ماذا حلّ بهؤلاء السينمائييّن العرب ؟
صلاح سرميني ـ باريس
عندما توجهتُ إلى “المدرسة الوطنية العُليا لمهن الصورة، والصوت” (La Femis) لم يكن الغرض إجراء حوار، أو مقابلة صحفية مع أحد، فقد كانت زيارةً مهنيةً من أجل اللقاء مع “جيرالدين أمغار” مسئولة العلاقات مع المهرجانات السينمائية، وزميلتها في العمل “باسكال بورنستاين” مديرة العلاقات الخارجية.
كانت المدرسة فيما مضى ستوديوهاتٍ لشركة “باتيه”، وما تزال بوابتها الخارجية تحتفظ باسم مالكها القديم.
يقع هذا المبنى الأسطوريّ في وسط المسافة بين حيّ “مونمارتر” الشهير، وكنيسة “القلب المُقدس” الأشهر، ومنطقة “باربيس” الأكثر شعبيةً، وجدلاً في باريس، والتي يشغلها بشكلٍ خاصّ جاليةً من المغرب العربي، والأفارقة، والشرطة الفرنسية السرية، والعلنية طبعاً، ولكن، لا شيء يطغى على هدوء شارع “فرانكور” الذي يتباهى بهذه المدرسة التي لا تثير انتباه أحدٍ إلاّ إذا وقف أمام بوابتها، وتأمل طرازها المعماريّ الداخليّ، ولا أعرف عنها أكثر من الواجهة، ومكتب الاستقبال الذي تتوزع فوق طاولاته كمّاً وافراً من النشرات، والمواد الإعلانية عن نشاطاتٍ، وتظاهراتٍ، ومهرجاناتٍ سينمائية تُثير شهية أيّ مغرمٍ بالسينما، ويستريح في إحدى زواياه صندوق زجاجيّ صغير تحتمي في داخله مجموعة كتبٍ سينمائية من إصدارات المدرسة.
عادةً، لا أتأخر كثيراً في شرح الموضوع الذي حضرتُ من أجله، والفرنسيون، كما نعلم، حريصون دائماً على أوقاتهم، وأوقات غيرهم، مع أنّ لقاءاتٍ كهذه يمكن أن تعتبر فرصةً للتكاسل، والتراخي، وتأجيل عمل اليوم إلى … السنة المُقبلة.

تحياتهم، ومجاملاتهم لا تتعدى بعض الكلمات القليلة:
ـ صباح الخير سيد “…..”، بخير، حسناً، سوف تتأخر “باسكال” عن الموعد، يمكن أن نبدأ بدونها، تفضل إلى مكتبي…..
بدأ اللقاء مع “جيرالدين” دافئاً كما سخونة غرفة مكتبها، أتطلع حولي، ويلفتُ انتباهي مئات النسخ من أفلام الطلبة ـ منذ تأسيس المدرسة، وحتى الدفعة الأخيرة ـ مرتبةً بعنايةٍ على الأرفف، وبانتهازيةٍ دفينة أعبّر لها عن دهشتي:
ـ هذه خزينةٌ سينمائيةٌ مُعتبرة،..
مُتمنياً بأن تُظهر كرمها، وتقول:
ـ تفضل، خذ ما تريد (بالفرنسية طبعاً).
ابتسمت “جيرالدين”، وربما قرأت ما يدور في ذهني من أفكارٍ خبيثة، ولهذا، لم تقل تلك الجُملة.
في مثل هذه اللقاءات الاحترافية، لا يترك الفرنسيون أيّ معلومة تفوتهم، أمسكت بقلمها، وبدأت تنصت، وتُسجل ملاحظاتها، وكنت أتوقع تقريباً نوعية المعلومات التي ترغب الحصول عليها، وهنا، يمكن القول، بأنها هي التي أجرت معي تحقيقاً سينمائياً.
