الفيلم الوثائقي الاستقصائي
عدنان حسين أحمد
على مدى عقدٍ من السنوات أو يزيد تمكنت المخرجة الباكستانية شرمين عبيد چـنائي من تأسيس تجربتها السينمائية بشكل رصين. فلقد لجأت منذ بداية مشوارها الفني إلى الفيلم الوثائقي الاستقصائي الذي يحتاج إلى موضوعات حساسة تلامس العاطفة الإنسانية، وتستفزها، وتضعها في مواجهة أسئلة معقدة في كثير من الأحيان. كما يحتاج الفيلم الاستقصائي إلى رؤية فنية حاذقة تؤثر في المتلقي، وربما تقلب حياته رأساً على في بعض الأحيان. ولتأكيد صحة ما نذهب إليه نقول إن المخرجة شرمين عبيد تمتلك منْجماً كبيراً من الموضوعات العميقة والثيمات الحساسة التي تعالجها غالباً بطرق جديدة أو غير مألوفة، ومن بين هذه الموضوعات نذكر تعليم الفتيات، والعنف الأسري، وممارسة الدعارة، وتجنيد الأطفال، والصراع الطائفي، والهجرة غير الشرعية، وارتفاع معدل الجريمة والبطالة وما إلى ذلك.
لابد من الإشارة إلى أن شرمين عبيد هي صحفية ومخرجة سينمائية تجمع بين الرغبة الدائمة في البحث والاستقصاء من جهة، وفي تقديم خطاب بصري جاد يهدف إلى تحفيز المُشاهد وإثارته كي يصبح عنصراً فاعلاً في آلية التلّقي والاستقبال من جهة أخرى.
التجنيد الإجباري
ففي فيلمها الأول “أطفال الإرهاب” الذي تبلغ مدته 45 دقيقة تقوم المخرجة برحلة شخصية تستمر لمدة عشرة أسابيع تتابع خلالها حياة ثمانية أطفال أفغانيين لاجئين في مدينة كراتشي يواجهون لوحدهم خطر الجوع والمرض والأمية والعبودية والتجنيد الإجباري حيث توفر لهم المدارس الإسلامية المتشددة المأكل والملبس والمأوى مقابل ولائهم المطلق للقائمين على هذه المدارس الدينية التي تحض على العنف والإرهاب. لا تكتفي المخرجة بهذا الموضوع الحساس وإنما تسلط الضوء على بعض الأطفال الأفغانيين الذين يقيمون بطريقة غير شرعية في الباكستان، ويعيشون بالقرب من “مكبّات” النفايات التي ينبشونها ليل نهار بحثاً عن كل ما يمكن بيعه بأثمان زهيدة تؤمِّن لهم هاجس البقاء على قيد الحياة.
لا يختلف فيلم “إعادة اختراع طالبان” عن الفيلم السابق من الرؤية والمضمون لكنه يعالج من وجهة نظر شخصية قوة الحضور الطالباني في المجتمع الباكستاني ودور المنظمات الإسلامية المتطرفة في المناطق التي تسيطر عليها، وبالذات في شمال غرب الباكستان التي تعتبر القلعة الحصينة للعقلية الطالبانية المهيمنة على تفكير شرائح واسعة من المجتمعين الباكستاني والأفغاني على حد سواء. كما تعالج المخرجة في هذا الفليلم موضوعات ثانوية من قبيل اضطهاد المرأة، والحريات المدنية المحدودة، إضافة إلى الآراء والأفكار المناهضة للسياسات الأميركية في المنطقة.
لا تكتفي شرمين عبيد بتناول الموضوعات التي تخص بلدها الباكستان، أو حتى جيرانها مثل الهند وأفغانستان وإيران، بل تتعداهما إلى المملكة العربية السعودية والعراق وسواهما من بلدان العالم الأخرى. ففي فيلم “نساء المملكة المقدسة” تضع شرمين عبيد المملكة العربية السعودية نُصب عينيها لترصد بعض الإشكالات التي تعاني منها المرأة السعودية التي تعتقد أنها مقموعة لأنها لا تستطيع أن تسافر من دون محْرم، أو تعمل أو تدرس من دون حراسة الرجل ورقابته المشددة عليها.
