مهرجان شاشات: فيلم “هش” و”منشر غسيلو”..عن الرداءة

ثيمة “المُخَلَّفات” التي اختارها مهرجان “شاشات” التاسع لسينما المرأة في فلسطين تضرب بقوة ظواهر “الرداءة” اللفظية والسلوكية، التي تسود مجموعة من مظاهر حياتنا الاجتماعية، في فيلمي “هش” للمخرجة زينة رمضان و”منشر غسيلو” للمخرجتين آلاء الدسوقي وأريج أبو عيد نجد نقدا لاذعا لظاهرة النميمة والقيل والقال في عالم النساء كما في الأول، وظاهرة التحرش الجنسي اللفظي والبصري كما في الفيلم الثاني.

“هش”.. إخراس المجتمع!
في مشهد أخير من فيلم “هش” للمخرجة زينة رمضان نرى على طاولة الفتاة الجامعية “لمياء” مجموعة كتب، إحداها رواية “باب الساحة” للكاتبة سحر خلفية، وفيها تتحدث عن مجموعة من نساء المدينة الضعيفات وعن دور المرأة في الانتفاضة الأولى، فيما الفيلم الروائي القصير “هش” منجز رمضان الفني يحيلنا إلى واقع الفتيات في لحظتنا الراهنة، أي بعد أكثر من 20 عاما على الانتفاضة الأولى، وذلك عبر معالجة ذكية تطرح من خلالها رمضان موضوعها الخاص ورؤيتها لواقع الفتاة الفلسطينية.
الفيلم القصير لا يضعنا في مقاربة تاريخية أبدا، فهو لا يتصدى لذلك لكنه يطرح أسئلة صعبة حول مخلفاتنا/ أو مصادر تخلفنا الثقافية/ الاجتماعية، مثل: إلى أي مدى يمكن تقدير سطوة المجتمع على فتاة حالمة.. فتاة جامعية مثلا، وتحديدا في مرحلة تفتح أحلامها وانطلاقها باتجاه ما تريد؟ وما هي الطلبات والمقررات التي يفرضها المجتمع على الفتاة في لحظات نضوجها وانطلاقها للحياة؟ وكيف تلعب المرأة دورا مركزيا في إبقاء الفتيات سائرات على نفس الطريق الذي اختاره المجتمع لهن وفي جعلهن فتيات مثاليات من وجهة نظر المجتمع الذكوري؟
الفيلم الذي استعاظ بـ”هش” (Hush) عن كلمات من قبيل اخرس/ أسكت يحمل دعوته من عنوانه، دعوة كي يكف المجتمع عن التدخل في أحلام فتياته، تلك التدخلات التي تتشكل وفق مقاييس ذكورية تقليدية حتى لو كانت من خلال النساء اللواتي حضرهن المجتمع لممارسة أدوارهن وأحلامهن بالحياة والتي تنحصر في صيد العريس، وأحاديث النميمة، وإنجاب الأطفال..الخ .
 ويبدو الفيلم الروائي القصير 7:40 دقيقة مليء بالتفاصيل الصغيرة التي تشكل قصته وقضيته الشائكة وذلك على شكل جمل في حوارات قصيرة ورشيقة، ومواقف وصور تغص بها حياتنا، وعبر البطلة الصامتة “لمياء” نرى الصراع الذي تعيشه الفتاة الجامعية مع المجتمع وأفكاره وتصوراته عنها.

من فيلم “هش”

نساء وجيلان
من أحد الأحواش التراثية في مدينة نابلس (منزل بسيط ونافورة ماء تتوسطه) يدور الحديث الصباحي بين اثنتين من النسوة، وعلى ايقاع إعداد قهوة الصباح ونار الأرجيلة يغصن في أحاديثهن الصباحية التقليدية، تلك الأحاديث التي تستنزف وقت النساء وطاقاتهن، وعبر ذلك تنقلنا المخرجة إلى حكايتها البسيطة عن “لمياء” الفتاة الجامعية.
وعبر المشهد الأول نلحظ التباس علاقة “لمياء”، مع المجتمع، فمن خلف ستارة تنظر إلى الشارع المليء بالضجيج وأصوات السيارات، نظرة تبدو مليئة بالخوف والقلق، تغادر باب منزلها على مسمع من أحاديث النساء الصباحي التقليدي الذي يحاصرها فيما يجب أن تفعل، عليها أن تكون مثلهن تماما، مشبعة بأحاديث القيل والقال، وحكايات النميمة. وحتى بعد مغادرة منزلها نجد “امرأتي الحوش” (من جيلين مختلفين: جيل جديد، وجيل قديم) نراهن بشكل عفوي في مطاردة يومية للمياء، فالمشهد الثالث يكون في السوق حيث يسرن خلفها ولا يوقفهن عن ملاحقتها إلا محل لبيع أدوات العرايس، وفي مشهد رابع تجمعهما الصدفة في سيارة نقل عمومي لتكون “لمياء” صيدا ثمينا لذات المرأتين. ليتحولن بعدها إلى شبح/ كابوس يرصد لمياء ويلاحقها على درج الجامعة، وفي الصف الدراسي، وفي غرفة النوم، وفي الأحلام.

