مهرجان أنطاليا الـ53.. سينما القضايا التركية وباقة من أفلام العالم

مثل بقية الأسئلة القلقة حول مصير الأوضاع في تركيا بعد الانقلاب العسكري الفاشل في شهر يوليو 2017، دار سؤال بين المعنيين بالسينما حول مصير الدورة 53 من مهرجان أنطاليا السينمائي، وما إذا كانت ستنعقد في موعدها؟

جاء الجواب إيجابا عبر الإعلان المبكر عن تاريخ انعقادها، في مؤتمر صحفي ذكر فيه منظموها تقريب موعدها، فبدلا من شهر نوفمبر/ تشرين الثاني كما هو معتاد، أصبح في 16 أكتوبر/ تشرين الأول، وكأنهم بذلك أرادوا إظهار جاهزية المهرجان واستمراره، كما منحوا الدورة هذا الشعار المبهج “نور السينما يشع من أنطاليا”، تلميحا للمدينة الساحلية الساحرة، حاضنة أحد أعرق المهرجانات السينمائية، وأيضا لقوة حضور السينما التركية عالميا.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

رائحة السياسة

لم يغب تأثير الانقلاب عن جو المهرجان كليا، فظهر في استحداث خانة “كسوف الشمس”، وقال عنها مدير المهرجان “أليف داغديفرين” في حوار مع صحيفة “ديلي صباح” بنسختها الإنجليزية: حاولنا فيها عرض أفلام عالجت موضوعات الديمقراطية وحقوق الإنسان، وسعت لتجسيد حياة الناس ومعاناتهم في ظل الانقلابات العسكرية، لا في تركيا وحدها، بل في بلدان أخرى، منها تشيلي والأرجنتين واليونان والبرازيل.

إعلان مهرجان أنطاليا السينمائي الدولي 53، المنعقد ما بين 16-23 أكتوبر/ تشرين الأول 2016

كما أعلن المهرجان استحداث خانة “ناس من لا مكان”، تزامنا مع موجات الهجرة التي يشهدها العالم اليوم، ولإغنائها زودت بأحدث الأفلام التي تناولت الحدث الآني، وأكثرها وثائقيات.

فمنها “نار على البحر” (Fuocoammare) للإيطالي “جيانفرنكو روزي” (2016)، الفائز بجائزة الدب الذهبي في برلين، وعدّه النقاد مرجعا للسينما المُعالجة، لموضوعات الهجرة.

لقطة من الفيلم التركي “أجنحة أبي” (Babamın Kanatları)، للمخرج “كيفانج سيزر” (2016)

ومنها فيلم “القافزون” (Les sauteurs) للمخرجين “أبو بكر سيديبي” و”موريتز سيبرت”، و”إستيفان فاغنر” (2016)، وقد تناولوا فيه أوضاع المهاجرين الأفارقة في أوروبا، ورحلاتهم المحفوفة بالخطر إليها.

شبابية متجددة

في مسعى المهرجان المستمر لتطوير السينما التركية، وبوصفه منصة لانطلاق أعمالها الجديدة إلى العالم، أسس منصة بعنوان “الفيلم غدا”، لإتاحة فرص أكبر للسينمائيين الشباب، لتوصيل أعمالهم إلى الأسواق السينمائية العالمية ومحطات التلفزيون.

كما أنه يدعم مشاريعهم ماليا، وفي هذا الجانب زاد المشرفون قيمة الجوائز الممنوحة للأعمال التركية الفائزة، تشجيعا لهم، وإشاعة لروح المنافسة بينهم.

ثم إن المهرجان يشهد توسعا ملحوظا، فقد أقام مركزا جديدا سماه “الهرم الزجاجي”، ليستوعب فيه نشاطاته ومكاتب إداراته، وفتح مجالا أوسع لجمهوره، حتى يقابلوا ضيوفهم ويلازموهم في العروض والندوات، من خلال مشروع جديد، سمي “طريق المهرجان”.

لقطة من الفيلم التركي “الغبار” (Toz)، للمخرجة “غوزدي كورال” (2016)، الذي يرصد آثار الحرب في أفغانستان

أما توجهه التنافسي هذا العام، فأراده شبابيا على مستوى التفكير والإنجاز، فاقترح على مسابقة هذا العام للأفلام التركية الروائية الطويلة أعمالا، جلها أعمال أولى أو ثانية في أحسن الأحوال لمخرجين شباب.

كان ذلك توافقا مع سعيه لرفد السينما الوطنية بدماء جديدة، وموضوعات غير معتادة، لاحظنا وجودها بين 12 فيلما، تنافست على جائزة “البرتقالة الذهبية”، وهي شعار المهرجان الرامزة لوفرتها في مقاطعة أنطاليا الجنوبية.

