فيلمان تسجيليان عن البيئة وضد الأمم المتحدة
محمد رُضا
من بين ما عرضه مهرجان مونتريال الدولي للسينما التسجيلية الذي أقيم ما بين السابع والثامن عشر من هذا الشهر فيلم «إندفاع الكربون» The Carbon Rush: فيلم موجع حول البيئـة والفقر الشديد الذي تعانيه شعوب متعددة بسبب…. الأمم المتحدة لا غيرها!
المخرجة آمي ميلر من الناشطات الكنديات في مجال القضايا الإنسانية والسياسية. هي كانت أعتقلت سنة 2002 بسبب احتجاجاتها على ما عُرف «جُـثم السنوات السبع» عندما قام مجموعة من “الجاثمين” [أولئك الذين لا مأوى لهم فيقومون بالسكن والجثوم في أرض او مبنى ليس لهم حق قانوني فيه] باحتلال بناية سكنية شاغرة للعيش فيها عوض حياة التشرد والعوز ما اقتضى تدخّـل البوليس لطرد الجاثمين مستخدماً بذلك الغازات المسيلة للدموع.
يومها ذكرت المخرجة في تصريح لها: “فيما نحن لا نستطيع الصبر على قيام أناس بإستخدام منازل مهجورة فنسارع لإخلائهم، صابرون- وبطرفة عين واحدة- على مشاهدة الذين لا مأوى لهم وهم يفترشون أرصفة المدن”.
مجلة “ماكلين” المحافظة وصفتها بـ “إمرأة فوضوية متوسطّة العمر”، وذلك في خلال مقال عنها بعد حادثة أخرى مع النظام حينما ألقي القبض عليها سنة 2010 في إحتجاجات شعبية ضد مجموعة G20 الإقتصادية. علناً ذكرت أنها وسواها من النساء حجزن في قسم البوليس في مدينة تورنتو وهددن بالإغتصاب.

لكن على شريط فيلمها «إندفاع الكربون» هي أبعد ما تكون عن الفوضوية. منظّـمة الأفكار إلى حد يجعل الفيلم كلاسيكي التكوين: تمهيد عام ثم انتقال من بلد إلى آخر حول العالم (البرازيل، الهند، هندوراس، باناما الخ…) بسياق مرتّـب وبعناوين جانبية موضحة وإيقاع يأخذ وقته.
هذا الفيلم أفضل من عملها الأول «أكاذيب لجني الأرباح» Myths for Profit الذي انتقدت فيه سياسة بلدها (كندا) وكيف أنها تعيش فوق ثلاث كذبات ما يجعلها تبدو كما لو كانت بلداً مسالماً وطيّباً في حين أنها تخترق حقوق الإنسان وتتسبب في مشاكل إجتماعية داخلية وخارجية، حسبما ورد في الفيلم.
في فيلمها الجديد (الثاني لها) الذي تقوم بالتعليق الصوتي فيه الممثلة داريل هانا، تترك المخرجة كندا وشأنها وتواجه الأمم المتحدة ذاتها. ومن يرى الفيلم يدرك أن الحق معها: المسألة التي تتعرّض إليها آمي ميلر لا تشمل كل أعمال الأمم المتحدة وسياساتها أو الجانب السلبي من نشاطاتها في السنوات الأخيرة، بل مسألة محددة تتطلّـب الأمر إجراء تحقيق جانبي من قِـبل هذا الكاتب لمعرفة ما إذا كانت المخرجة متجنيّة في هذا الشأن أم لا.
المشكلة، كما يحددها الفيلم، هي في قرار صدر قبل نحو خمس سنوات يدعو الدول النامية إلى التعاون مع مؤسسات صناعية وإقتصادية في سبيل التخلص من “ثاني أوكسيد الكربون” وذلك بحماية الأجواء والبيئة. والفيلم يبدو إستند إلى تلخيص القرار الصادر الذي وافقت عليه 178 دولة وبمفاده تمنح الدولة المعنية الراغبة في تقليص نسبة الكربون المضر الخارج من صناعاتها المحلية حق الإستفادة من صناعات متطوّرة توفّرها الحكومات الصناعية (الغربية بكلمة أخرى) تستخدم بدائل من شأنها تقليل الكربون وتخفيف حدّة تأثيره على البيئة.
