غسان كنفاني حاضراً بعد أربعين سنة من الغياب

«سبتمبر 1970: هنا فلسطين».. نموذجاً

تمرُّ هذه الأيام الذكرى الأربعين لاستشهاد الأديب الفلسطيني “غسان كنفاني”، الذي طالته يد الغدر الصهيونية، يوم 8 تموز/ يوليو 1972، من خلال متفجرة وُضعت في سيارته، قبالة بيته بـ”الحازمية”، في العاصمة اللبنانية بيروت.
استشهد غسان كنفاني، وستثبتُ الأيام أن قرار اغتياله كان قد اتخذ على أعلى المستويات في الحكومة الإسرائيلية.
 كانت رئيسة الوزراء الإسرائيلية حينها “غولدا مائير”، قد وضعت قائمة أسماء عدد من الشخصيات الفلسطينية المُستهدفة بالقتل؛ تنوَّعت الأسماء، التي لم تتوقَّف عند حدود السياسيين، والدبلوماسيين، بل طالت عدداً من الأدباء والمبدعين، وسنجد في الفيلم الوثائقي «قائمة غولدا»، وهو فيلم فلسطيني فرنسي مشترك، من إخراج/ إيمانويل فرانسوا، عام 2002، سرداً لمصير عدد من تلك الشخصيات الفلسطينية، الذين أعدَّت “غولدا مائير” قائمة بأسمائهم، واختارتهم للموت، وهكذا ففي الفترة ما بين عامي 1972 و1993، تم اغتيال ما لا يقل عن ثلاث عشرة شخصية فلسطينية.
كانت “غولدا مائير” تريد إطفاء الصوت الفلسطيني، استكمالاً لنظريتها الصهيونية القائمة على الإنكار التام لأي وجود فلسطيني أصلاً، ومع ذلك فها نحن اليوم، وعلى رأس أربعين سنة، نجد أن الشهيد “غسان كنفاني”، يكاد يكون هو الأكثر حضوراً في حقل الثقافة الفلسطينية.
 لقد غاب الجسد، وانطفأت الروح، ولكنه بقي حاضراً بفاعلية ملفتة، في دحض تام لمقولة “غولدا مائير”، والحركة الصهيونية.
واليوم، على رأس أربعين سنة من غياب الشهيد “غسان كنفاني”، لا نكاد نعثر إلا على القليل جداً من المشاهد السينمائية التي تظهره؛ وهو أمر غريب جداً في عالم السينما الفلسطينية، الذي كان “غسان كنفاني” واحداً من أهم من رافقوا بداياتها، وساهموا في التأسيس لها، وتوفير ما يمكن لها من الدعم والتشجيع.
بكى المخرج العراقي “قاسم حَوَل” عندما سألته في لقاء مُسجَّل عمَّا يمكن أن يندم عليه اليوم، بعد تجربته الرائدة والمُؤسِّسة في السينما الفلسطينية؛ ما أبكى المخرج “قاسم حَوَل” إنه انصاع لرغبة “غسان كنفاني”، ولم يقم بتصويره.
 كأنما كان “غسان كنفاني” يرغب في أن يبقى في إهاب الجندي المجهول، كان همّه أن تذهب الكاميرا السينمائية لتصوير ما ينبغي لها أن ترصد.. الناس العاديين في المخيمات.. الفدائيين في القواعد.. المقاتلين في تدريباتهم، ومواجهاتهم.
وعندما استشهد “غسان كنفاني” لم يكن بين أيدي السينما الفلسطينية، إلا القليل من المشاهد التي تظهره.
سيبدو الفيلم الوثائقي «سبتمبر 1970: هنا فلسطين»، واحداً من الأفلام النادرة التي تعمد إلى استخدام النادر من المشاهد السينمائية التي يظهر فيها “غسان كنفاني”، متحدثاً بالصوت والصورة؛ ولعلي لا أبالغ إن قلت إن هذه المشاهد كانت كافية لدى “غولدا مائير”، لوضع اسمه في قائمة الشخصيات الفلسطينية المُستهدفة بالقتل، إذا لم تمرُّ سنتان على تلك الوقائع، حتى كان الاغتيال قد وقع.
كان البداية في السادس من أيلول/ سبتمبر عام 1970، عندما قامت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بتنفيذ أربع عمليات خطف متزامنة لأربع طائرات، كانت متجهة إلى نيويورك.
 الفكرة الأساسية وراء عمليات الخطف تلك، كانت رغبة الجبهة في طرح القضية الفلسطينية على الصحافة العالمية، والرأي العام العالمي، ووضع القضية الفلسطينية في بؤرة الاهتمام العالمي.