أفلام المجتمع التركي

على المستوى الاجتماعي، تبرز قضية المرأة والموقف منها بوضوح في أكثر الأفلام التركية، بوصفها مرآة فنية عاكسة للمجتمع، ويكفي أن نذكر أن نصف أفلام المسابقة أعمال أولى، تناولت بشكل ما العلاقات الأسرية التركية، واختارت ثلاثة أخرى الطفولة موضوعا لها.

ويكمن تميّز معالجة بعضها عن سابقاتها بجرأتها وحيوية طرحها، كما لمسنا بقوة في فيلم “تردد” (Tereddüt) للمخرجة “يشيم أوستا أوغلو”، المشارك في “أسبوع النقاد” في دورة كان 2016.

وليس بعيدا منه على المستوى الفني والفكري فيلم “حلم” (Dream) للمخرج “درويش زعيم” (2016)، الميال إلى استحضار النظرة الفلسفية في فيلمه، بشخصية المعلم المتناقض والمتنازع الميول، بين الانتماء إلى التاريخ والماضي، وبين رغبته في التلائم مع العصر.

لقطة من الفيلم التركي “تردد” (Tereddüt)، للمخرجة “يشيم أوستا أوغلو” (2016)

وقد عرضت المخرجة “غوزدي كورال” فيلمها الأول “الغبار” (Toz)، الذي أخرجته عام 2016، وقد غامرت فيه بالذهاب إلى أفغانستان، ثم اقترحت مقاربة مثيرة تسرد بها حكاية 3 إخوة، يمضون في رحلة عبر أراضي بلادهم، ليكتشفوا ما صنعت الحرب بها.

أما الممثل المحبوب “رضا سونمز”، فقد اقتحم عالم الإخراج أول مرة بفيلمه الطويل العنوان “لا تخبر أورهان باموق أني أستخدم روايته (الثلج) بفيلمي الذي صورت في كارس” (Orhan Pamuk’a Söylemeyin Kars’ta Çektigim Filmde Kar Romani Da Var).

وبذلك يجرب الوقوف خلف الكاميرا أول مرة في حياته الفنية، لينسج سينمائيا حكاية موسيقي يعاني من إصابات في عيونه، ويُقيِم في مدينة كارس، التي جرت فيها أحداث رواية “ثلج”، للكاتب “أورهان باموق”.

فيلم يفضح إسرائيل

على مستوى المسابقة الدولية للأفلام الروائية الطويلة، يلجأ المهرجان مثل بقية المهرجانات، التي تتغذى على عروض المهرجات الكبرى مثل برلين وكان والبندقية إلى تمييز نفسها عنها، بحزمة أفلام فيها خصوصية المكان والتجارب، ولم تستهلك بعد في المهرجانات، وقطعا ليست بالضرورة عروضا عالمية أولى.

فمن ذلك فيلم “مفرق 48” (Junction 48) للإسرائيلي “أودي آلوني” (2016) الفائز بجائزة الجمهور في برلين، وقد أثار ردود فعل قوية في إسرائيل، لقسوة كلامه وانتقاده الشديد لها أثناء تسلمه الجائزة، وكلها لا تبلغ مستوى تعريته للعنصرية فيها، وقساوة مؤسستها العسكرية في التعامل مع الفلسطيين، كما جاءت في منجزه.

ملصق فيلم “مفرق 48” (Junction 48)، للمخرج الإسرائيلي “أودي آلوني” (2016)

يدور الفيلم حول مغني راب فلسطيني، أراد إقناع صديقته بمشاركته تسجيل أغنيات وتقديمها في مناطق الـ48، لكنه لقي عنصرية بغيضة، وعانى كغيره من أبناء فلسطين من ممارسات قمعية، تمثلت في هدم بيوتهم وتهجيرهم منها. وقد تميز الفيلم على المستوى الفني بالحيوية والسخرية اللاذعة من إسرائيل وآلتها العسكرية.

تتنوع مصادر الأفلام ومستوياتها في المسابقة، لكن ما يميزها هذه المرة إشراك روائيات تركية، مما يزيد حدة المنافسة، ويشدد مراقبة النقاد على قرارت لجنتها، التي يترأسها المخرج “هيو هودسون”.

وسيعرض فيلم “التامارا” (Altamira) للمخرج “هيو هدسون” (2016) خارج المسابقة، ويستَعيد فيه حكاية مكتشف أقدم مغارة في التاريخ البشري بإسبانيا، ويحمل الفيلم اسمها. ومن أعضاء فريقه المخرجة الفلسطينية نجوى نجار، صاحبة “المر والرمان”، و”عيون الحرامية”.

ملصق الفيلم التركي “رؤوف” (Rauf)، للمخرجين “سونر جانر” و”باريس كايا” (2016)، ويدور في قرية جبلية كردية

أما فيلم “ملك البلجيك” (King of the Belgians) للمخرجين “بيتر بروسينز” و”جيسيكا وودوورث” (2016)، فيجمع الواقع بالخيال وينقل ملك البلاد إلى إسطنبول في رحلة ممتعة، ثم يصحو بعدها على واقعه ضمن حكاية شديدة الغرابة.