ـ حسناً، حدثني عن مهرجان الخليج السينمائي ؟
ـ دعيني أولاً أقدمُ لكِ لمحةً عن المشهد المهرجانيّ في دول الخليج، والتي بدأت في مطلع الألفية الثالثة مع “مسابقة أفلام من الإمارات” في أبو ظبي، وبعدها ظهر مهرجاناتٍ كثيرة في دبي، أبو ظبي، الدوحة، وحتى آخر مولود سينمائيّ خليجيّ في الدوحة.
كانت تُسجل ملاحظاتها، وتُخطئ في بعض المرات، فأصحح لها :
ـ مهرجان الخليج في شهر أبريل، دبي في ديسمبر، والاثنان في الإمارات، مهرجان أبو ظبي في الإمارات أيضاً، مهرجان الدوحة في قطر،…وتفادياً لسوء الفهم، مهرجان الخليج السينمائي في دبي، والمهرجان السينمائي الخليجي الآخر في الدوحة..
في مهرجان الخليج مسابقة وطنية، وأخرى دولية لأفلامٍ من جميع أنحاء العالم، ومنها عربية، والمشروع الذي طرحته يخصّ هذا المهرجان بالتحديد، في مهرجان دبي مسابقة عربية، وأخرى أفريقية/آسيوية، ولا علاقة لفكرتي بهذا المهرجان،….
كانت تُسجل، وربما تتصنعُ فهم هذه الجغرافيا المهرجانية المُعقدة.
ـ ولكن، قل لي، هل تحتاج المنطقة إلى كلّ هذه المهرجانات ؟
ـ نعم، ولِمَ لا، هناك مهرجانات أخرى لم أذكرها لكِ، مثل : مهرجان أناسي للأفلام الوثائقية، مهرجان جامعة زايد السينمائي للشرق الأوسط، المهرجان التراثي السينمائي، وكلها في أبو ظبي،….
وأيضاً مهرجان مسقط السينمائي الدولي في سلطنة عُمان، مهرجان الكويت للسينما العربية، مهرجان الأفلام القصيرة في البحرين،…
قاطعتني “جيرالدين” معبرةً عن دهشتها العظيمة :
Et bah dis doncـ
ـ دعينا إذاً نتحدث عن مشروعنا،…
وهنا أتوقف عن سرد التفاصيل الباقية خوفاً من ظاهرة النسخ، والتناسخ التي بدأت تنتشر في مهرجانات السواحل الشرقية الغربية، والشمالية الجنوبية من جزر ما وراء البحار.
التحقت بنا “باسكال”، وأصبح النقاش أكثر دقةً، وفهمتُ بشكلٍ ما الهدف الذي تسعى إليه.
ساعةٌ من الأسئلة، والأجوبة، وعادةً، لا أترك المكان فارغ اليدين، فقد غادرت المدرسة مُحملاً بكميةٍ مُعتبرة من الأفلام، وأكثر من ذلك، وثائق على قدرٍ كبيرٍ من الأهمية.
ماذا حلّ بهؤلاء السينمائييّن العرب ؟
ثلاثة، وعشرون عاماً مضت على إنشاء الجامعة الصيفية للمدرسة سمحت باستقبال 277 طالباً من كلّ أنحاء العالم.
الهند، الجزائر، المغرب، وتونس هي البلدان الأكثر حضوراً مع أكثر من عشرين طالباً لكل منها، يتبعها تشيلي (16طالباً)، فيتنام (13طالباً)، حتى نصل إلى بعض البلدان التي لا يوجد فيها صناعة سينمائية، مثل منغوليا (طالب واحد)، وهندوراس (طالب واحد).
في يونيو، ويوليو من عام 2011 جمعت الدورة الـ 23 للجامعة الصيفية 12 جنسية، وهم في أغلب الأحيان طلبة سينما، وسائل سمعية/بصرية، أو صحافة في بلادهم الأصلية، وبعد عودتهم، إما أنهم يكملون دراستهم، أو ينخرطون مباشرةً في نشاطاتٍ احترافية.
