مهرجان كارلوفي فاري : التقاليد العريقة تترك أثرها

كارلوفي  فاري ـ قيس قاسم
 
في كل دورة من دوراته ال49 يعاد النقاش حول قدرته المدهشة على التوازن بين سينمتين: الشرق والغرب، وكيف ظل مخلصاً لتوجهه السينمائي الصرف الذي أراد به تجنب الخوض في حربٍ باردة نشبت بين الجهتين منذ بداية مسيرته، تقريباً، ولكنه ومع أكثر فتراتها شدة ظل محافظاً على توازن سيره  فوق حبل رفيع مشدود يوصل طرفه، في   نهاية المطاف الى بوابات السينما، ومن هذا اليقين أكتسب مهرجان كارلوفي فاري معناه كمهرجان منحاز الى عالم سابع لا مساس له بالعالم الأرضي إلا بحدود ذلك الفن وبهذه الروحية أستمر ومع مرور الوقت تراكمت خبراته وصارت التقاليد التي رسخها درعه الواقي لصد صدامات وحروب سياسية أرادت تغيير مساره لكنه ظل متامسكا وها هو يقترب من الخمسين معافى يتغنى بقدرته على جمع سينمات قارة أوربية كاملة، وبعد سنوات من الراحة تجاوز حدودها لينفتح على عوالم أكثر اتساعاً فأستحق تصنيفه كمهرجان عالمي  من فئة “أ” الراقية.

وكما يقال “حتى القمر فيه مثلبة” ظلت ثمة عقدة فنية عصية لم يتمكن المهرجان من تجاوزها في مسابقته الرسمية طيلة تلك السنوات، تمثلت؛ في أدراجه أفلاماً من  تشكيا وبقية شرق أوربا هي ليست بمستوى أفلامه المنقاة من مهرجانات أوربية كبيرة مثل: كان، برلين وفينيسيا والتي يدرجها عادة في خانات آخرى غير المسابقة، فتبرز معها فروقاً كبيرة بين المستويين، ووفق هذه الحقيقة يصبح منتج الضفة الشرقية السنوي صاحب الكلمة  الفصل فهو من يحدد قوة المسابقة أو ضعفها ولا حيلة لمنظمي الدورات في تجاوز هذه العقدة، كما  ظهر هذا بوضوح في مسابقتها الرسمية لهذا العام والتي أتسمت بالتواضع فعدد الأفلام الفوق جيدة فيها قليل، وبكلام أدق: كان الفرق بين أفضل أفلامها، وهي قلة، والبقية شاسعاً ما يوحي بحالة من فقدان المنافسة وبالتالي يصعب مهمة لجنة التحكيم التي ستجد نفسها مضطرة لملأ فراغات الجوائز كيفما أتفق أتماماً لمهمتها التي ينبغي أنجازها بما توفر لديها من أفلام.
كما أعلن في برنامجه لهذا العام توجه المهرجان نحو الكوميديا والأبتعاد قدر المستطاع عن العنف والسوداوية فراح   مبرمجوه يجمعون ما توفر من أفلام لتحقيق رغبة صادقة ومعبرة ضمناً عن أمنيات الناس في كل مكان، فقد ملَّت البشرية الصراعات والحروب وتريد أن تجد لها منفذاً للفرح، والسينما قادرة على توفيرها لدقائق معدودات، وبأساليبها الخاصة المراوغة والصادمة أحياناً كما في فيلم الصربي داركو لونغولوف “نصب تذكاري لمايكل جاكسون”. من علاقة زوجية مهددة بالإنتهاء ومحاولة الزوج أعادة الروح اليها دخل الفيلم صربيا اليوم ليقدم رؤية نقدية لواقعها بعد سنوات من الحرب الأهلية الطاحنة بأسلوب كوميدي مُظََلل بسوداوية خفيفة. لم يرجع الى سنوات الحرب بل الى مخلفاتها النفسية وكيف أضحت الحياة جافة وعسيرة بحاجة الى أعادة تأهيل بأي شكل كان حتى لو بالتحايل أو بأبتكار أفكار خيالية تعيد النشاط وتكسر حالة الركود العام وفي حالة حلاق المدينة الصغيرة الذي وجد نفسه مهدداً بفقدان أعز ما تبقى عنده من الدنيا: زوجته التي يحبها ولا يريد خسارتها. في جو عرفناه في أفلام يوغوسلافية سابقة تجري تفاصيلها في مدن صغيرة، يتحرك حلاق المدينة من أجل تنفيذ مشروعه الخيالي مستغلاً أخباراً سربها عن زيارة محتملة في عام  2009 للمغني الشهير مايكل جاكسون لمدينتهم، لهذا أقترح على مسؤولي البلدية أستبدال نصب قديم وسط المدينة يعود الى الزمن الشيوعي بآخر جديد للمغني الأمريكي يستقطب من خلاله السواح لزيارة المدينة وبالتالي تحريك النشاط الأقتصادي فيها. أراد من مشروعه الحصول على فرصة ثانية لإعادة علاقته بزوجته المبتعدة عنه. محاولته لأنقاذ نفسه ومدينته من الوحدة والنسيان أجبرته للرجوع الى الماضي يوم كانت يوغسلافيا دولة قوية وأحدى مظاهر قوتها وجود مطار عسكري لها في المدينة الصغيرة. لم يعد المطار صالحاً للعمل، بعد قصفه، لكن مساعي الحلاق ومشروعه أحيى الحركة فيه فمايكل جاكسون سيأتي الى المدينة في يوم أفتتاح نصبه التذكاري بطائرة هليكوبتر ولا بد من مطار لهبوطها. بحصافة أخراجية لافتة يرمم لوغولوف ما تبقى من بلاده بروح كوميدية ساخرة تظل حاضرة حتى بعد مقتل الحلاق على أيدي المتطرفين اليميين الجدد. بمقتله يضع البلاد وأهلها أمام حقيقة ما تواجههم اليوم من مخاطر تتجاوز الحرب الأهلية الى: موت أمة.

