الاسلوب الملحمي في سرد مسيرة مانديلا الطويلة

قيس قاسم 
في تزامن نادر، مع اعلان موته، عُرض فيلمان جديدان عن الزعيم الراحل نيلسون مانديلا. الأول روائي من اخراج جاستن تشادويك وبطولة ادريس ألبا، عنوانه “مانديلا درب الحرية الطويل” والثاني وثائقي أمريكي بعنوان “المسرة الطويلة لنيلسون مانديلا” وتقارب عنوانيهما يعود الى أصل عنوان مذكراته الشخصية “نيلسون مانديلا: مسيرة طويلة نحو الحرية”. من المؤكد ان أنباء مرض مانديلا قد مهدت وحفزت كثيرين من العاملين في حقل السينما لتحضير وإنجاز أعمال عن رجل أسطوري دخل التاريخ كما لم يدخله أحد السياسيين من قبل، والزمن، بدوره، كوجود مطلق الحركة، لا أحد يستطيع التحكم به أراد هذة المرة أن يجمع فيلمين في لحظة واحدة وفي حدث دراماتيكي العالم كله ملتفت اليه، ما سيثير أسئلة بعد عرضهما حول مَن منهما أتم مهمته على أكمل وجه: الروائي أم الوثائقي؟ الأخير سيظل، بحكم المؤكد، أقل شعبية فيما يتعلق بالجانب التجاري والترويجي لكنه سيبقى أطول عمراً وأكثر صلاحية للمراجعة والتقييم، لطبيعته كنوع سينمائي يتحرك، غالباً، في حقول العالم الحقيقي، ومن هنا تتأتى أهمية فيلم كليفورد بيستال، الذي ربما حالفته الصدفة ليتوافق عرضه مع اعلان موت “بطله” مانديلا، الذي كرس له ما يقارب ساعتين من الزمن السينمي ليسجل خلالها مسيرته الملحمية الطويلة.

الإلمام بحياة أي رجل مهم على المستوى التاريخي مهمة وثائقية صعبة، لأسباب تتعلق بالشخصية/ الموضوع نفسه قبل كل شيء، وأحياناً يصبح توفر الخامات والوثائق المساعدة، عامل اعاقة اضافي يُصعب من عملية إختيار ما يناسب زاوية تناول الشخصية تسجيلاً، على عكس الروائي الذي يمكنه أخذ جزء صغير من الشخصية/ البطل والبناء عليها خيالاً. لقد أراد صانع الوثائقي كليفورد بيستال خوض تجربة ملحمية يسطر فوقها تفاصيل حياة رجل كل جزء منها يكمل الأجزاء الأخرى ولا يمكن فصلها عن بعض، لهذا لجأ الى الى التوليف المونتاجي كحل تقني يوجز به الزمن ويكثف تفاصيل المسيرة الى أقصى ما يمكن لهذا بدأ من يوم الحادي عشر من فبراير عام 1990 وفي اللحظة التي انتظر العالم فيها ظهور مانديلا لأول مرة بعد قرابة ثلاثة عقود قضاها في السجن. لقد بدأ فيلمه من اللحظة التي سجلت أولى خطواته نحو الحرية.
ظهوره سيزيد من غموضه، فالعالم قد سمع به من قبل، لكنه لا يعرف ما الذي تغير فيه داخل السجن، وما الذي كان يُبيته للمستقبل؟ وعليه كان لابد من عودة الى ماضيه لمعرفة خصاله المتجذرة، وطبعاً الاستماع الى تجربة الناس الذين رافقوه طيلة عمره، ومن بينهم والتر ماكس وجوفان مبكي، أبرز قادة حزب “المؤتمر الوطني الأفريقي”. وقبل الرجوع الى طفولته أراد الوثائقي تثبيت آخر صورة ظهر فيها مانديلا الى العلن وقد إرتدى زيه الفولكلوري قبل دخوله الى المحكمة ليدافع عن نفسه بنفسه بعد أن اعد مذكرة دفاع ستكون بمثابة دليل عمل سياسي للحزب وكبيان قومي ضد سياسة “الأبارثيد” في جنوب أفريقيا، وفيها جانب مهم له صله بتكوينه النفسي حسب ما قاله الصحفي أنتوني ساسون الذي طلب منه مانديلا الاطلاع على مذكرة الدفاع قبل تلاوتها “كان نصاً مدهشا، تجاوز مهمته السياسية الى قراءة ذاتية صادقة سجلت تحولات قائد قبيلة شاب الى سياسي مديني”.
يقدم “المسيرة الطويلة لنيلسون مانديلا” تاريخاً واضحاً لطفولته وكيف نشأ على الزعامة في عائلة قريبة من أحد ملوك قبائل جنوب أفريقيا وميوله المبكرة  لتجاوز عالمه الصغير الى واحد أكبر فأحب المدرسة والتعليم،  وكتعبير عن نزعته المستقلة هرب الى جوهانسبورغ من زواج رتبه له ملك القبيلة. نزعة تحررية متأصلة ستتبلور في زحمة مدينة كبيرة تعرَّف فيها على تفاصيل حياتها، وأحس بتجربته كرجل أسود معنى التمييز العرقي والفرق بين السود والبيّض في مجتمع مشوه التركيبة الاجتماعية وغير عادل. دراسته للحقوق وتعرفه على القائد الصديق سيسولو ايفلين سيزيد من قناعته بضرورة تغيير وضع البلاد لهذا سينخرط في نشاط سياسي محموم ويتبوأ مراكز قيادية في “المؤتمر الوطني الأفريقي” وستظهر مع خصاله القيادية مثالب في فهمه للمجتمع يسلط الوثائقي الضوء عليها ليكتسب تميزاً مهماً كونه أراد تقديم مانديلا كما هو وليس كشخصية “خيالية”. أراد تسجيل حياة رجل من لحم ودم تطور تدريجياً وعبر تجارب كثيرة. واحدة من مشكلاته كشاب ثوري انه غَلَب الحل المسلح على سواه وثانيهما ابعاده أقليات وقوميات أخرى غير السود من حساباته السياسية، وسيتجلى هذا في مواقفه من الهنود داخل الحزب ووقوفه مع التيار الذين لم يثق بهم كشركاء في نضالهم ضد التمييز. شجاعته واحدة من الخصال التي ستزيد من ميله الى العنف كوسيلة سياسية ويسجل عام 1961 أولى عمليات الاغتيال السياسي ضد قادة الجيش. لقد آمن بمبدأ حرب العصابات ولهذا قام بحملة واسعة وبرحلة طويلة حول العالم لجمع الخبرة والتأييد لمنهجه ومن الأشياء التي يظهرها الوثائقي زيارته الى الجزائر وتقديم قادتها خبراتهم له في استخدام السلاح وتكتيكات حرب الشوارع. لقد استمع الكثير خلال وجوده في الخارج عن استحالة انتصاره عسكريا على “الأبارثيد”، فراح يجرب اقناع أبناء وطنه بأهدافه فبدأ رحلة داخلية في أنحاء البلاد انتهت بأعتقاله وتقديمه الى المحكمة التي حكمت عليه بالسجن خمس سنوات، خرج بعدها ليصعد من عملياته التي انتهت بسجنه ورفاقه من قادة الحزب سجناً مؤبداً في جزيرة نائية بتهمة “التخريب”.

