“كان اسمه حمزة بكور” لداني أبو لوح

رهان “اللغة” على الصورة المخفيّة
درويش درويش

يقسم “داني أبو لوح” الكادر السينمائي في فيلمه “كان اسمه حمزة بكور” إلى قسمين، القسم الأعلى ما تبقى من وجه حمزة بكور، الطفل الذي أطاحت بنصف وجهه الأسفل قذيفة من قذائف كثيرة دمرت حي “بابا عمر” الحمصي. والقسم الآخر من الكادر هو ما يفترض أنه يكمل “الصورة”، وهوَ المتغير، حسب اقتراحات تخيلها المخرج واصطفاها تقديره ورؤيته من خيارات لا نهائية، لرسم خطته السينمائية.
يطلق “أبو لوح” بدوره؛ “قذيفته”، مجموعةَ الاقتراحات “المكملة، بعد مقدمة مكتوبة تشرح حالة “حمزة” وإصابته، وغياب جزء الصورة/الوجه السفلي. بدايةً بفم امرأةٍ تضع أحمر الشفاه مستخدمة قلم التجميل المحدد إطار الفم “الكونتور” وتتابع “تلوين” الشفتين بقلم الحمرة. ثم “تتدفق” اللقطات “المتممة”، وجوه وحالات أخرى عديدة، ولن تكون “بداية أحمر الشفاه” دون بعدٍ دلالي أوسع، كما سيكتشف المتابع في نهاية الفيلم.
يدخلنا “داني” في لعبته مباشرة وقد أدركنا أننا أمام قصة مكشوفة لنا ونعرفها، قصة حمزة وما جرى له، والقصة الأكبر التي تشمل الأولى: الثورة السورية. إنَّ هذه المعرفة المسبقة، المؤكَدة والموثّقة بالمقدمة المكتوبة في استهلال الفيلم؛ هوَ ما سوف تجبرنا لعبة المخرج على البناء عليه، كما سيبني هو ذاته أسلوبه واستراتيجيته السينمائية.
يحرص المخرج هنا، ومن خلال أدواته الأساسية المعتمدة بشكل “شبه كلي” على تقنيات المونتاج وميكساج الصوت، على تبني وترسيخ ما يمكن أن نطلق عليه مفهوم “التركيب” بأن تتالى اللقطات وراء بعضها، و “فوق بعضها”، بما يعزز فكرة البناء المشار إليها أعلاه، على مستوى الشكل والمضمون معاً.
هكذا نتابع، وبالربط مع مجمل الكادر، “حمزة بكور” متعدد ومتغيّر، بمقدار ما تتعدد وتتغيّر النماذج البشرية المرصودة؛ المتجمّل، والضاحك، العابس، والساخر، الغريب، والطبيعي… يرافق ذلك سماعنا لأصوات مختارة بعناية، جلبة خفيفة لأناس مجتمعين في البداية، تبقى “كخلفية” لمجموعة أصوات أخرى تقتحم أسماعنا تباعاً حتى منتصف زمن الفيلم تقريباً، صوت “ابتلاع الريق”، صوت التصاق الشفتين ببعضهما وافتراقهما، الصفير، الضحك، صرخة، ثرثرة، تجشؤ… إلى أن تصدر إشارة صوتية تؤذن بالنقلة إلى الجزء الثاني من الفيلم: “هش” يليها صمت، لحظات الصمت الوحيدة في الفيلم، تعرض فيها لقطة لقبلة بين فمين؛ لكن الجزء العلوي لا يغيّب، النصف الأعلى من وجه حمزة بكور “المدمى”.
بعد هذا “الفاصل” المحوري، بين القسم الأول من الفيلم المحتوي على العديد من النماذج لأناس عاديين غير معروفين، يكملون الصورة، والقسم الثاني؛ ينقلنا “أبو لوح” إلى عتبة جديدة و”بداية” جديدة. على مستوى الصوت: نبدأ بسماع نقرات بيانو خفيفة سترافق مغنية الأوبرا “المتممة” أيضاً “للصورة”، والتي ستتجسد مع صوتها، وهذا بدوره، سيصبح وصوت البيانو الخلفية الجديدة، مع استمرار “تراكب” اللقطات. ولكن هنا، سيسرب المخرج بين ما يعرضه من صور ولقطات، نماذج معروفة وشهيرة، ولوحات شهيرة، كلوحة الموناليزا مثلاً ولكن بالطبع، بدون الجزء الأعلى من وجهها، سنرى أيضاً، صورة هتلر “المكملة” بشاربيه المعروفين، الدالاي لاما، سنرى تفاحة مكان الفم تُقضم دونما “قاضم”، مع المؤثر الصوتي الموحي، سنرى “آل باتشينو” بصرخته الصامتة، ثم تصبح لوحة “الصرخة” الشهيرة مكملاً لاحتمالات “حمزة بكور”، مارلين مونرو أيضاً… كل ذلك وأكثر، مع خلفية موسيقى وصوت مغنية الأوبرا.
إن ما عاناه وعي المتلقي وإحساسه هنا، على مدى دقائق الفيلم الخمسة بكثافتها، هوَ بالضبط، ذاك التمرين “الإنساني”، المباشر والعميق في آن، إعادة تركيب الصورة “الإنسانية”، بالمعنى الواسع للكلمة. كان لزاماً علينا أن نرى الجزء الأعلى من الصورة، وهوَ بالفعل الجزء المتبقي من وجه “حمزة” في “الواقع”، وفق أشكال متبدلة تشمل “جميع” احتمالات ما يمكن أن يكون عليه قسم الوجه السفلي، ما يمكن للإنسان أن يكونه… حتى من منظور المخيلة. من جهة أخرى، يتجاوز هذا “العرض” بأبعاده الدلالية فكرة لعبة الاحتمالات تلك، ليضعنا على سكة: سبب/ نتيجة، وهو ما قد توحي اللقطة الأخيرة به، إذ لا ننسى أن الفيلم أيضاً، يضع “حمزة” في طرف وفي المقابل: كل من لا يزالون يمتلكون وجوهاً “طبيعية”.
إن كل تلك الاحتمالات؛ بسعادتها وحزنها، بصراخها وضحكها، ألمها وصمتها، لم “ترقَ”، ولم تقارب حتى، لا معقولية “الواقعي” هنا، المتجسد بكثافة في جزء الصورة “المخفي”. إن “الصورة” السينمائية لتجربة داني أبو لوح تكتمل في النهاية بأن تعود “واضعة الحمرة” لتتابع مهمتها، متجاوزة إطار الفم الخارجي “المحدَّد” ولتنشر اللون الأحمر خارج الشفتين ملطخةً الوجه بلون الدم، وتثبت، لتشكل مع “مكملها” أقرب التكوينات للصورة التي نعرفها لمن “كان اسمه حمزة بكور”.


إعلان