هل ثمة تَحَول في موقف الجمهور العربي من الوثائقي

سؤال طرتحه كثرة الأفلام الفائزة بجوائز مهرجان أبو ظبي
قيس قاسم

فتح، حصول أفلام وثائقية على كثير من جوائز الدورة السادسة لمهرجان أبو ظبي السينمائي، النقاش بين بعض النقاد والمعنيين بالسينما من الحاضرين، حول ما إذا كان فوزها يمثل ميلاً جديداً وتغيُراً في موقف جمهور منطقتنا العربية من الفيلم الوثائقي، خاصة بعد حصول فيلم “انقاذ الوجه” بجائزة الجمهور؟. فأن يمنح جمهور مدينة خليجية اعتاد مشاهدة الأفلام الهوليوودية، دون الوثائقية في الغالب، جائزته الى فيلم وثائقي أمر لا يمكن تجاوزه بسهولة ولا التعامل معه كأمر مفروغ منه. فالموقف من السينما الوثائقية حتى بين المختصين بالسينما العربية لم يكن سوياً في العموم والنظرة اليه كنوع أقل شأناً من بقية الأنواع السينمائية ظلت سائدة؟، عززها مع الوقت طغيان التلفزيون فصار الوثائقي، عند الأغلبية، مقروناً به عدا طبعاً، عروض المهرجانات السينمائية والمختصة منها، وإن لم يصل عند بعضها الى مستوى الروائي في التعامل والأولويات.

إنقاذ الوجه

قد يفسر الكثيرون فوز الأفلام ويحيلها الى أسباب جغرافية وتنوع بشري تمتاز به دولة الإمارات كالتفسير المقبول لفوز فيلم “إنقاذ الوجه” بوصفه تسجيلياً يتناول عذابات نساء باكستانيات تعرضن لعمليات تشويه متعمد بالأحماض الكمياوية القوية من قبل أزواجهن، مدعاة لاهتمام جالية كبيرة من تلك المناطق ذات التماس الشديد بالموضوع تعيش في البلد المنظم للمهرجان ومعنية بدرجة ما بالحضور والمشاركة في الاقتراع الخاص بجائزة الجمهور. هذا التفسير وغيره مهم وفي صالح الوثائقي نفسه، فأن يجد الجمهور نفسه في الأفلام المعروضة هو إحدى علامات التفاعل المطلوب بين المُنتج السينمائي وجمهوره، وهو من يسهم في تصحيح النظرة الى الفيلم بوصفه فيلماً سواء كان وثائقياً أم روائيا. وللناقد زياد الخزاعي رأي في بنية الوثائقي واقتراب مادته في كثير من الأشرطة من شؤون الحياة نفسها فيرى أن ” الفيلم السينمائي الوثائقي، في معناه الإبداعي، حالة استثنائية كونه يستهدف معرفية مشاهده. إنه يغنيه بالمعلومة واكتشافاتها. من هنا، فإن استقصائية واجبة وأساسية في بنيته الدرامية. هناك الملايين من الأشرطة التي تقارب شؤون الحياة بكل أوجهها، بيد أن كمّاً نادراً يبقى عالقاً ومتخمراً في كيان مشاهده وحساسيته وقناعاته”. فيما يرجع الناقد كاظم مرشد السلوم قلة الاهتمام بالوثائقي الى النظرة القاصرة له إذ “يعتبر الكثيرون عملية إنتاج هذا النوع من الأفلام عملية سهلة، وهو تصور خاطئ. فالفيلم الوثائقي لا يقل أهمية عن الفيلم الروائي، ومسألة إنتاجه، ربما تكون أكثر تكلفة ومشقة من بعض الأفلام الروائية، كونه يعتمد الواقع مادة أساسية له، واقتطاع جزء من الواقع وتصويره، ليس بالأمر الهين”.

وحول علاقة الوثائقي بالتلفزيون ومدى تأثير الأخير عليه يقول الخزاعي”لا ريب أن للتلفزيون تأثير حاسم في اتساع رقعة مشاهدة الفيلم الوثائقي بخاصيته الإعلامية، إلا إن روحية النوع الخاص به عربياًـ وهي في الغالب الأعظم استعارات وتقليد للمنجز الغربيـ أمعنت في تحويله الى ريبورتاج متلفز في المقام الأول، حيث ان صنعته تبقى مرتهنة الى إيقاع ثابت، كثير الثرثرة، قليل المعرفة. ان هدف هذا النوع من الاشرطة موزع على خانتين: الأولى، إنه غير معني بنباهة مشاهده، إذ يفترض غباء معلوماته وشحتها ويشكك بمصادرها، ليحافظ على “قدسية” ما يقدمه ويعتبره اختراقاً لا تطاله الشكوك. الثانية، أنه يصر على بناء درامي مسطح، قائم على فكرة أن مشاهده شبه أمي يحتاج الى “إغواء” صوري لجذبه الى نوعية خاصة مثل الوثائقي. وهذه النعرة الإدارية، هي في وجهها الآخر الصارخ، كَشف لـ”رداءة المسؤول التلفزيوني” الذي يقرر فكرة هذا الفيلم وبنيته وطريقة صوغه وأسلوبية فضوله التي تتكفل بـ”جر” المشاهد الى النص الممل”.

