منبر صلاح الدين

حسن المرزوقي

يبدأ الفيلم الوثائقي “منبر صلاح” الدين بتمهيد قصير عن خصوصية مدينة القدس الدينية والإثنية. وكان التمهيد بمثابة الهدوء في بنية الرواية السردية للفيلم. حيث تبدو الصور البديعة لبيت المقدس وفسيفسائها المعماري الذي هو في النهاية فسيفساء دينية وعرقية وثقافية وسياسية. وفي هذا التمهيد كان حضور الفن والزخرفة لافتا وكان الهدف من ذلك هو تثبيت فكرة في ذهن المتلقي وهي أنه في حالة التراث الديني والقومي للشعوب فإن القيمة للأثر الفني تتجاوز البعد الفني ليصبح أثرا له وظيفة في التاريخ وفي الوجدان المشترك.

كان هذا التمهيد من وجهة نظر المخرج ضروريا ليسبق الاضطراب في الأحداث. وهو اضطراب في حركة التاريخ سيهز أركان مدينة السلام – القدس. وكان من ضروريات الهدوء في الحركة الدرامية لفيلم يتناول معلما تاريخيا هو الإطلالة على التاريخ وسرده بشكل سريع وموجز. فقدم لنا فكرة سريعة عن تاريخ المنبر الذي كان تاريخ نصر وعزة لأمة بأكملها. لقد ارتبط اسمه باسم صلاح الدين الأيوبي المنقوش في ذاكرة العرب كرمز للوقوف الجبار بعد سقوط مدوّ. لقد بني المنبر في حلب بأرقى التقنيات الفنية في ذلك العصر. ودخل به القائد السلجوقي صلاح الدين سنة 1187م مستعيدا بيت المقدس التي ظلت عند الصليبيين حوالي قرن من الزمان.

كان الهدف من هذا المدخل التاريخي هو تكثيف صورة المنبر باعتباره رمزا للحظة تاريخية استثنائية وتجسيدا لفخر تاريخي راسخ. ولهذه الخلفية التاريخية على الأقل وظيفتان وظيفة تقع في ذهن المتلقي باعتبارها مشتركا جميلا وحنينا باقيا. ثم وظيفة تقع في الحركة الدرامية للفيلم ذلك أن التركيز على القيمة التاريخية والحضارية المشتركة للمنبر تجعل من حدث إحراقه فاجعة كبرى وحدثا مفصليا في حركة الأحداث في التاريخ وفي الفيلم.

المنبر بعد اكتماله

في صباح 21 أغسطس 1969 كانت الكارثة تحل على بيت المقدس. قنبلة حارقة يرميها متطرف مسيحي تحرق سقف المسجد وتطال المنبر.. اعترف بفعلته ثم ادعى الجنون بعدها… ولكن التاريخ صار رمادا في لحظة جنونية. حاول الفيلم الوثائقي تصويرها من خلال صور الاحتراق والموسيقى وصور المواجهات بين المسلمين والجيش الإسرائيلي الذي يحاصر المسجد. تلك هي مرحلة العقدة أو الاضطراب الكلي في الفيلم.

وككل رواية أو فيلم روائي تبدأ الأحداث بعد العقدة تسير نحو فك عناصر التعقيد بشيء من التشويق وبحركات إخراجية يلعب النص دورا في حبكها. العقدة انعقدت والاضطراب في الأحداث بلغ أوجه باحتراق جل المنبر وبقايا الصور تكاد معالم الزخرفة أن تختفي من لوحات هذا المعلم.

ثم يبدأ الحل.. وفي نظرنا فإذا كانت الصورة هي المؤسسة لعقدة الفيلم فإن الحوار في الفيلم هو المؤسس لحل العقدة وسير الأحداث نحو الانفراج ولكن بكثير من التشويق الذي صنعته ثنائية الصعوبات والحلول.

يحاور الفيلم صاحب مشروع إعادة صناعة المنبر وهو الأمير غازي بن أخ ملك الأردن الراحل الحسين بن طلال. حدثنا الأمير عن وظيفة المنبر وضرورة إعادته إلى الوجود. دام المشروع 30 سنة. خلال هذه الفترة كانت هناك صعوبتان رئيسيتان. الأولى مخطط المنبر والثانية هي الحرفيون الذين يستطيعون تجسيد المخطط إن وجد.

أما المخطط فبعد 12 سنة من المحاولة جاء من بعيد مهندس وباحث سعودي. جاء المهندس منور الميحد من أعماق البادية ومن أصول عربية أصيلة. أخذ مسالة المنبر على عاتقه كدين لأمته وفخر لنفسه. كان هو الفائز في مسابقة رسم مخطط للمنبر لأن نظريته كانت مقنعة لذلك جسدها في أطروحة دكتوراه ناقشها في بريطانيا. انطلق منور من الأصل من حلب حيث صنع المنبر أول مرة. انطلق من هناك ليفهم عقل الرجل الصانع وبحث عما يشبه ما بقي من زخرف لم يشتعل. ووجد الخيط الأول في محراب قديم. ثم انطلق.

بعدما جهز المخطط النظري بدأت مرحلة التجسيد وهنا يظهر لنا الفيلم صعوبات البحث عن حرفيين. فأكبر معضلة أن هؤلاء قد انقرضوا.

لقد استفاق العالم الإسلامي على حقيقة مذهلة ومحزنة تطل من وراء رماد منبر صلاح الدين، إنها حقيقة ضياع صناعة وفن بأكمله ولم يعد هناك من يمارسه. وهذه عقدة من عقد الحركة الدرامية في الفيلم. ويتدخل الحوار والانتقال في المكان لنتلمس الحل قادما من بريطانيا حيث أسست أول مدرسة لجمع خيرة المتخصصين في فن الزخرف الإسلامي ثم إلى عمان حيث أول معهد في نفس الاختصاص.

اجتمع في النهاية 40 مبدعا مسلما من شتى أصقاع العالم الإسلامي من تركيا ومصر واندونيسيا والأردن.. وكان المايسترو الدكتور الميحد يوقع بعقله وبتصاميمه حركة جديدة في الفن والتاريخ. فقد أعاد فنا وأنقذه من الاندثار وأعاد معلما تاريخيا بعدما احترق في انتظار اللحظة التي يستعاد فيها التاريخ نفسه وتستعاد لحظة دخول المنبر فاتحا لا متسللا عبر الحدود…

وعاد المنبر إلى المسجد مكانه بعد حوالي أربعين سنة من اندثاره. وتمثل هذه العودة مرحلة الانفراج الكلي للأحداث في الفيلم. وانتهاء قصة المنبر.

قدرات حرفية عالية المستوى اشتغلت على المنبر

لقد بني فيلم منبر صلاح الدين بناء دراميا يبدأ بهدوء فاضطراب فعقدة فمجموعة من المعرقلات والمساعدات وينتهي بهدوء مثلما بدأ. ولكن على المستوى التاريخي كان الفيلم يلملم جرحا من الصعب لملمته. ولعل مشهد عودة المنبر في شاحنة وحيدا ووداع مهندسه وصناعه له لهو مشهد معبر عن أن عودة تاريخ الخيول الفاتحة دهسته الشاحنات الجرارة.