“الروشي نوار” .. تساؤلات عن أول رئيس للجزائر

عبد الرحمن فارس أول رئيس للجزائر المستقلة

عبد الكريم قادري

بعد الانتهاء من عرض الفيلم الوثائقي “الروشي نوار” 2015، للمخرج شريف عقون، سأل الصحفي المخرج عن الاتهامات التي كانت موجهّة لعبد الرحمن فارس، وهي الشخصية المحورية في الفيلم، فكان رد شريف عقون بعد رسم ضحكة على شفاهه “متهم باستقلالية فكره، وعمله، وقناعاته، ومبادئه، ووطنيته التي لم يضعها تحت تصرف أي شخصية أخرى في العالم، هو صاحب هيبة قوية، يصعب على الخائنين الحقيقيين ترويضه، مشكلته أنه يتخذ قرارات فردية، وهو ما دفع “الأفلان” – حزب جبهة التحرير الوطني الجزائري –  إلى إلحاق الدكتور مصطفاي إلى جانبه، وهو سبب الخلافات بين الزعيمين، في الحقيقة “الأفلان” لم يكن يثق في فارس…”

هذه الفقرة تختصر مضمون هذا الفيلم وتختزله، وتلقي بظلالها المتعددة على متنه، حيث ذهب من خلاله المخرج عقون إلى فترة مهمة ومحورية من تاريخ الجزائر الثوري، وعالج أحداثا يصعب الوصول إليها، كانت في الماضي من بين التابوهات التي يمنع تناولها أو حتى التطرق لها، بحكم أنها تطرح أسئلة يمكن أن تؤثر على جزائر اليوم بشكل أو بآخر، ناهيك على أن الكثير من رجالات الثورة لا يزالون على قيد الحياة، وبالتالي يمكن أن يشكلوا مشكلة إذا ما نُقلت تلك الأحداث بما يُعاكس توجههم أو قناعاتهم أو رؤيتهم الخاصة، لهذا يتم التعامل مع هذه الأعمال بحذر شديد.

توجهت الجزائر خلال السنوات الـ13 الأخيرة، إلى إنتاج الأفلام الثورية، سواء الخيالية أو الوثائقية/التسجيلية، عن طريق العديد من الهيئات والمؤسسات، من بينها وزارتي المجاهدين “المحاربين القُدامي”، أو الثقافة، بالإضافة إلى مؤسسة التلفزيون الجزائري، هذه الأخيرة أنتجت المئات من الأفلام الوثائقية التي تناولت الثورة، لكن بعيدا عن النقد أو نقل الرأي والرأي الآخر، لهذا جاءت هذه الأعمال ورغم أهميتها الفنية والتاريخية، منقوصة من ناحية الحمولة المعرفية، لأنها جسدّت وجهة نظر واحدة.

عبد الرحمن فارس/ الثورة تذبح رجالها

نفض فيلم “روشي نوار” الغبار عن شخصية ثورية مهمة والمتمثلة في عبد الرحمن فارس “1911-1991″، حيث أعاد استقرائها وفقا لسياقها التاريخي، ورغم أن وزارة الثقافة الجزائرية هي من دعمت هذا العمل بوصفها مؤسسة رسمية، غير أن هامش الحرية كان مرتفعا، وكأّن السلطة تحاول وبشكل غير مباشر إنصاف هذا الرجل وردّ الاعتبار له بعد التهميش والإبعاد المبرمج الذي تعرض له، رغم الدور الكبير الذي لعبه ما قبل اتفاقيات “إفيان” وما بعدها، حيث كان العقل المدبر في القضاء على الفوضى التي سادت الجزائر قبل وبعد “استفتاء” تقرير المصير.
وقد نقل الفيلم هذه الحقائق التاريخية عن طريق شهادات نجل هذه الشخصية وبعض التصريحات التي ساقها كل من “شوقي مصطفاوي” المتهم هو الآخر بالخيانة، وفرنسيين لعبوا دورا في الاتفاقيات الثنائية، ناهيك عن اللقاءات المتلفزة لعبد الرحمن فارس، واستنادا إلى مذكراته.

