حجج التجريب السينمائي
عدنان مدانات
يتحدث الأدباء لدى تقديمهم شهادتهم الإبداعية عن” تجربتهم” الأدبية، بدورهم يحلل النقاد ما يسمونه”التجارب” الأدبية للمبدعين من كتاب رواية أو شعر، لكن بالمقابل، لا يتحدث الأدباء والنقاد عن التجريب في الأدب ولا يتداولون إلا فيما ندر مصطلحا من نوع” قصيدة أو رواية تجريبية”، أما في مجال السينما فإن مصطلح الفيلم” التجريبي” مصطلح مستحدث صار منذ أواخر القرن العشرين وصولا إلى أيامنا هذه قائما ومنتشرا ب��طراد متزايد ومستعملا بكل أريحية من قبل صانعي الأفلام والنقاد السينمائيين، خاصة من الجيل الشاب.
لماذا يحصل ذلك في مجال السينما وحدها دون غيرها من الفنون والآداب؟ وهل حقا تصح تسمية التجريبي على أي فيلم منجز؟
من البديهي أن الجواب على هذين السؤالين يحتاج إلى العودة إلى تاريخ السينما و خاصية منشأ السينما المتمثلة، من حيث المبدأ، في كونها نشأت نتيجة اختراعات تقنية كان على صانعي الأفلام أن يتعلموا كيفية استخدامها، أو بالأحرى، أن يتعلموا كيفية الاستفادة منها لاستكشاف إمكانيات السينما كوسيلة تعبير فنية. التقنيات كانت متلاحقة الظهور و متنوعة، منها ما يتعلق بآلة التصوير ومستلزماتها من أجهزة الإضاءة، ومنها ما يتعلق بنوعية الفيلم الخام، ثم التحميض والطباعة، وتاليا، بعد مرحلة اكتشاف الصوت، كان على صانعي الأفلام أن يتعلموا كيفية استخدام أجهزة تسجيل الصوت والمونتاج و المكساج وغير ذلك من تقنيات كانت تكتشف تباعا من قبل مخترعين وعلماء، وما كان يمكن تعلم استخدامها بإتقان حرفي إلا بالتجربة. هذا يعني أن التجريب في السينما أساسه ومجاله الأول تقني بامتياز، وهو تجريب سابق بالضرورة على البحث الفني التعبيري مع الاعتراف بأنه ساعد على تحفيز الإبداع السينمائي الذي صار يهدف إلى استكشاف حلول فنية لقصص الأفلام ووسائل سرد وتعبير مبتكرة وملائمة لخاصية السينما، وصولا إلى ما بات يطلق عليه بعض المنظرين تسمية” لغة السينما”. وهذا النوع من البحث لا علاقة له بالرغبة بالتجريب، بل له علاقة بالاتجاهات والمدارس الفنية التي بدأت تظهر في الأفلام بعد العقد الثاني من ولادة السينما تقريبا متأثرة بما رسخ سابقا نتيجة تطور تاريخي متصل، وما صار ينشأ في ذلك الزمن في عالم الأدب والمسرح والفن التشكيلي من مدارس واتجاهات نتيجة مواقف أيديولوجية وفلسفية ومفاهيم فكرية وفنية من الفن وعلاقته بمادته وبالواقع الذي يعبر عنه، لهذا تسمت هذه المدارس والاتجاهات السينمائية، مثلها مثل المدارس والاتجاهات الفنية والأدبية الأخرى، بأسماء تعبر عنها وعن مضامينها: تعبيرية، واقعية، سريالية، ولم يعتبرها أو يسمها أحد أفلاما تجريبية، باستثناء الأفلام القصيرة التي كان يصنعها في العقدين الأولين من عمر السينما خاصة فنانون غير سينمائيين، فنانون تشكيليون مثلا، حققوا أعمالا تشكيلية متحركة لا بالريشة أو على قماش اللوحة، بل بواسطة الكاميرا السينمائية أو بالرسم على شريط الفيلم مباشرة، وهذه الأفلام كانت نتاج حركة الأفانغارد التي ظهرت في أوروبا في بدايات القرن العشرين واستمر تأثرها حتى أيامنا الحالية من قبل فنانين معاصرين كانت ولا تزال تنتج خارج نظام صناعة السينما.

بعد أن تجمعت خبرات كثيرة في مجال صناعة الأفلام رسخت و استخدمت فيها وسائل تعبير عديدة لا تحصى، ضمن أساليب فنية متنوعة بعضها ينتمي لمدارس واتجاهات فنية وفكرية وبعضها الآخر يعكس شخصية إبداعية لمخرجين متميزين، بحيث يمكن الظن بأنه ما عاد سهلا ابتكار وسائل تعبير جديدة مميزة تضاف إلى مخزون وسائل التعبير التي تراكمت عبر أكثر من قرن على عمر السينما، ثم انه ضخت دماء جديدة في عروق صناعة الأفلام وكان ذلك نتيجة انتشار التقنيات الرقمية الجديدة، التي فسحت المجال أمام إمكانية الجمع، داخل الفيلم الواحد، بين الأجناس السينمائية المختلفة فصار الفيلم ككل، وحتى داخل المشاهد المفردة، يجمع ما بين الروائي والتسجيلي والرسوم المتحركة، وما بين الواقع الحي والواقع والافتراضي في وحدة متجانسة، كما فسحت المجال أمام إنجاز مؤثرات بصرية وسمعية تلبي أغرب شطحات الخيال، وهذا كله وضع بين أيدي السينمائيين المحترفين، كما بين الهواة أو الراغبين في خوض هذا المجال من دون خبرة سابقة، إذ بات تعلم استخدام هذه التقنيات من قبل عامة الناس المهتمين أمرا سهلا، إمكانيات يسيرة الاستخدام لدرجة أنها لا تحتاج لجهود جماعية، كما هو الأمر في صناعة الأفلام، ولا تحتاج لربط إنتاج هذه الأفلام بمستحقات سوق العرض والتوزيع التجاري.
نتيجة هذا كله بدأت تُصنع أفلام، قصيرة أو طويلة، من قبل الهواة المفتونين بالتقنيات وما توفره لهم من إمكانيات يجربون من خلالها مهاراتهم التقنية، دون أن تتمتع هذه الأفلام بالنضج الكافي خاصة من ناحية تكوين الفيلم ككل وبنائه الدرامي إضافة إلى القيمة الفكرية أو عمق المضمون، وهذا يعني أن هذا النوع من الأفلام بحاجة للبحث عن تبريرات تضفي على وجوده وعلى ما يتوفر فيه من ضعف أو ركاكة الشرعية المطلوبة، وهكذا برز وظهر إلى العلن الحديث عن السينما التجريبية الذي يصنف هذه الأفلام كنوع سينمائي مستقل، يختلف بطبيعة الحال عن الأفلام التي ينجزها فنانون طليعيون، علما بأن التجريب حالة يمكن أن توجد أثناء العمل على الفيلم، أما الفيلم المنجز بحد ذاته فيجب طرحة كنتيجة نهائية للتجريب وليس كتجربة لم تصل إلى قرار.
لكن، وبغض النظر عن مستوى جودة هذا النوع من الأفلام التي تسمى تجريبية من الناحية الحرفية أو قيمة إنجازها الفني، فإن المصطلح بحد ذاته يظل ذو طبيعة هلامية عصية على التعريف الدقيق.