رصدت شرمين عبيد في فيلمها الوثائقي القصير الذي يحمل عنوان “Cold comfort” الذي تبلغ مدته “21” دقيقة كارثة الزلزال الذي ضرب عدداً من القرى الباكستانية والهندية والكشميرية الواقعة ضمن سلسلة جبال الهملايا وسوّاها مع الأرض في 8 أكتوبر 2005، إذ بلغت قوة الزلال 7.6 درجة بمقياس رختر حيث ارتفع عدد الضحايا إلى 87.000 نسمة فيما بلغ عدد الناس المشرّدين أكثر من ثلاثة ملايين مواطن يعيشون في العراء من دون سقوف تأويهم. إن ما يلفت الانتباه في هذا الفيلم هو قدرة شرمين في تأمين كل ما تحتاجه لإنجاز فيلمها الوثائقي بما في ذلك الحصول على طائرة مروحية أقلّتها إلى مدينة “بلاكوت”، التي تعتبر بؤرة للزلزال الذي ضرب هذه القرى المنكوبة وأحالها إلى حُطام. كما صحبتنا المخرجة في هذا الفيلم إلى خِيم النساء اللواتي فقدن أطفالهن وأزواجهن في الهزة الأرضية وإلى العيادات المؤقتة التي تغص بالمرضى الذين يعالجون بالأدوية وببعض الخرافات الدينية المهيمنة على عقول الناس في تلك المضارب الغامضة.
الاختزال والتكثيف
تميل شرمين عبيد إلى اخترال القصص السينمائية وتكثيفتها إلى درجة تثير الدهشة والإعجاب ففي فيلم “على حافة الموسى” الذي لا تزيد مدته عن “24” دقيقة تختصر فيها قصة النزاع الهندي الباكستاني الذي استمر لأكثر من خمسين عاماً وهو يغلي تحت السطح. وبعد خمسة عقود من النزاع والحرب الباردة بين الطرفين صار بإمكان شرمين أن تستقل “قطار السلام” وتسافر من الهند إلى بلدها الباكستان لترى ردود الأفعال للمحاولات الحذرة لتسوية الخلافات بين البلدين المتنازعين. تصف شرمين الباكستان بأنه “بلد الأسرار والتناقضات التي تبرز من ماضيها القريب قبل 11 سبتمبر عندما كان المؤازر الرئيسي لحركة طالبان، ولكنها كانت تعرف أيضاً أن بلدها “قد قرر أن يكون جزءاً من العالم الحديث” لكنه وجد نفسه على مفترق طرق خطير.
تحظى أفغانستان بلداً وشعباً باهتمام كبير من لدن المخرجة شرمين عبيد التي أنجزت فيلماً يحمل عنوان “رفع النقاب” الذي بثته الـ “CNN” حيث قامت المخرجة بزيارة إلى أفغانستان لترى بأم عينيها التغييرات التي طرأت على النساء في أفغانستان بعد خمس سنوات من الغزو الأميركي ودول التحالف وحاولت المخرجة التحقق بنفسها إن كانت المرأة الأفغانية قد تحررت فعلاً كما يزعم الرئيس بوش. تبدأ المخرجة رحلتها من العاصمة كابول، المدينة الملأى بمولات التسوق وقصور تجار الحروب، إلى هيرات على الحدود الإيرانية حيث ترتفع بطريقة مروِّعة نسبة انتحار النساء.