تجربة السجن ستُغير الكثير من تفكير مانديلا، والوثائقي يسلط أكثر الضوء عليها. فيها شهد تفكير الرجل تقلبات فرضتهما عليه العزلة والألم. لقد مثلت الكتابة له في السجن منفذاً للعالم الخارجي والداخلي في آن، عبر من خلالها عن أفكاره وعواطفه فأزداد بفضلها تماسكاً رغم مرضه وسوء ما كان يتلقاه من معاملة. ستظهر تجربة السجن الطويلة قدرته على المناورة والتكتيك، اللذان سيجبران بدورهما سجانيه لتغيير سلوكهم معه ومع بقية السجناء. وعلى المستوى العاطفي ستوضح كتاباته عمق علاقته بزوجته وعائلته التي فقدها تدريجياً، وقاسى من آثارها. من محاسن عمل كليفورد بيستال أنه أحاط بعوالم المقربين من مانديلا وقدم منجزاتهم في التغيير، من بينها دور زوجته السياسي وأيضاً سلوكها الذي سيدفع مانديلا للانفصال عنها في خطوة هي بين أقسى الخطوات على قلبه ربما تقاربها قسوة قبوله التفاوض مع مضطهديه والمتسببين في معاناة شعبه حول ايجاد حل سلمي للمشلكة الجنوب أفريقية. يقدم الوثائقي تاريخاً مسجلاً بالصورة عن مراحل تبلور فكرة التفاهم السياسي بدلاً من السلاح لإنهاء “الأبارثيد” في البلاد، وقبول التعايش مع البيض وتحويل جنوب أفريقيا موطناً للجميع. أجمل ما في في شهادات رفاقه صراحتهم فيما يتعلق بخلافاتهم معه وكيف أقنعهم بصحة سياساته “السلمية” مع احتفاظه بالقيم التي ناضل من أجلها. وسيسجل الوثائقي الطويل واحدة من التحولات التي جاءت بعد خروجه من السجن ودخوله العملية السياسية كقائد فذ يتمتع بحس انساني وتسماحي ندر وجوده عند مناضلين أشداء تجربتهم القاسية غالباً ما كانت تصلب مواقفهم وقلوبهم، عدا مانديلا الذي راح وبعد فوزه بالأنتخابات وتعيينه رئيساً للبلاد يرسخ مبدأ التسامح ونسيان الماضي والمشاهد الأخيرة تظهر مقدار استعداده للمضي في نهاية المشوار دون تردد. لقد صار مانديلا رمزاً للسياسي المحنك، الإنساني، فكسب قلوب العالم واستحق الكثير من الأفلام التي أنجزت وستنجز عن حياته وتجربته الفريدة.