معالجة ذكية
مطاردة “امرأتا الحوش” أو حضورهما الكابوسي في حياة لمياء بدا شديد الذكاء، فمطالب هاتين المرأتين اللتين يمثلن المجتمع تتمثل بضرورة أن تجلب “لمياء” العريس أثناء فترة الدراسة الجامعية طالما الفتاة التي تعجز عن ذلك تعتبر فاشلة اجتماعيا “اللي بتطلع من دون جوز حمارة”، أما في السيارة فلغة الغمز واللمز ضد الفتاة هي السائدة لكونها تفعل أشياء لا تناسب ذوق المجتمع، الأمر يتجاوز ذلك فتميلان عليها بقسوة لدرجة يدفعانها لمغادر السيارة.
تستمر الامرأتين في مطاردة “لمياء”، يفرضن عليها حديث تتنوع موضوعاته: طلب الطلاق، النساء اللواتي يخربن البيوت، والفضائح الاجتماعية، والعروس في يوم عرسها، الذهب و”الحبل” ومشاكل الانجاب، واكمال التعليم والعريس المناسب…الخ، فيما تلعب الأغاني الشعبية دورا مكملا: “بدي عروس كمل عمري معها”. وكلها تعمل ضمن منظومة اجتماعية وثقافية على تنميط أحلام الفتاة وتقزيم دورها.
شبح الامرأتين يصل غرفة نوم لمياء، يلبسنها ثوب العرس الأبيض ويخبرنها كم هي جميلة، وعندما تقرر الهرب تجد نفسها أمام مجموعة أبواب تفتحها تباعا فتجد عرسانها الكثر في الانتظار تارة، والمرأتين تارة أخرى، تفيق على نفسها أمام مرآة غرفتها الصغيرة، وتبدأ باستعادة وعيها وتماسكها، تحمل قناعا مزدوجا لوجهي امرأة ورجل.. تتحسسة بحنيه وترتسم على وجهها ابتسامة رضا.

الإقرب لقضايا الفتيات
فيلم “هش” يبدو الأقرب إلى قضايا الشباب وتحديدا الفتيات المقبلات على الحياة، فهو يطرح موضوعا مهما في لحظتنا الراهنة، ويبدو الفيلم مبشرا بمخرجة واعدة تمتلك مجموعة من الأدوات والأساليب الفنية التي قدمت من خلالها أفكارها، مثلا مشهد النساء الثلاث في سيارة العمومي يعتبر الأكثر دلالة ورمزية، فالسيارة التي تتمايل على الشارع تمثل المجتمع المتحرك والذي يمور بمجموعة من التحولات والتغيرات، فيما النساء اللواتي يضايقن “لمياء” فهن كناية على الواقع الذي تعيشه المرأة التي تعمل على تذويت القهر بحسب تعبير التربوي لبرازيلي باولو فيريري (تقمص المقهور صفة القاهر وهنا الذكر)، فالمرأة تقوم بدور كبير في قهر الأنثى لأسباب تستحق نقاشا مستفيضا سيخرج به مشاهدو الفيلم بالضرورة بعيدا عن تحميل مسؤولية ذلك للمرأة وحدها، فالنساء هن نتاج مجتمع وبيئة يعشن فيهما.
في السيارة العمومية (كان يمكن أن يكون الفيلم كله داخل السيارة، ولنا في كثير من لوحات الدراما السورية أسوة حسنة) نرى الرمزية الكبرى في الفيلم حيث مجتمع النساء يضغط بقوة على نساء أخريات ويدفع بهن للسير على نفس الطريق، والويل لمن تسلك طريقا مختلفا حيث تنهشها عبارات اللوم والاتهام وقلة الحياء في أقل الحدود.
كما عبرت المخرجة بإبداع عن ثقل حديث “امرأتا الحوش” الذي ينتقل من الواقع إلى الخيال، فتتحولان إلى شبحين يطاردن الفتاة “لمياء”، وفي ذلك عمق مضاعف، فالأمر يتجاوز مسألة الحديث المباشر إلى مساحات عميقة من اللاوعي، واللاشعور، وهو ما يقودنا إلى فهم أعمق لطبيعة الضغوط المجتمعية والمخلفات الثقافية التي تسكننا حتى من دون الاعتراف بوجودها المادي.
كما أن الفيلم تضمن مجموعة من المفردات الفنية إضافة إلى اللغة مثل: الأرجيلة، النارة (البصة) فناجين القهوة، مانيكات العروس، القناع الأسود..الخ وكلها مفردات/ معادلات بصرية تخدم الفيلم ورسالته.
ولا تبدو المخرجة معنية بالتصارع مع المجتمع في فيلمها، لكنها تنحاز إلى الأمل ومساحة الحلم والتفكر، ففي مشهد ختامي تنهي فيلمها بلمياء تتحسس قناعها الأسود الذي يحمل شكل المرأة والرجل، في إشارة إلى تصالحها مع مكونات الحياة (الذكر/ الأنثى)، لكنه تصالح مشروط بتوقف كابوس الحكي والضغط اليوميين الذين يلاحقن الفتيات مهما كانت أحلامهن.