قفزت شرمين من أقصى الشرق لتحطّ رحالها في أقصى الغرب حيث وقع اختيارها على كندا هذه المرة فأسمت فيلمها الجديد “طريق الدموع” الذي سلّطت فيه الضوء خلال “24” دقيقة فقط على النساء اللواتي يضعن في هذا الطريق. فخلال العقود الثلاثة الأخيرة فقدت “32” إمرأة من المواطنين الأصليين لكندا ولم يعثروا على واحدة منهن الأمر الذي دفع السكان الأصليين للقول بأن الشرطة الكندية مقصرة جداً تجاههم، وأنهم يشعرون بالتمييز العنصري ويعاملون كمواطنين من الدرجة الثانية.
تقف شرمين ضد ذوبان الجاليات في المجتمع السويدي المرفّه، لكنها لا تمانع من الإندماج أو التكافل الذي يحافظ على هُويات اللاجئين وثقافاتهم وعاداتها وتقاليدهم الاجتماعية. ففي فيلم “الذوبان كلا، الاندماج نعم” تستكشف شرمين التوتر الذي يغلي بهدوء تحت سطح التوترات الخفية بين المهاجرين المسلمين والمواطنين السويديين حيث تتجه هذه المرة إلى مدينة مالمو السويدية لترى كيف أن المهاجرين الإيرانيين يكافحون من أجل قبولهم في المجتمع السويدي المتحضر.
ركوب المخاطر
ثمة أفلام أخرى مهمة لا يمكننا الوقوف عندها بالتفصيل مثل “الأبارتهايد الجديد” التي يتمحور على موضوع الهجرة غير الشرعية من زيمبابوي إلى البلدان المجاوزة بسبب الأزمة الاقتصادية التي سببها الرئيس موغابي بحيث أصبح تحصيل الرزق الحلال أمراً مستحيلا. تقوم شرمين في هذا الفيلم بمجازفة كبيرة حينما تقرر السفر من الحدود الزيمبابوية إلى أخطر أحياء جوهانسبيرغ كي تتقصى الحقيقة بنفسها فليس الخبر كالمعاينة، ويبدو أن سرّ نجاح بعض الوثائقيات يعود إلى شجاعة المخرج وأفراد طاقمه الفني.
لابد من الوقوف سريعاً عند فيلم “إنقاذ وجه” الذي حصلت على جائزة الأوسكار مناصفة مع المخرج دانييل يونغي. يعالج هذا الفيلم قصة الطبيب البريطاني محمد جواد الذي يتطوع للقيام بعمليات تجميل أو ترميم للنساء اللواتي تعرضن للعنف الأسري المتمثل برش الأحماض الكاوية على وجوه النساء بغية تشويه معالمهن. أما الفيلم الأخير الذي أثار إعجاب كل من رآه فهو فيلم “حُميرة: صائدة الحلم” وهي الشابة التي علّمت أكثر “1200” طفلاً باكستانيا بأجور رمزية لا تتعدى روبية في اليوم الواحد.
بعد هذه الرحلة الطويلة لشرمين عبيد مع الفيلم الوثائقي الاستقصائي أنجزت مؤخراً فيلما تحريكيا يحمل عنوان “الشجعان الثلاثة” الذين يقاتلون أحد الأوغاد المزعجين مع ثلة من قطاع الطرق. لقد سعت المخرجة في هذا الفيلم أن تقدّم شخصيات تشبه الأطفال الباكستانيين، وأن تتحدث مثلهم على الشاشة الكبيرة التي تنطوي على سحر خاص وجاذبية معروفة لدى عامة الناس.
بقي أن نقول إن شرمين عبيد قد حصلت على جوائز عديدة بينها الأوسكار والأيمي واللوكس ستايل إضافة إلى جائزة “ميدالية الامتياز” التي قلّدها إيّاها الرئيس الباكستاني تثميناً لجهودها الإبداعية الكبيرة في ميداني الصحافة والسينما الوثائقية، وما حققته من سمعة عالمية طيبة للباكستان.