يستعين الفيلم بمقابلة مع “بسام أبو شريف”، الرجل الثاني بعد “غسان كنفاني”، والذي يؤكد أن الهدف من تلك العمليات كان «بلوغ عقول الناس الذين يعيشون في الغرب»!.. بمعنى تغيير الرأي العام، ونظرته تجاه الفلسطينيين، من شعب مشرد، إلى صاحب قضية ونضال للحرية.
كانت البداية مع خطف طائرة رحلة «إلعال» رقم 219، المتجهة من أمستردام إلى نيويورك؛ ولقد قامت بتنفيذ هذه العملية الفتاة الفلسطينية «ليلى خالد»، بالتعاون مع رفيقها «باتريك إيركويلو»، وهو متعاطف من نيكاراغوا.

“غسّان كنفاني”

 يعمد الفيلم إلى إعادة تمثيل المشاهد، على النحو الذي يُفترض أنها وقعت، ويستكمل ذلك بلقاء مع “ليلى خالد”، اليوم بعد مرور أربعين سنة على تلك العملية.
تؤكد “ليلى خالد” أن التفكير، حينها، كان يتجه نحو إحداث ضجة عالمية، ولن يكون ذلك ممكناً، إلا إذا نفذنا «عملاً مفاجئاً وصادماً، حتى ينتبه العالم، وينظر، ويرى»!..
يعيد الفيلم تمثيل مشاهد الاستيلاء على الطائرة، ويجري مقابلات مع «شلومو فيدر»، وهو طيار مقاتل في سلاح طيران إسرائيل، و«يوري بارليف»، ربان طائرة «إلعال» تلك، و«إبراهام إيزنبيرغ»، ضابط أمن على متن طائرة «إلعال»، وهو الذي قام بالعراك مع “ليلى”، والسيطرة عليها، وتقييدها بربطة العنق.
تعترف “ليلى خالد” أنها أدركت في تلك اللحظة أنهما، هي و”باتريك”، غير قادرين على تنفيذ المهمة، وكان أن تحولت الطائرة نحو مطار هيثرو في لندن، حيث تم إعتقالهما.
 ولكن سرعان ما سيتبدى أن اختطاف طائرة «إلعال»، كان جزءاً من مخطط أكبر في الساعة الثانية والنصف ليلاً اختطفت طائرة TWA المتجهة من فرانكفورت إلى نيويورك، وبعد ساعة اختطفت طائرة Swiss Air المتجهة من زيورخ إلى نيويورك، خلال تحليقها فوق فرنسا، وتم اختطاف طائرة Ban Am  المتجهة من أمستردام إلى نيويورك.
ووفق المخطط، وصلت طائرتا TWA وSwiss Air، إلى مطار «دوسن»، على مقربة من العاصمة الأردنية عمان، وسرعان ما وصل الآخرون: الفدائيون الفلسطينيون، من جهة، والجيش الأردني، من جهة أخرى.
 سيهدد الفدائيون بتفجير الطائرتين، إذا لم يتراجع الجيش. وسيكون البريطانيون منشغلون بما سيفعلون مع “ليلى خالد”، التي وجدوها بين أيديهم بغتة!..
في تلك اللحظة، سيظهر غسان كنفاني، متحدثاً وناطقاً بلسان الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، سيعقد مؤتمراً صحفياً: “غسان كنفاني”، يُعلن أن مطالبنا بسيطة جداً، ونريدها أن تتحقق، وسيكون هذا جيداً: إطلاق سراح فدائيين. إطلاق سراح “ليلى خالد”، محذراً من تفجير الطائرتين، إذا لم تتم الاستجابة للمطالب.
في التاسع من سبتمبر توقفت طائرة «الخطوط الجوية البريطانية لما وراء البحار»، الرحلة رقم 775، المتجهة إلى لندن، في البحرين، لتحمل ركاباً، وسيتم خطف الطائرة، وتوجيهها إلى مطار «دوسن»، لنقع أخيراً على المشهد الشهير، منذ ذاك الوقت: ثلاث طائرات في مطار «دوسن» الأردني، في صحراء بكل معنى الكلمة.
سيغوص الفيلم في الكثير من التفاصيل، وسيجري العديد من اللقاءات مع شهود عيان، ممن كانوا موجودين في مكان الحدث، سواء من أطقم الطائرات، أو من الركاب، أو ممن أُخذوا رهائن، ريثما يتمكن الجيش الإردني من إطلاق سراحهم، عقب الانغماس فيما عُرف بأحداث أيلول 1970 الدامية، والتي انجلت عن العديد من الكوارث، على أكثر من صعيد، خاصة على صعيد العلاقة الفلسطينية الأردنية.