“منشر غسيلو”.. التحرش اللفظي
يفترض فيمن يؤمنون بمقولة أن “الأفضل إنك تحتشمي”، وهي التي يسردها كثُرٌ ردا على تعرض الفتاة للتحرش الجنسي اللفظي والمعاكسات التي تتعرض لها المرأة في مجتمعاتنا العربية، يفترض بهم أن يغيروا من قناعاتهم بعد مشاهدتهم فيلم “منشر غسيلو” للمخرجتين من قطاع غزة آلاء الدسوقي وأريج أبو عيد.
الفيلم، إن لم نقل ينسف، فهو يشكك بقوة في تلك المقولة التي نسمعها كثيرا على شكل نصيحة توجه للنساء اللواتي يتعرضن للتحرش اللفظي في الأماكن العامة، وهن كثر، وهن بالمناسبة أيضا مختلفات في مظاهر اللباس وأشكاله.
الظاهرة التي تتفاقم مجتمعيا لا تقتصر على ممن يوصفن بأنهن من غير المحجبات أو المحتشمات، أو من اللواتي لا يلتزمن باللباس الشرعي، أو ذلك اللباس الذي يوصف من البعض بأنه لا يراعي المعايير الاجتماعية، تلك المعايير ذاتها لا تراعي من الأساس حق النساء في التواجد في المجال العام/ أو ما يعرف بالحيز العام، الذي هو ملك لجميع المواطنين، وليس للذكور من المواطنين فقط، كما أسست العقلية الذكورية والمعايير الاجتماعية التي ترسخت مع الزمن.
هذا التشكيك في السائد من الأفكار المقولبة والجاهزة هو جوهر عمل السينما ودور الأفلام في حياتنا، أي أن تقوم بإتلاف التالف من أفكارنا وتصوراتنا، وتدمير وفضح الأفكار الخاطئة، والفيلم الجريء فنيا وموضوعا يتصدى لذلك بهدوء ومن دون ادعاء.