مثل القاريء، يبدو هذا القرار مفيداً، لكن المخرجة تمضي في ساعة ونصف للكشف عن ثغراته من خلال الإنتقال في عدد من الدول التي غزتها مؤسسات تعمل بموجب هذه الإتفاقية فإذا بالحال ليس أفضل كثيراً مما كان عليه. في البرازيل والهند وهندوراس هو- عملياً- أسوأ.
ما وجدته المخرجة هو أن هذه المؤسسات الغربية استولت على صناعات محلّـية أكثر مما ساعدتها. وفي حالات، فرضت حظراً- وبمساعدة الحكومات- على ما يمكن للمواطنين ساكني البقاع البعيدة عن الأعين الإعلامية القيام به من زرع وحصاد ومأوى وطعام. في الهند ازداد عدد الفقراء الباحثين في تلال القمامة عما بقي هناك مما يستحق الأكل. في باناما، منعت الحكومات المحلية المواطنين الذين يعيشون على ضفاف أحد الأنهر القيام بصيد السمك وبذلك أضرّوا بعائدات المواطنين من هذه التجارة.
وربع الساعة التي يقضيها الفيلم في بعض القرى البرازيلية في عمق الأدغال يمكن تلخيصها بأن هذه السياسة نتج عنها حتى الآن: قطع الأشجار وجفاف المياه وبل مقتل ضحايا التقطوا في الغابة وهم يمارسون ما كانوا وآبائهم وأجداد أجدادهم يمارسونه من صيد او مجرد قطف ثمار.
والرسالة الشاملة التي تضم تحت جناحها كل ما سبق هي أن تنفيذ هذه السياسة لم يثمر عنه الحد من ثاني أوكسيد الكربون لسبب مهم: في السابق كانت الحكومات والهيئات الإجتماعية تشرف على “إعادة تكوين” القمامة Recirculation لإنتاج مواد تستخدم العناصر التي في المكوّنات الطبيعة للمواد الأصلية (ورق، قماش، جلود إلخ…). الآن باتت المؤسسات تحرق هذه القمامة. صحيح أنها أوجدت حلولاً لتخفيض الضرر البيئي بإيجاد بدائل صناعية لكنها تعود فتستخدم الحرق ما يتسبب في بث غاز ثاني أوكسيد الكربون.

تغليب المصلحة الفردية
يلتقي هذا الفيلم مع آخر حديث بعنوان «إمبراطورية أميركية» ومن إخراج إمرأة أيضاً هي الأميركية باترايا باتريك.
إنه عن القبضة الإقتصادية التي تمثّلها تلك المؤسسات الكبرى التي تشمل على كل ما هو حيوي بالنسبة للحياة العامّـة، فهي تسيطر على الإقتصاد وللإقتصاد مشتقّات عديدة كلها تتبع هذه السيطرة، وعلى الدواء والغذاء والماء والزراعة والتجارة. تلك الشاحنات القادمة من الأرجنتين وتشيلي فوق طرق تمتد لمئات ألوف الكيلومترات لكي تصل بشاحناتها إلى المستودعات لكي تطرح حمولاتها من خضار وفاكهة في الأسواق لا تفعل ذلك لأن الإنتاج المحلي لا يكفي، بل لأن هناك مال أكثر يُـجنى عن طريق هذا الإستثمار بعد شرائه بأبخس الأسعار تستفيد منه صناعات عدّة بما فيها الشركات الشاحنة التي ينتمي بعضها إلى المؤسسات المستحوذة على تجارة الطعام وجميعها إلى هيكلية ذلك العمل.
صحيح أن الحديث في البيئة هنا ليس سوى جانب من الصورة الأكبر، الا أن الفيلم يتطرّق إليها كما أنه يعادي قرارات الأمم المتحدة التي تبدو، حسب الوارد صوراً ووثائق، كما لو أنها دخلت في عمل المؤسسات الإقتصادية، فهي- على سبيل المثال- تريد إصدار تشريع يجعل تجارة الفيتامينات جريمة يعاقب عليها القانون الا إذا ما تمّت بالتعاون مع أجهزة ومؤسسات بيع الأدوية.