في مقاربة مع فكرة الفيلم الصربي يعالج التشيكي رودلوف هافليك في “غداً سيكون أفضل” ظواهر جديدة صاحبت الأنتقال الرأسمالي للبلاد ليدخل ضمن الأفلام التي تريد الحديث عن الذات بصوت سينمائي مرتفع وهي ظاهرة بدأت ملامحها السينمائية بالتبلور وتتلخص مضامينها الفكرية في رغبة جيل كبير من التشيك وغيرها من البلدان التي أنتقلت من الشيوعية الى مرحلة أقتصادية اجتماعة جديدة رافقتها تغييرات نفسيية وأخلاقية ـ رغبة كثر من مبدعيها في التفكير بها والكلام عنها بحرية كنتاج موضوعي مرافق لحالة الديقراطية الجديدة شأنهم شأن الغربيين الذين سبقوهم الى ذلك. تمرين الحديث عن الذات شاق لأن أمتلاك أدواته اللغوية صعب وأصعب بكثير من التحولات السياسية نفسها كون الأولى تندرج في خانة التطور الروحي الثقافي أما الثانية  فهي الأسرع  وأقتصاد السوق وسيطرته “الخارقة” أبرز علامات تقدمها على غيرها من البنى. حكاية “غداً سيكون أفضل” عادية أهم ما فيها محاولة توصيف الإنسان التشكي بين مرحلتين بأسلوب فكاهي وظريف. رجل متوسط العمر يريد أن يصبح تاجراً يذهب الى دول آسيوية ليشتري بضائع رخيصة “تقليد” لأصلية غالية فيخسر تجارته كما يخسر علاقاته ويشعر بأحباط وشعور بالخيبة من أن كل ما يفعله ينتهي حتماً بالفشل. حالته مثل حالة المواطن الذي يريد مواكبة تحولات ما زال هو نفسه بعيداً عن الأنسجام الكلي معها. يعيد هافليك ذات الأسئلة الوجودية عن موضع الكائن في النظام الاجتماعي السياسي الذي يعيش فيه بأسلوب بسيط لا يصل الى الفلسفة والأفكار الكبيرة انما يذهب الى ما هو أبسط: الى تفاصيل الحياة العادية عبر تجربة رجل يريد التكامل مع ما يحيط فيه ومع كل فشله يآمل بأن يكون الغد أفضل له. حالة تشبه الى حد بعيد حالة المراهقة الرومانية التي تركتها والدتها مع  أخواتها وأخوانها الصغار لتعتني بهم بعد حصولها على عمل في ايطاليا. الوثائقي الروماني “حتى أغسطس” يقارب بدوره حالة رومانيا بعد سقوط تشاوسيسكو وأنفتاحها على الغرب بأثمان سجتلها المخرجة تيودورا أناميهايوفا بأسلوب رائع حين تركت كامرتها تصور حياة المراهقة مع أخوانها كما هي بكل تفاصيها ومن خلال ما ستجمعه عدستها ستتجسد الحالة النفسية للأطفال في ظل غياب الوالدين بحثاً عن حياة أفضل في ظل أرتفاع نسب البطالة والركود الأقتصادي في بلاد هي الأخرى لا تعرف ماذا ينتظرها في الغد.

على المستوى العربي هناك فيلم المخرج الكردي العراقي شوكت أمين كوركي “ذكريات منقوشة على الحجر” يراجع فيه مجازر عمليات الأنفال التي قام بها صدام حسين ضد الشعب الكردي عبر حكاية تدخل عن طريق السينما الى الماضي ومراجعته بعين مخرج ذكي، والى جانبه فيلم “تمبكتو” للموريتاني عبد الرحمن سيساكو الذي سبق وأن عرض في الدورة الأخيرة لمهرجان كانّ السينمائي. في المقابل هناك فيلمان مهمان في المسابقة وفرصهما للحصول على “كرة الكريستال الذهبية” قوية، وهما: “سقوط حر” للمجري جيورجي بالفي والشريط الرائع الجورجي الكازاخستاني المشترك “أرض الذرة” للمخرج  جورج أوفاشفيلي الذي يقترح مناقشة الصراع على أقليم أبخازيا وأستقلاله عن جمهورية جورجيا بمنظور انساني يعتبر الأرض كموروث طبيعي مشترك يستحق الصراع مع الطبيعة من أجلها مقابل التوافق على تقاسمها بين الناس دون حروب وصراعات دموية.


إعلان