من هذا المنطلق جاءت صناعة هذا الفيلم، الذي أنصف هذا الرجل، وأظهر جوانب عدة من حياته، بحكم أنه مثقف وسياسي محنك، استغل علاقاته المتشعبة مع الفرنسيين والأوروبيين، حيث كان يعمل كموثِّق في الثورة، وعضو في الحزب الاشتراكي الفرنسي، كما كان له دور بارز في جمع المال للثورة الجزائرية وتقديمه لفيدرالية جبهة التحرير الوطني بفرنسا، بالإضافة إلى تزويد هذه الجهة بالعديد من المعلومات المهمة التي شكلت منعطفا في تاريخ الثورة الجزائرية، وعلى إثرها تم تقديمه للسجن سنة 1960، خصوصا وأنه رفض التعاون مع فرنسا سنة 1956، عندما أرادت تشكيل قوة ثالثة، بقوله  أنه لا يريد أن يقف ضد الجزائر ويلعب دور العميل المغربي بن عرفة، الذي تمّت تصفيته من طرف المغاربة لخيانته.

مهندس التفاوض بين ديغول والأفلان

قام عبد الرحمن فراس، وعن طريق صديقه الفرنسي، بعقد لقاءات سرية مع الرئيس الفرنسي شارل ديغول، بطلب من هذا الأخير، وهذا من أجل فتح باب تفاوض الأفلان، خصوصا وأن الخسائر الفرنسية بدأت تتضاعف، والحكومات بدأت في السقوط، ومن هنا جاء دور عبد الرحمن فارس الذي سهل من عملية التفاوض، بمدينة “إيفيان” الفرنسية، وبعد إمضاء هذه المعاهدة، اختار الطرفان عبد الرحمن فارس الذي كان يقبع في السجن كي يترأس الهيئة التنفيذية المؤقتة المكونة من 12 عضوا  بينهم فرنسيين وجزائريين، كي تكون بمثابة حكومة تحضر لانتخابات تقرير المصير، وهذا بتاريخ 19 مارس 1962، بمرسوم من الحكومة الفرنسية، وتضم بين أعضائها كل من: عبد الرحمن فارس رئيسا، وعضوية روجي بوت، عبد السلام بلعيد، أمحمد الشيخ، جان منوني، عبد الرزاق شنتوف، بومدين حميدو، شوقي مصطفاوي، شارل كونيف، إبراهيم بيوض، محمد بن تفتيتة.

وفد مفاوضات إيفيان

وكان مقر هذه الهيئة بالمنطقة التي أطلق عليها تسمية “روشي نوار” بولاية بومرداس، ومنذ تلك الفترة بات يطلق عليها حكومة “روشي نوار”، وقد ساهمت هذه الهيئة في تنظيم الاستفتاء يوم 1 يوليو، وقد كان السؤال كالتالي: هل تريدون أن تصبح الجزائر دولة مستقلة؟ لتكون النتيجة 581.975.5 “نعم” بالأغلبية الساحقة، مقابل 16.543 قالت “لا”.

ويوم 2 يوليو تم إعلان هذه النتيجة، ويوم 3 يوليو أرسل الجنرال ديغول اعترافا رسميا بالنتائج إلى عبد الرحمن فارس بوصفه رئيسا للهيئة المؤقتة، بعدها تم تثبيت نتيجة الاستفتاء في الجريدة الرسمية للدولة الجزائرية.

من هنا يمكننا أن نقول بأن عبد الرحمن فارس هو أول رئيس للجمهورية الجزائرية المستقلة، على خلاف ما هو متداول.

هذا وبعد الاستقلال حدثت صراعات كبيرة، نتج عنها وضع عبد الرحمن على رأس المالية، بعدها زجّ به الرئيس أحمد بن بلة في السجن، وعندما قام هواري بومدين بالانقلاب يوم 19 يونيو 1965 قام بإطلاق سراحه، لكنه ابتعد عن السياسة إلى أن وافته المنية سنة 1991.
والغريب في الأمر أنه ورغم أهمية هذا الرجل غير أنه لا يدرّس في مختلف المناهج الدراسية، أي أن استبعاده من الذاكرة كان عن سبق إصرار وترصد.