يؤكد “بسام أبو شريف” أن العملية كانت إعلامية، الهدف الوصول إلى ضمائر العال؛. ومع ذلك، وعلى الرغم من أن العملية كانت إعلامية، إلا أنه جرى تفخيخ الطائرات الواقفة على مدرج المطار، وجرى أخذ بعض ركابها رهائن، ريثما يتم تنفيذ الطلبات، التي أعلنها “غسان كنفاني”، في مؤتمره الصحفي.
وفي حين طالبت “غولدا مائير” بإطلاق سراح الرهائن، وعدم المبادلة بـ”ليلى خالد”، وعدم الموافقة على مطالب «الخاطفين»، كان “إدوارد هيث” – رئيس الوزراء البريطاني -، يقول لن نطلق سراح “ليلى خالد”؛ ولم يبق بينهم إلا المهلة التي منحها «الخاطفون» للبريطانيين والإسرائيليين، من أجل تنفيذ المطالب، قبل تنفيذ التهديدات بتفجير الطائرات!..
يستخدم الفيلم الصور الأرشيفية للأحداث، واللقاءات التلفزيونية مع الركاب، ومن بينها لقاء مع راكبة بريطانية تؤكد على حُسن التعامل، وعدم الاساءة لأي منهم.
 ويبدو أنه مع تفجير الطائرات، وتطاير قطعها، ومع تصاعد سحب سوداء، ضاع صوت تلك الراكبة، وغيرها من الركاب، الذين قال أحدهم، عن الخاطفين: «لابد من أن أعترف أنهم حفظوا كراماتنا».
جرى إطلاق سراح الأطفال، والنساء، ومجموعة من الركاب؛ وفي الثالث عشر من سبتمبر، وصل الركاب المُفرج عنهم إلى مطار هيثرو؛ و”ليلى خالد” كانت في أسبوعها الثاني محتجزة، لدى البريطانيين، والجبهة الشعبية تخفي الرهائن الذين احتفظت بهم عن عيون السلطة الأردنية.. وهكذا بدأت الحرب، في السابع عشر من أيلول.
يقول أحد الرهائن: «سمعنا إطلاق النار.. هناك من ظنّ إنها مفرقعات..وهناك من ظن أن قوة أتت لإطلاق سراحهم»، وفي الحقيقة كان ملك الأردن قد قرر تحرير الرهائن.
صعَّدت قيادة الجبهة الشعبية من لهجتها، و”غسان كنفاني” – المتحدث باسم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – يظهر مرة أخرى، وتالية.
 وبدت المعادلة وكأنها «حياة امرأة واحدة، مقابل حياة ثمانية بريطانيين»، بات غسان كنفاني في واجهة الصورة الإعلامية.
خلال أسبوع من الحرب الطاحنة، عثر الجيش الأردني على الرهائن، وفي الخامس والعشرين من سبتمبر، اتفق الفلسطينيون والأردنيون، على وقف إطلاق النار.
 ويوم السادس والعشرين، وصل الرهائن إلى مطار هيثرو، في لندن، وفي السابع والعشرين، جرى توقيع الاتفاق في القاهرة، ما مهّد الطريق أمام إطلاق سراح الرهائن الباقين.
 ونعلم أنه في يوم الثامن والعشرين من أيلول/ سبتمبر 1970، مات “جمال عبد الناصر”، راعي الاتفاق. وفي الثلاثين من شهر تشرين الثاني/ نوفمبر، جرى إطلاق سراح ليلى خالد.
في ختام الفيلم، تتحدث “ليلى خالد”: «قد يقول البعض إنها كانت عملية اختطاف.. وقد لا يعجب ذلك الكثيرين»!.. وقد يسأل البعض السؤال التالي: «لولا هذه العمليات، هل أخذ العالم علماً وخبراً بقضية شعب فلسطين، في حينه، أم أنها كانت قد بقيت قضية لاجئين مشردين، في بلاد العرب، والعالم.. يمكننا الجزم أن قضية فلسطين، صارت شغل العالم الشاغل، منذ ذلك الوقت».
حتى اليوم، سيبقى الفلسطينيون منقسمين على أنفسهم إزاء ما جرى حينها؛ ومع الانتهاء من مشاهدة الفيلم الوثائقي «سبتمبر 1970: هنا فلسطين»، يمكن لنا السؤال: هل كانت تلك المشاهد التي ظهر فيها غسان كنفاني، على قلّتها، بل وندرتها، كفيلة بوضعه على قائمة الاغتيالات الصهيونية؟!.. هذا ما ينبغي البحث فيه، لندرك أيّ أثر يمكن للصورة أن يكون!..