وعن غير هيمنة التلفزيون يلاحظ الخزاعي حدوث طفرة  نوعية في مستوى الانتاج السينمائي الوثائقي لعب سينمائيون جدد دوراً أساسياً فيها “هذا الأمر شهد طفرة نوعية مباغتة. إذ حرّض ظهور مجموعة من السينمائيين الجدد النابهين اليوم على إسقاط “أعلامية” الفيلم الوثائقي لصالح استقصائية ديناميكية، التي من دونها لن يكون الفيلم وثائقياً بامتياز. هكذا جاءت نصوص مثل “4 نساء من مصر” و”البنات دول” للمصرية تهاني راشد، و”إعادة خلق” للأردني الهولندي محمود المساد، و”12 لبنانياً غاضباً” للبنانية زينة دكاش، و”يامو” لمواطنها رامي نيحاوي، و”حياة ما بعد السقوط” للعراقي قاسم عبد من بين آخرين، لتؤسس ذائقة عربية جديدة وجدت في الوثائقي مقصداً غنياً ثقافياً واستطلاعياً واستفزازياً في آن. هذه التجارب التي وجدت في المهرجانات العربية الحديثة وتوابعها من صناديق الدعم والإنتاج حاضنة مهمة لا غنى عنها لترتيب علاقة ندّية مع مشاهدها. فهي من جانب، قلبت صنعة الوثائقي مبعدة إياه عن الفضول الى العرفان (أي الإدراك والعلم)، لهذا اعتنت بالشخصية المحورية وطقوسها ومحيطها وتواريخها والحيوات من حولها. أيضا، أقصت ركام الشرح والتطويل وعرفت معاني الاختزال الدرامي وإشاراته وثقل ترميزاته. وعليه، أصبح الوثائقي سينمائياً كلغة وتوظيب، وتخلى عن مفهوم المشاكسة التقنية وتأمين متطلبات “الساعة التلفزيونية”.

يلعن أبو الفسفاط

 أما السؤال عن دور المهرجانات العربية، وخاصة ما أفرزته نتائج الدورة الأخيرة لمهرجان أبو ظبي فيما يخص الوثائقي فيجيب عنها السلوم “نظرا لأهمية الوثائقي في وقتنا الحالي وجدت العديد من شركات الانتاج المتخصصة بها، الى جانب تخصص قنوات فضائية ببثها. هذه الأهمية لم تفت القائمين على المهرجانات السينمائية ومنها مهرجان أبو ظبي السينمائي، حيث خصص في دورته السادسة، كما التي قبلها، حيزا كبيراً للسينما الوثائقية، دخل بعضها في مسابقات الدورة وحاز على جوائز مهمة، منها: “عالم ليس لنا”، “انقاذ الوجه”، “البحث عن النفط والرمال، “العالم أمامها”، “اللأئحة” و”يلعن أبو الفوسفاط ” وغيرها الكثير، ما يؤشر الى مدى الاهتمام الذي يوليه المهرجان للأفلام الوثائقة، التي خصص لها مسابقة وحظيت بدورها بمتابعة واسعة لفتت الأنظار”.
أما ماذا فعلت المهرجانات العربية للوثائقي نفسه؟ فيرد الخزاعي “ماذا فعلت المهرجانات السينمائية العربية للوثائقي؟ الجواب، أنها ولّدت جمهرة نخبوية تتقبل خطابه ونبوءاته السينمائية. من هنا، فإن جوائز مهرجان أبو ظبي الأخير الى المخرج الفلسطيني الدنماركي مهدي فليفل وشريطه المميز “عالم ليس لنا” تعد مؤشراً باهراً على أن النص الوثائقي الحداثي وجد ضالته في قاعات العروض، ولم يعد محكوماً الى “تلفزيونيته”، مصرّاً على أعلان قطيعته عنها، حتى وان تم إنجازه بروحية “الساغا العائلية” كما لدى فليفل وآخرين. الأمر الحاسم، هو أن الوثائقي بمفهومه التنويري الديناميكي التجاوزي أزاح عقلية الانتهازية السينمائية ومنظورها الثابت، وسعى بقوة الى مجالسة جيل مثقف مختلف، يرى في حكاياته كُوات للفطنة الاجتماعية والحصافة السياسية والمرجعية التاريخية المستبصرة”. 


إعلان