قضايا عربية

عربيا أيضا سيحظى جمهور أنطاليا بمشاهدة الفيلم اللبناني “فيلم كتير كبير” للمخرج مير جان بوشعيا (2015)، وأخرى ذات صلة بالموضوع العربي، منها “عاصفة رملية”، والوثائقي الإيراني “حدث ذات مرة في مراكش”.

ومنها أيضا فيلم “الرحلة الفرنسية” (Tour de France) للممثل المحتفى به الفرنسي الروسي “جيرارد ديبارديو”، ويقارب مخرجه رشيد جيداني حكاية جيلين مختلفين، وثقافتين تتقاربان في رحلة تقصي أثر الرسام الفرنسي “جوزيف فيرنت”.

ملصق الفيلم اللبناني “فيلم كتير كبير”، للمخرج مير جان بوشعيا (2015)

تعيد أفلامٌ قصيرة الموضوعَ السوري بقوة، ومن أكثرها مدعاة للاهتمام فيلم “لامورد” (Lamorde) للمخرج “أمير كربينال”، ويدور حول امرأة سورية تصل مع ابنها إلى تركيا، بعد فقدان زوجها في الحرب.

يلتقط المخرج قوة عزيمتها على الاستمرار في الحياة، وفي ذات الوقت يعكس من خلال علاقات الأتراك بها حجم الخراب والدمار الذي لحق بروحها وبلدها.

وفي هذا السياق يجدر الذكر أن مهرجان أنطاليا يدمج مسابقتي القصير والوثائقي معا، ليُوفر مساحة أكبر لعرضها، ويضمن استقبالا جماهيريا جيدا لها.

احتفاء بأسماء عريقة

على المستوى العالمي، تحتفي الدورة بمنجز الممثلة الفرنسية “أودري تاتو”، وسيعرض لها فيلمها الشهير “مصير أميلي بولان المذهل” (Le fabuleux destin d’Amélie Poulain)، الذي يُقرن اسمها على الدوام به، ويعده النقاد من أفضل الأفلام الأوروبية على مدى تاريخها، وقد أخرجه “جان بيير جينيه” عام 2001.

أما على المستوى الوطني، فسيُحتفى باسمين مهمين في السينما التركية، الأول الممثل “يلماز غرودا” الذي عُرف منذ أواخر الخمسينيات بمشاركته في فيلم “سيد الجبال التسعة” (Dokuz Dagin Efesi: Çakici Geliyor)، للمخرج “متين إركسان” (1958)، وأدى بعده أدوارا كثيرة، بعضها سيُقدم في أيام الدورة الحالية المنعقدة ما بين 16-23 أكتوبر الجاري 2016.

ملصق فيلم “سيد الجبال التسعة” (Dokuz Dagin Efesi: Çakici Geliyor)، للمخرج “متين إركسان” (1958)

يكتسب اسم “يلماز” معنى أكبر حين يقترن بإسهامه في تأسيس “الحركة الزرقاء”، وبفضلها صار أيقونة سينمائية، يتذكرها الأتراك كلما استعادوا ذكريات الفن السابع وإنجازاته فيه، على مدى أكثر من 6 عقود.

أما الاسم الثاني فهو “أمل ساين”، الممثلة المتألقة منذ السبعينيات، لا سيما في حقلي الموسيقى والغناء. يحضر عنوان أشهر أفلامها “ذكريات مريرة” (Aci Hatiralar) بقوة، كلما جرى الحديث عن أيام السينما الراقصة، وهو من إخراج “إيراج قادري” و”عاطف يلماز” (1977). وسيتجسد الاحتفاء بها بعروض وجوائز.

باقة من مختارات السينما العالمية

يحرص مهرجان أنطاليا على تقديم أهم ما هو معروض في العالم، ولا يُفوت الأفلام الفائزة بأكبر الجوائز، لذا ستتاح فرصة نادرة لجمهور المدينة المستضيفة، ليشاهدوا تحفا فنية، منها:

  • “أنا، دانيال بليك” (I, Daniel Blake) للمخرج البريطاني “كين لوتش” (2016)، الفائز بالسعفة الذهبية.
  • “نيرودا” (Neruda) للمخرج التشيلي “بابلو لارين” (2016).
  • الوثائقي الأمريكي “أيام صفر” (Zero Days)، للمخرج “أليكس غيبني” (2016).
  • “إنها نهاية العالم” (Juste la fin du monde)، للمخرج الكندي “خافيير دولان” (2016).
وعشرات غيرها من الأفلام، مما يجعل مهرجان أنطاليا بحق واحدا من أهم المهرجانات العالمية، على مستوى العروض والمشاركات والتنظيم.

إعلان