منشر غسيلو

تصوير حي وجرافيك
هنا لا بد من التنويه أن “منشر غسيلو” (روائي قصير) يذكرنا بفيلم المخرجة غادة الطيراوي المعنون بـ “فرط رمان الذهب” الذي انتجته “شاشات” قبل أعوام وحاز اهتماما نقديا لموضوعه الذي عالج ظاهرة الأعتداء الجنسي على النساء ولأسلوبة الفني من حيث المزاوجة بين التصوير الحي والجرافيك، وفيلم الدسوقي وأبو عيد يفعل ذلك، فهو يتصدي لظاهرة التحرش اللفظي، فيتناول بأسلوب ساخر جزءاً من قاموس التحرش الجنسي اللفظي الذي تتعرض له المرأة، مهما ارتدت من ملابس، بالإضافة إلى الاغتصاب البصري الذي يعرّيها مهما غطت نفسها.
الجرفيك أو رسوم الكرتون بصفته بديلا فنيا يستوقفنا في هذا الفيلم بعد موضوعه وطروحاته، ولا ندرى السبب الحقيقي وراء ذلك (عدم تمثيل مشاهد التحرش اللفظي)، أيكون السبب في نجاح تجربة “فرط رمان الذهب” أم عدم وجود ممثلين يؤدون أدوار المتحرشين في ظل تنوع واختلاف فئاتهم (شباب على مقهى، سائق تكسي، مدير مكتب/ مسؤول)؟، لكن أي كان السبب فإن الخيار الفني الذي لجأ إليه لتقديم رسالة الفيلم كان مميزا وخدم فكرة الفيلم، فالأفكار كثيرة لكن المهم هنا هو كيف نقولها؟.
يقدم لنا الفيلم حكاية فتاة في حالات خمس من اللباس مع التحرش اللفظي، بدءا من اللباس الذي يوصف بالضيق ووصولا إلى إرتداء العباءة والنقاب، وفي كل الحالات كانت سهام التحرش لها بالمرصاد، طالما قاموس الذكورة يتسع ويسعف المتحرشين.
يضعنا الفيلم مع حمولة كبيرة من الفاظ التحرش على اختلاف المواقف التي تتعرض لها الفتاة الحائرة في هذا المجتمع، ويعرض القاموس اللفظي للمتحرشين المتداول في الشارع. وهو قاموس يتأسس على فهم راسخ لدى كثيرين ينتج عنه إحالة لتفسير مرضي وغريب عند نقاش قضية التحرش الجنسي، فالنساء بصفتهن (جسدهن/ طريقة لبسهن) هن المسؤولات عن فعل التحرش!، وهذه فكرة قاصرة تماما عن فهم هذه المسألة وبالطبع ستكون عاجز عن معالجتها.
قد لا يستسيغ البعض التسليم بنقض تلك الفكرة، لكن الواقع يقول أنه تفسير خاطيء ولا يجوز أن تبنى المجتمعات على تلك الأفكار، ومن يريد معرفة المزيد عن ذلك عليه أن يدقق في مدننا وقرانا ويراقب السلوك العام بحق النساء ليجد بأم عينيه الحقيقة.
فنحن بحاجة لفهم سلوك التحرش بحق النساء على اختلافهن، وهذا لا يجود به الفيلم لكنه يطرح مساحة لمناقشته ذلك في عروض كثيرة وتحديدا بين فئة الشباب، فسلوك المتحرش قائم على أنه الشخص الذي يحق أن يحتل الحيز العام وهو المسيطر عليه، وهو ربما ما دفع بالمخرجتين لتكون الفتاة/ بطلة العمل صامته طوال دقائق الفيلم، فعمليا هناك مساحة كبيرة من الصمت تجاه هذه القضية الخطيرة، صمت مجتمعي، يترتب عليه صمت الفتاة المتحرش بها على جريمة شنعاء ترتكب بحقها بشكل يومي.
الفيلم ناضج فنيا كما طرحا فكريا، كما كان الانتقال من التصوير الحي إلى الجرافيك سلسا ومتقنا، بحيث لم نشعر بقطع حقيقي في الفيلم ربما المونتاج ساعد ودعم ذلك.
ينتهي الفيلم بمشهد الشال الأسود طائرا بالهواء، فيما قطع الملابس الملونة مترامية على أرضية غرفة نوم الفتاة على اختلاف أنواعها، في إشارة إلى أن المشكلة ليست بالملابس فهي قطع قماش تستر الجسد أولا وأخيرا، إنما هي في عقلية من يقولون: “دخيلواااا”، ويصفرون، ومن ثم يكررون “دخيله ودخيل منشر غسيلو”. فهؤلاء لا يرون المرأة إلا من باب جسد/ عنوان غواية وعليه قطع قماش!، وهنا تكمن المصيبة الكبرى، هؤلاء من مخلفات ثقافتنا الاجتماعية الراسخة، من مخلفات العقلية الذكورية التي تستحق الرمي مثلما نرمي قطع الملابس البالية، وإلإ فإن الأسوأ ينتظرنا في علاقة المرأة بالمجال العام، وما جرى في دول عربية قريبة من موجات تحرش جماعي ليس ببعيد عنا.
يذكر أن الفيلمين ضمن مجموعة أفلام تعرض ضمن مهرجان شاشات التاسع لسينما المرأة في فلسطين، ضمن إطار مشروع “مُخَلَّفات” الذي تنفذه مؤسسة شاشات، وحصل على تمويل رئيسي من الإتحاد الأوروبي وتمويل إضافي من مؤسسة هنريش بول، ومؤسسة تفي-بيت النرويجية، والقنصلية الفرنسية العامة في القدس.
و”مُخَلَّفات” هو مشروع سينمائي مؤلف من عشر أفلام ومائة عرض ونقاش في الضفة والقطاع، وثلاث حلقات تلفزيونية، ويشمل إنتاج “شاشات” لسبع أفلام جديدة، ثلاثة من الضفة وأربع من غزة، وجميعها تسلط الضوء على مجموعة من القضايا التي نرفضها في محيطنا ونعتبرها جزءا من تلوث حياتنا على الصعيد الثقافي والاجتماعي والبيئي.


إعلان