الناقد السينمائي نجم فوق العادة!
أمير العمري
من النادر أن تتركز الأضواء حول ناقد سينمائي، من هؤلاء الذين وهبوا حياتهم لنقد وتحليل وعرض الأفلام، خصوصا عندما لا تكون ثقافة المجتمع قد بلغت بعد مستوى يسمح للناقد السينمائي بالتأثير في أذواق الجمهور، أي يلعب دورا فيما يجب أن يشاهده أو ما لا يشاهده، يشير للمشاهدين أيضا ويكشف لهم عن مناطق الجمال في العمل السينمائي أو جوانب النقص.
وربما كان الناقد السينمائي الأمريكي روجر إيبرت Roger Ebert الذي رحل عن عالمنا في العام الماضي (أبريل 2013) يعتبر استثناء خاصا في هذا المجال مع حفنة لا تزيد عن أصابع اليد الواحدة في الولايات المتحدة بوجه خاص، كانت تضم على سبيل المثال بولين كيل وفنسنت كانبي وأندرو ساريس. وجميعهم الآن قد رحلوا عن حياتنا. أما روجر إيبرت فقد قضى 46 عاما يعمل ناقدا سينمائيا لصحيفة “شيكاغو صن تايمز”، كما ظل يقدم برنامجا سينمائيا شهيرا في التليفزيون لمدة 35 عاما تحت أسماء مختلفة ومن إنتاج محطات مختلفة أيضا، ومع شركاء مختلفين، لكن أشهرهم وأبرزهم جميعا جين سيسكل Gene Seskil – ناقد صحيفة شيكاغو تريبيون، الذي استمر 24 عاما يقدم مع إيبرت ذلك البرنامج الأسبوعي الذي كان يستعرض الأفلام الجديدة من خلال مناقشة تدور بين الرجلين قد تصل إلى أقصى درجات الحدة والاتهامات المبتادلة والغضب ولكن في سياق كوميدي. وقد توفي سيسكل فجأة عام 1999 واتضح أنه كان يعاني من سرطان الدماغ.
كان إيبرت أول ناقد سينمائي يحصل على جائزة بوليتزر الرفيعة عن النقد السينمائي، كما كان الوحيد الذي حفر قالب لقدميه في طريق النجوم في هوليوود.
يستند الفيلم الوثائقي الطويل “الحياة نفسها” Life Itself (118 دقيقة) في كثير من جوانبه، إلى السيرة الذاتية التي تحمل العنوان نفسه لروجر إيبرت. والفيلم من إخراج ستيف جيمس Steve James وقد صوره خلال الأشهر الخمسة الأخيرة من حياة إيبرت. وكان الناقد الشهير قد أصيب عام 2002 بمرض سرطان الغدة الدرقية والغدد اللعابية واضطر لاجراء عملية جراحية لاستئصال الفك والغدد وأصبح بالتالي يرقد عاجزا عن الكلام وعن تناول الطعام والشراب. إلا أنه ظل حتى نهاية حياته، محتفظا بسلامة عقله وتفكيره وكان قادرا على الكتابة باستخدام جهاز الكومبيوتر المحمول الذي كان يستخدمه أيضا في التعبير عما يراه، فكانت وسيلة الاتصال بينه والمحيطين به، تتم عن طريق الكتابة.
يروي الفيلم جانبا من حياة إيبرت منذ أن كان طفلا إلى مرحلة الدراسة الجامعية حيث عرف العمل الصحفي من خلال مطبوعات الجامعة، إلى أن أصبح ناقدا سينمائيا في 1967 وكان أول فيلم كتب نقدا له هو فيلم “بوني وكلايد” لآرثر بن، ثم تحول بعد ذلك إلى ظاهرة ترتبط على نحو ما، بعالم صناعة السينما نفسها في الولايات المتحدة، أو نجما غير عادي.
يستخدم المخرج أسلوبا يجمع بين المقابلات المباشرة مع عدد من أصدقاء إيبرت وأقاربه وزملائه من نقاد السينما والصحفيين، أو المخرجين مثل مارتن سكورسيزي وايرول موريس ورامين بحراني (الذي أهداه إيبرت هدية- عبارة عن لعبة اللغز- كان قد حصل عليها كهدية من الممثلة لاورا ديرن، كانت قد حصلت عليها بدورها من الممثل والمخرج الشهير مؤسس مدرسة “ستديو الممثل” في نيويورك- لي ستراسبورج، وكانت في الأصل هدية قدمها هيتشكوك الى مارلين مونرو. وقد نصح إيبرت رامين بحراني (وهو مخرج أمريكي من اصل ايراني) بأن يهديها بدوره الى شخص آخر لكي تستمر الدورة!

ومن المقابلات المهمة التي تكشف الكثير حول شخصية وعمل ايبرت في الفيلم تلك التي أجراها المخرج ويستخدم أجزاء مقطعة منها عبر مسار فيلمه، مع مارلين إيجليتزن أرملة الناقد جين سيسكيل، الت يتتحدث عن العلاقة الحميمية بين الرجلين، وكيف تأثر غيبرت كثيرا بوافة صديقه ومنافسه، وكان يعتزم زيارته بعد ان علم بمرضه غلا أنه توفي قبل يومين من قيام إيبرت بزيارته. وهناك أيضا المقابلة مع تشاز Chaz زوجة إيبرت التي تزوجها عام 2002 وكان قد بلغ الستين من عمره، وهي من السود الأمريكيين، ولديها إبن وابنة من زواج سابق، وتروي ملابسات علاقتها بإيبرت وتطورها حتى طلب الزواج منها وموقف أسرته وأسرتها وخشيتها من نظرة مجتمع السود الامريكيين إليها لارتباطها برجل أبيض، وقد ظلت معه حتى آخر لحظة في حياته، تقوم على رعايته أثناء مرضه. وكان إيبرت- كما نرى في الكثير من المشاهد، عاجزا تماما ليس فقط عن الكلام، بل وعن الحركة بشكل طبيعي، وكان فمه مفتوحا طول الوقت، وكانوا يقومون بالتخلص من المخاط الذي يتجمع داخل بقايا حلقه نتيجة فقدان حركة اللسان والفك، عن طريق أنبوب شافط. وعلى الرغم من معاناة إيبرت التي لاشك فيها، إلا أنه كان يبدو سعيدا كثيرا بتصويره وهو على هذه الحالة، ولم يكن يكف عن اطلاق النكات، والاشارة بيده دلالة على رضائه عن عمل صديقه المخرج.