تحمل إحدى الوثائق عنوان: الجامعة الصيفية، ماذا حلّ بهم ؟

سؤالٌ يخطر على بالنا دائماً، ونردده سراً في أذهاننا، أو علناً مع الآخرين، ولا أعتقد بأنّ إدارة أيّ مدرسة سينمائية عربية فكرت يوماً، أو سوف تفكر بإنجازها، وإصدارها.
تقدم الوثيقة بانوراما لمسيرة الطلبة الذين تدربوا في الجامعة الصيفية من جميع التخصصات: مخرجين، منتجين، كتاب سيناريو، تقنيين، ومهن مؤسساتية، وعلى الرغم من المدة القصيرة التي قضوها في المدرسة (شهرين)، ولا تضمن لهم العمل الاحترافي في بلدانهم الأصلية، فإنه، من الأفضل التفكير بنوعية التكوين المهني الذي حصلوا عليه، الانفتاح على أشكالٍ جديدة للإبداع، والتفاعل بين الثقافات المختلفة للمتدربين، والتي تشارك بطريقةٍ إيجابية في تكوينهم، بدون إغفال العلاقات المتعددة التي تنشأ مع فرنسا، حيث يهتمّ واحدٌ من الطلبة النظاميين للمدرسة بآخرٍ متدرب في الجامعة الصيفية فترة إقامته التعليمية في باريس، وتسمح هذه العلاقات بإيجاد روابط أبعد من الجوانب الاحترافية، وتؤسّس إمكانيات تعاون وطيدة تتمحور حول مشاريع سينمائية مستقبلية.
المخرج المغربي “داود ولاد سياد” على سبيل المثال، خريج واحدة من الدفعات الأولى، التقى بـ”جان كلود كاريير” في الدار البيضاء، وأكمل نقاشاتٍ بدأت معه منذ شهور سابقة خلال تدرّبه في فصل مادة السيناريو.
بدورها، الجزائرية “منية مدور” عملت مساعدة إخراج في فيلم “رحلة إلى طرابلس” لـ”فيليب فريلينغ”، وكان من إنتاج “جان بيير مورييّون” منسق الجامعة الصيفية في عام 2004.
بينما شكل خريجون من نفس البلد شبكة فيما بينهم، وتخيّر البعض من بلدانٍ مختلفة التعاون فيما بينهم بعد فترة تدربهم، الرومانية “كرينغوتا بينزارو” التقت مع المغربي “محمد شريف طريبق” أثناء دراستهما في الجامعة الصيفية عام 1998، وبعدها عاشت في المغرب، وكانت مدير التصوير لجميع أفلامه.
هناك متدربون آخرون التحقوا بالدراسة النظامية في المدرسة نفسها، ومنهم “حاتم مهدي بن عيسى”.
من جهةٍ أخرى، ترافق “وزارة العلاقات الخارجية” المتدربين عن طريق نظام الدعم الخاصّ بأفلام الجنوب، ويمكن الإشارة إلى المُساهمة التي قدمتها للمغربي “داود ولاد سياد” لتطوير سيناريو فيلمه “طرفاية” الذي أنجزه في عام 2002.
ويضمن عددُ من ممثلي الوزارة متابعةً حقيقية للخريجين، ويساهمون في احترافيتهم، وهكذا تابعت التونسية “كوثر بن هنية” ورشة السيناريو في قسم التكوين المُتواصل بهدف تطوير مشروع فيلمها الروائي الطويل الذي كان من المُفترض إنجازه في عام 2007، وحصل الجزائري “مؤنس خمار” على إمكانية حضور مهرجاناتٍ عدة في فرنسا (ومنها كليرمو ـ فيرا) كي يتمكن من تكوين شبكة علاقاتٍ مع شركاء محتملين، منتجين، موزعين، وخدمات.
وفي ختام هذا الجرد، تقدم الوثيقة بانوراما لمسيرة المتدربين في الجامعة الصيفية، وتشير بأنّ بعض خريجي الدفعات الأولى تابعوا دراستهم في بلادهم الأصلية، أو في بلدانٍ أخرى، واختار آخرون الطريق الاحترافي مباشرةً.