عملياً ما يعنيه ذلك أولاً إرتفاع سعر الإستشفاء البديل، وثانياً أن عليك الآن أن تتوجّـه إلى طبيب ليصف لك علبة فيتنامينات (علماً بأن صنع الفيتامين لا يداخله الكيماويات ما يجعله متحرراً من الآثار الجانبية وبالتالي لا يحتاج لطبيب لوصفه). تأخذ الوصفة إلى الصيدلي فيصرفها لك بسعر مضاعف عما كان متاحاً من قبل.
الفيلم، الذي شوهد مؤخراً في مهرجان أبوظبي السينمائي مترامي الإهتمامات ومصنوع بفاعلية فنية تجعل ما نراه مؤلماً إذ نراقب تغليب المصالح التي تمثّـلها المؤسسات الدولية الكبرى على مصالح الشعوب والأفراد العاديين.
مثلاً، وفي مجال تعاني منه الولايات المتحدة نفسها كثيراً، تلقي المخرجة باتريك الضوء على وضع الزراعة في الولايات المتحدة فإذا بها لا تعاني الا من تغليب المصلحة الفردية (لتلك المؤسسات) على المصلحة الجماعية للمزارع وللمجتمع ومن دون رجفة عين يتم خفض القدرات الزراعية المحلية. الحال نفسه بالنسبة لباقي الضروريات الغذائية من لحوم. يقرر الفيلم في أحد فصوله أن الوجبات التي يتناولها سبعون بالمئة من البشر لم تعد مزجاً بين المادة الطبيعية وما دخلها من كيماويات او هرمونات، بل هي مكوّنات جينية ليست طبيعية بل تم صنعها في المختبرات بما فيها حبوب الذرة والقمح. المزارعون الذين لا يرضون بزرع أراضيهم بها (كما رأينا في الفيلم الروائي «بأي ثمن» At Any Price) يرتكبون مخالفة قانونية . الدولة الأفريقية الجائعة التي قد تحتج على تمويلها بأرز او قمح من بذور الحياة ذاتها، يتم تهديدها. وحسب الفيلم يُـقال لها: “تأخذين ما نعرضه او تموتين جوعاً”.

إنها صورة قاتمة وبل مخيفة والفيلم تفصيلي. إنه ليس خيالاً علمياً بل واقعاً علمياً إذا صح التعبير. لكنه فوق كل ما يذهب إليه من جهات وإتجاهات فإنه مبني على أسلوب رصين. فيلم تسجيلي بالسمة التقليدية وجاد بلا مزاح لأن ما يعرضه لا يمكن معه العبء بتخفيف وقعه. يقوم على المقابلات مع شخصيات علمية واقتصادية وسياسية (من بينها طارق علي، جون روبنز، فاندانا شيفا وفرنسيس مور لاب) وكلّـها تكرر تحذيراً واحداً من أن حياتنا أصبحت في قبضة حفنة من المؤسسات التي آخر ما تكترث له هو كيف نحيا.
إنه عالم متوحش ذاك الذي خارج جدراننا. عالم لا يبدو أن السينما العربية بوارد التعرّض فعلياً له إذ لا زالت تحصر معظم طروحاتها في نطاقها الخاص علماً بأنه لم يعد خاصّـاً على الإطلاق، بل صار، ومنذ سنوات، بحاجة لربطه بما يحدث حول أركان الكرة الأرضية برمّتها.
لسنوات تابع هذا الناقد مسلسلاً تلفزيونياً بوليسياً بعنوان Hill City Blues حيث يجمع الضابط في مطلع كل حلقة أفراد البوليس ليوزّع تعلميات ومهام اليوم، وفي نهاية خطبته يقول لهم:
Be careful?….? It?’?s a jungle out there?…?
وهذه هي الحقيقة … “العالم غابة”.