ويستخدم المخرج أيضا ممثلا يؤدي بالصوت دور إيبرت، سواء كقاريء من مذكراته أو مدونته الخاصة التي واصل الكتابة لها حتى النهاية ولاتزال تصدر حتى اليوم ويكتب لها أصدقاء إيبرت، أو كمعادل صوتي لإيبرت نفسه، يحل محله في الحديث مترجما ما يريد قوله، في حين نرى إيبرت أمامنا يهز رأسه أو يبتسم أو يشيح بوجهه وغير ذلك.
ومن أهم أجزء الفيلم تلك التي تضم لقطات متنوعة من الأرشيف المصور للبرامج العديدة التي ظهر فيها إيبرت، وخاصة البرنامج الاسبوعي الذي كان يقدمه ومشاجراته الطريفة مع زميله، أو تقديمه للأفلام ومناقشته لها، أو وهو يقف أمام الكاميرا يتحدث وينقل ويعلق من مهرجان كان السينمائي الذي كان يعتبره حدثا سنويا كبير على غرار نهائيات دورة كأس العالم لكرة القدم.
ومن الأجزاء المثيرة للجدل في الفيلم تلك التي تتعلق بدور إيبرت في صناعة السينما واقترابه من عالم النجوم وعلاقته بهم. فالرأي السائد يعتبره “شخصية عامة في مهنة خاصة”- كما يصفه الناقد السينمائي ديفيد إدلستين، ويقصد أنه كان ميالا إلى الظهور كثيرا رغم أن مهنة النقد هي أساسا مهنة أناس يعملون في الظل، أي وراء الأفلام. وخلاصة تلك النظرة أن الناقد يجب أن يترك بينه وبين عالم صناعة الأفلام نفسها مسافة ما، يصادق السينمائيين حقا، ولكن دون أن يسمح لنفسه بأن يصبح جزءا من عالمهم أو من الصناعة السينمائية نفسها، حتى يحافظ على مصداقيته. ولكن روجر إيبرت عبر ذلك الحاجز المفترض، بل وكتب السيناريو أيضا لواحد من أكثر الأفلام رداءة في تاريخ السينما الأمريكية وهو فيلم “ما وراء وادي العرائس” Beyond the Valley of the Dolls (1970) الذي نشاهد منه بعض المقاطع في فيلمنا هذا. وقيل إن إيبرت كان مفتونا بالممثلات اللاتي شاركن في هذا الفيلم الذي يمتليء بالمناظر العارية، وأنه كان راغبا أيضا في ارضاء صديقه مخرج الفيلم روس ماير!

وفي الفيلم بعض الشهادات حول ميول إيبرت الغريبة وجوانب ضعفه، خاصة فيما يتعلق بالنساء، فهناك من الشخصيات التي عرفته من يقول إنه كان يهوى المرأة القبيحة، أو كان يخالط المحترفات، كما يعترف إيبرت بأنه كان مدمنا للخمر لسنوات طويلة حتى أقلع عن الشراب نهائيا عام 1979، كما ظل ممتنعا عن الزواج بدعوى أنه لا يستطيع أن يتزوج قبل وفاة والدته لأنها لن ترضى قط عن اي امرأة يقع اختياره عليها!
ولعل من جوانب الضعف في الفيلم ميل مخرجه إلى تقديم “تحية” لصديقه الراحل، ولهذا السبب، يتغاضى عن التوازن المطلوب في فيلم يبحث بالضرورة في دور الناقد السينمائي وتأثيره، فالكثيرون يرون أن روجر إيبرت لم يرق- كناقد- إلى مستوى كثير من النقاد غيره، وأنه كان يميل أكثر إلى تلخيص قصص الأفلام مع كتابة بعض الانطباعات عليها، وليس تحليل الفيلم بشكل متعمق، أو الكتابة في الجوانب النظرية للسينما، كما أن شهرته الأساسية وتأثيره، لم تأت من الكتابة بل من التليفزيون الذي وهب له قسطا كبيرا من وقته، وكان دون شك، مغرما بالنجومية وحب الظهور، ولذلك كان حريصا على التقاط الكثير من الصور له مع النجوم، معتقدا- كما يعتقد البعض حتى من بين النقاد في العالم العربي- أن الناقد يجب ألا يقل في نجوميته عن نجوم السينما، وهو منطق خاطيء، فدور الناقد ثقافي تنويري، في حين أن دور النجم استعراضي أو أنه جزء من صناعة التسلية- كما يطقلون عليها في الولايات المتحدة، أو صناعة الصورة في أفضل الأحوال. وهو لا يستطيع الجمع بالضرورة بين العمل للسينما ونقد الأعمال السينمائية. لكن تتجاور في عالمنا الكثير من المتناقضات!