هل العودة إلى العلم العربي ينخرط ضمن الغنائيات العربية بتاريخ مضى أم الهدف منه إعادة تأسيس الفكر العلمي في الثقافة العربية من خلال الوثائقي ؟.
الهدف من تلك السلسة هو إعادة النظر فى مقومات إزدهار حضارتنا الإسلامية حيث أن التأسيس لفكر علمى يستوعب كافة العلوم والمعارف على كافة مشاربها ودياناتها وجنسياتها هو الدرب الوحيد لبزوغ عصر جديد للأمة الإسلامية.

الاشتغال على التراث ليس بالأمر اليسير سواء معرفيا أو إعلاميا وسينمائيا ودراميا فما هي أهم الصعوبات التي اعترضتكم ؟
لم يكن أبدا الاشتغال على التراث بالأمر الهين واليسير على كافة الأصعدة المعرفية أو إعلاميا أو سينمائيا أو دراميا ويرجع ذلك إلى عدة أسباب: أولا-على الصعيد المعرفي، حيث أعتاد المتخصصون في العلوم العربية مناقشة اختصاصاتهم فى الأشكال المعتادة من قاعات المحاضرات أو الندوات أو نشر الكتب الجامعة أو البحثية التراثية من خلال التحقيق للمخطوطات. وانحصرت علاقاتهم بالوسائل الإعلامية المرئية على مجرد الظهور على الشاشة للتحاور حول هذا العالم المسلم أو ذاك. ولكننا كنا نطلب منهم اختزال ما درسوه وحققوه في سياق سيناريو مبسط لا يتعدى خمس وعشرون دقيقة (وذلك بالتشاور والعمل مع سيناريست محترف خاص بكل حلقة على حدة). لتصاغ بعضها فى شكل مشاهد تمثيلية أو لقاءات مع متخصصين آخرين. فعدم اعتياد هذا الشكل الدرامي الوثائقي كان يمثل عقبة فى التواصل بين الأستاذ المتخصص واضع المادة العلمية والسيناريست والمخرج. وعلى الجانب الاخر، يأتى عدم اعتياد طاقمنا البحثى البحث فى مخطوطات (معظمها غير مقروءة للقارئ العادي غير المتخصص ومعظمها بدون تحقيق) لتجميع كل ما تحويه دور الكتب والوثائق فى القاهرة ودمشق لكافة الوثائق والمخطوطات لعلماء أفلامنا الوثائقية. ثانيا- على الصعيد الدرامي أو السينمائي: للأسف، قليل بل نادرا من تناول العلماء المسلمين أو الحضارة الإسلامية داخل منطقتنا العربية، بل أن أكثر الاهتمام يأتي دائما من جانب الغرب راصدين له ميزانيات كبيرة. أما على الصعيد العربي فقلما من تجده متحمسا لتناول هذه الفترة راصدا لها الميزانية الملائمة للخروج به كما ينبغي، ولعل أبرز الأمثلة هو تمويل جهات غربية أوروبية لفيلم يوسف شاهين “المصير” الذى يتناول شخصية ابن رشد، وبالرغم مما اكتشفناه من أخطاء بالفيلم خلال تدقيقنا فى تفاصيل تنفيذ العمل من ملابس وإكسسوارات (حيث ظهرت كتب ابن رشد بالفيلم حادة ومستوية الأطراف وهو ما لم يكن مستخدما آنذاك لعدم ظهور سكين المطبعة الحديثة وانما كان يجب الاعتماد على شكل الورق الغير مستوى الأطراف أو البرقوق) إلا انه يحسب لهذا الفيلم تمثيله للعرب بمهرجان كان السينمائي أحد أعرق واهم المهرجانات السينمائية. كذلك صعوبة التنفيذ حيث جاءت معظم شروح تفاصيل الملابس والإكسسوار الخاص بكل فترات وخلافات الحضارة الاسلامية فى شكل نصوص “مكتوبة” وليست “مرسومة فى اسكتشات توضيحية” وبالتالي يعزف الكثير من العاملين فى هذا مجال الأزياء والديكور من ترجمة ومتابعة الشرح وتنفيذه فى شكل ملابس وإكسسوار. فمثلا هناك مشهد فى حلقة ابن النفيس يوضح طريقة ابن النفيس فى الكتابة حيث كان يولى وجهه للحائط ويكتب بأقلام مبرية سلفا لعدم إضاعة الوقت الخاص بالكتابة فى فترات تدفق الافكار عليه، ولم نكن لنستطع تنفيذه إلا بمراجعة د/يوسف زيدان واضع المادة العلمية والسيناريو (حيث انه رئيس مركز المخطوطات بمكتبة الإسكندرية وكاتب رواية عزازيل الحائزة على جائزة البوكر العالمية لعام 2009).

الأولى من اليسار مع فريق العمل

نزعتم إلى طريق الدوك – دراما في هذه السلسة فما وظيفة الدراما في الفيلم الوثائقي ؟
الدراما فى الأفلام الوثائقية تجذب عين المشاهد أكثر من اعتماد الطريقة المعتادة من مونتاج بعض اللقاءات مع بعض الوثائق أو قراءة بعض نصوص مؤلفات هؤلاء العلماء. فهي تجعل المشاهد يعيش مع أجواء المشهد ويتفاعل مع موضوع الحلقة ومستوعبا لمحتواها أكثر من أى شكل أخر. وفى حالة سلسلتنا كنا نواجه صعوبة الموضوع وابتعاده عن دائرة اهتمامات المشاهد، حيث أن أحدث شخصية نتناولها متوفاة منذ ثمانمائة عام مضى. فكان يجب تخفيف الموضوع على قدر الإمكان واختزاله فى “كبسولة” ليستوعبها غير المتخصص من عامة المشاهدين على ان تكون ملائمة بصريا قدر الإمكان. وعليه، فقد قمنا بحصر جميع الأعمال السابقة سواء على الصعيد العربي والغربي ودرسنا نقاط القوة والضعف للموضوعات المماثلة والسابق تنفيذها لنخرج بهذا الشكل الذي نرجو أن نكون قد وفقنا فى تنفيذه “فى حدود الإمكانيات المتاحة”.