وثائق تنشر لأول مرة

من الناحية الجمالية جاء الفيلم قويّا، لأنه ابتعد عن الكليشيهات الجاهزة، واعتمد على وثائق فيلمية قوية تنشر لأول مرة، من بينها حوارات مصوّرة مع عبد الرحمن فارس ومصطفى شريف، ولقاءات مع مواطنين أوروبيين وجزائريين أثناء الاستفتاء وهذا سنة 1962، كما نقل عن طريق الفيديوهات أجواء التفجيرات والدمار الذي أحدثته منظمة الجيش السرّي الإرهابية “OAS”، ما أكسب العمل قوة وهالة، ومن ناحية أخرى اعتمد المخرج شريف عقون على بعض المشاهد الدرامية التمثيلية، وهي تجسيد لبعض الأحداث التي كان عبد الرحمن فارس طرفا فيها، بالإضافة إلى تصوير مشاهد تمثيلية أخرى نقلت الاجتماع الذي جرى مع “جون جاك سوزيني” يوم 17 يونيو وهو أبرز وجوه منظمة الجيش السري الإرهابية وأحد مؤسسيها، وحصل اتفاق بينهما، ينصّ على وقف الأعمال الإجرامية التي كانت تنظمها، مقابل ضمان حقوق الأوروبيين، وهو ما نص عليه اتفاق “إيفيان” دون علم المنظمة، وكأنه ضرب عصفورين بحجر واحد، وهذا ما اعتبرته جبهة التحرير الوطني وعلى رأسها أحمد بن بلة خيانة، رغم أن مصطفى شريف مهندس الضمانات تلقى الضوء الأخضر منهم، وهي حقيقة مرة يتجرع ألمها إلى اليوم، وقد نقل شهادته هذه بكل حسرة وألم، حيث تمت المتاجرة بوطنيته الكبيرة، رغم النضال السياسي الكبير الذي لعبه في الجزائر، ورغم التنازلات التي قدمها لبن بلة والهواري إبان الثورة التحريرية الكبرى.

المشاهد التمثيلية للعمل لم تعكس قوة الحدث، رغم اعتماد المخرج شريف عقون على ممثلين محترفين، ما أضعفها، وجعلها بلا أهمية، لأنه لم يتم التأسيس لها جيدا، ولم يتم استغلال قوة الظل والنور لخدمة الهدف منها، لذا جاءت باهتة وغير عملية، أما من ناحية “الثيمة” فقد كان الفيلم قويا، واستطاع أن يرد الاعتبار لأول رئيس جزائري.

شريف عقون من بين المخرجين الجزائريين المقلِّين، الذين يشتغلون في صمت، وبعيدا عن الأضواء، رغم التكوين الأكاديمي الذي حظيّ به في فرنسا، تخرج سنة 1978 من المدرسة العليا للدراسات السينمائية بباريس، كما اكتسب خبرته من خلال اشتغاله بمؤسسة التليفزيون الجزائري، ناهيك عن إخراجه لعدد من الأفلام الروائية القصيرة والفيديو كليبات، وفي سنة 2011 أخرج فيلما وثائقيا بعنوان “تلمسان أو الأندلس الجديدة”، بالإضافة لأول فيلم روائي طويل له أخرجه سنة 2011، بعنوان “البطلة”، تناول فيه أحداث العشرية السوداء، بالإضافة لأفلامه الوثائقية والتي من بينها ” صناع السلام”، ليعود إلى الثورة الجزائرية من خلال هذا الفيلم، الذي عنونه بـ”الروشي نوار” المنتج  في 2015.

"عبد الرحمن فارس" رئيس الهيئة التنفيذية التي حضرت انتخابات الاستقلال

    

       
    
 


إعلان