السلسلة من إخراج كوكبة من المخرجين. كيف استطعتم أن تنوعوا في الرؤية الإخراجية وتحافظوا في نفس الوقت على الخيط الناظم للسلسلة..؟
تنوعنا فى الرؤية الإخراجية لكل حلقة (فيلم) لتنوع طاقم عمل كل فيلم (حلقة). وذلك لأننا قمنا بتنفيذ كل حلقة وكأنها فيلم مستقل بذاته من مخرج وواضع للمادة العلمية (أستاذ متخصص فى المجال) وسيناريست ومدير تصوير وإضاءة وممثلين ومجاميع وأماكن تصوير خاصين بكل فيلم على حدة. ولكننا وضعنا رسالة مستهدفة للسلسلة كنا نقوم بتسليمها مطبوعة ليد كل مخرج ومعد وسيناريست حتى لا نحيد عن الرسالة والأهداف المرجوة من المشروع، كذلك وضع format للحلقات. أما فيما عدا ذلك فكل طاقم عمل حر أن يقوم بتناول “عالمنا” موضوع الحلقة كيفما تراءى له طالما لا يوجد خطأ تاريخى فى طريقة وضع السيناريو أو حتى التباس، إذ أننا أولا وأخيرا نقوم بعمل وثائقى، الدراما فيه “وسيلة” لإيصال الرسالة و”المعلومة” وليست “غاية” كما فى الافلام الروائية. فنرى البعض تناول الشخصية من قبل ولادتها كما فى حالة فيلم محى الدين بن عربى حيث بدأت القصة بولادته وقت افطار الاب فى شهر رمضان المبارك (مشهد ولادة أمه له وإفطار الأب انتظارا لمولوده) وتناول أخر شخصية (ابن سينا) وهو فى أواخر ايامه ثم فلاش باك وهكذا…طالما كانت الواقعة مؤرخة ومثبتة تاريخيا.

اعتمدتم علماء عرب وآخرين أجانب.. فما الهدف. هل تريدون القول للمتلقي العربي أن الآخر يعترف بعلمائنا. وبالتالي فإن مركزية الغرب العلمية هي المحددة لأهمية التراث العلمي عند بقية الشعوب، مما يبرر حضور المتخصص الغربي في السلسلة.. أم أن الأمر لا يتعدى التناول الموضوعي للتراث ؟
لم نصنف علماءنا عرب أو عجم، ولكننا تناولنا علماء الحضارة الإسلامية بمعنى ان الإسلام لم يكن مجرد دين ولكنه كان ثقافة عالمية آنذاك، وكانت اللغة العربية هى لسان تلك الثقافة (وهو ما وضحته الحلقة الأولى-الحضارة الإسلامية والعلم). وبالتالي كانت هناك أهمية تنوع الضيوف المتخصصين ما بين متخصصين عرب ومستشرقين وأجانب، حيث أردنا سماع شهادة الآخر لتلك الحقبة الهامة فى تاريخ تطور العلوم الإنسانية العالمية. (وهو ما يتوجب على أى باحث موضوعي ومحايد للتاريخ). كذلك اهتممنا بتنوع المراكز العلمية للمتخصصين بين مصر ولبنان وسوريا. طبعا بالإضافة إلى الأجانب كما أسلفنا الذكر للحصول على أكثر من رأى ورؤية. وقد بلغ إجمالي عدد الضيوف لكل الحلقات ستون ضيفا.

بحسب تجربتك في الإخراج ما هي خصوصية الفيلم الوثائقي التاريخي ؟ وما هي غاياته التي يجب أن يحققها..؟
تجربتى هى فى الإنتاج الذى اعتبره “ترويج فكر” و “رؤية” قبل أن يكون “إدارة وتمويل” ينفذ بإتباع قواعد مهنية وحرفية متخصصة.وقد اخترنا، كمجموعة سبق لها العمل فى الحقل الاعلامى طيلة الخمسة عشر عاما الماضية، التخصص فى إنتاج الأفلام والبرامج الوثائقية لخصوصيتها الخطيرة والتى تهدف الى زيادة وعى المشاهد والنظر بعمق الموضوع الذى يتم تناوله. فإنها بمثابة (إن جاز لنا التعبير) مرادف مرئي لقراءة كتاب موجز. وبالتالى حجر صغير فى بناء العقلية العربية التى تتعرض للأسف لطوفان من الشوشرة والحشو والصراخ الذي لا يثمر ولا يغنى من جوع. وغاياتنا أن نضئ شمعة أو مصباح فى ظلام إعلامنا الدامس بالأفكار السوداء التى تهدف إلى فرقعة إعلامية وليس لبناء متواصل لعقلية عربية واعية بتاريخها وحاضرها وموجه لمستقبل يعج بالفعل وليس بالقول كما نعهد حال أمتنا الآن كأمة احترفت الكلام….