الفيلم التسجيلي بين المشهدين العفوي والتمثيلي..
عندما بدأ تصوير الأفلام الأولى قبل حلول القرن العشرين بسنوات قليلة، لم يخطر على بال صانعي تلك الأفلام سرد حكاية. كما نعلم اليوم بدأت بتصوير ما يحدث أمامها: خروج عمال من مصنع، وصول قطار إلى محطة، حركة مرور الناس في شارع، دخول وخروج الناس إلى ومن متجر الخ…
لكن البحث في هذه الأفلام يقود إلى استنتاجين:
الأول هو أن تصوير الواقع الدائر أمام الكاميرا هو فعل “تسجيل” يتحوّل إلى فعل “توثيق” بمرور الزمن وبطبيعة الحال (ولو أن هذا التحوّل ليس موضع بحث هنا).
الثاني، هو أن “الصنعة” طرأت على بعض تلك الأفلام. لنأخذ مثلاً، «خروج العمال من مصنع لوميير» الذي صوّره الأخوين لوميير وعرضاه سنة 1895. إنه فيلم من بضعة ثوان يصوّر ما يذكره العنوان تماماً: باب المصنع الكبير يُـفتح ليخرج منه العمال في ساعة محددة.

صورة ثابتة لخروج العمال من مصنع لوميير في مدينة ليون الفرنسية، هو الفيلم الأول للأخوان لوميير مدته بضع ثوان
لكن لوميير صوّر ما لا يقل عن ثماني نسخ من الفيلم، كل نسخة تختلف عن الأخرى من ناحية الزمن (بضعة ثوان أكثر أو أقل) ومن ناحية ترتيب المشهد، في أحد هذه النسخ سنجد أحدهم يركب دراجته بعد خروجه من الباب، في نسخة أخرى يخرج من الباب راكباً إياها، هذا الرجل اتجه يميناً في إحدى النسخ (أو في أكثر من نسخة) لكنه اتجه يساراً في نسخة أخرى، فتح البوابة في غالبية النسخ تم بفتح كل البوابة في وقت واحد، في بعضها تم فتح النصف اليمين قبل النصف الشمال.
لماذا صوّر الأخوين لوميير هذا الفيلم أكثر من مرّة؟
لا يوجد في الأبحاث المنشورة كتباً أو على المواقع ما يجيب على هذا السؤال ولا حتى السؤال نفسه مطروح، سيكون اجتهاداً شخصياً أن أقول أن أوغوست ولوي لوميير كانا من البداية يرغبان التدقيق ويصبوان إلى الكمال. لكن هذا ليس صحيحاً في هذا المجال لأسباب ثلاثة:
• كل شيء كان برسم التجربة والتجربة لا تتضمن، في أي مجال، فعل اتقان قبل تأسيس القاعدة، بالتالي، لم يكن قد تم تأسيس أي شيء في عالم الصورة المتحركة لكي يقوما بالتدقيق الفني وتوخي نسخة أفضل من سابقتها ما ينفي وجود دافع فني.
• لم يكن هناك خطأ ما في محاولة التصوير الأولى أو الثانية، لم ينظر أحد العمال ملياً إلى الكاميرا مثلاً أو تأتي سيارة فتسد المنظر ما بين الكاميرا والبوابة.
• إعادة تصوير فيلم في أقل من دقيقة أو- حالياً- مشهد من فيلم طويل، تتطلب منهجاً في البال على الفعل (التصوير) أن يحاكيه، في حالة الأخوين لوميير المنهج الوحيد المتوفر هو فعل تصوير الحدث الماثل لعرضه ما ينفي أن إعادة التصوير تمّـت تبعاً لاختيارات لها علاقة بغاية أخرى سوى ذلك الفعل.
لكن هذا يقودنا إلى منطقة أخرى من البحث وهو أن الطلب من العمّـال العودة إلى داخل البوابة للخروج منها من جديد عندما يصيح المخرج- المصوّر بالأمر فيُـفتح الباب، يضعنا أمام الحالة الأولى مما يُـسمي بـ «الفيلم التسجيلي ذي السياق السردي» (أو Narrative Documentary) وهو نوع من الأفلام التسجيلية يمارس اليوم أكثر من أي نوع مضى.
ثورة على فلاهرتي
تعريف هذا النوع من السينما التسجيلية سهل، على عكس سبر غوره، إنه النوع الذي يتبنّـى منهج عمل المخرج في حال طلبه من الشخص الماثل أمامه أن يقوم بفعل ما حتى وإن كان فعلاً عادة ما يقوم به.
هناك نوعان من السينما التسجيلية في هذا الإطار (من بين أنواع كثيرة):
الأول: أن يصوّر المخرج وفريقه حال ما واقع أمام الكاميرا لأنه واقع في الحياة حينها أو على نحو دائم، مثل حال «شتاء على نار» للأوكراني إيفيني أفينيفسكي ومئات سواه.
الثاني: أن يصور المخرج حال ما ليس واقعاً في اللحظة ذاتها لكنه يريده لإثبات حالة تقع دائماً، كما في فيلم «سموني مالالا» لديفيز غوغنهايم، وهذا النوع يبلغ مداه في فيلمي «فعل القتل» و«نظرة الرعب» لجشوا أوبنهايمر.
إيجازاً، فإن الفارق بين الإثنين هو عما إذا كان المخرج سيطلب من شخص ما أن يؤدي حركة للكاميرا لم تكن محسوبة من قبل، مثل أن يسير في شارع ما ويسلّـم على أصحاب الدكاكين أو المارة لتأكيد أنه يعرف أبناء حيّـه مثلاً أو لإظهاره شخصاً معروفاً الخ… أو سيكتفي المخرج بالشخص ذاته من خلال المقابلة أو المواد الأرشيفية أو تصويره في رحى عمل على نحو مدهم.
الخطر الكامن في فيلم يطلب من شخصيته الواقعية القيام بفعل ما هو أن هذا الطلب والتنفيذ هو ترتيب تمثيلي شاء المخرج والناقد أو لا.
سابقاً ما اعتبر ذلك خروجاً سافراً عن الشرط التسجيلي، فعندما تم الكشف على أن المخرج التسجيلي روبرت فلاهرتي تدخل في توجيه مواطني الأسكيمو خلال تصوير فيلمه «نانوك الشمال» (Nonook of the North) سنة 1922 أثيرت ضجة سلبية بخصوص فيلم هو من كلاسيكيات السينما التسجيلية، ورد الاكتشاف قبل عقود قليلة وارتأى أصحابه أن فلاهرتي خدع جمهوره حتى وإن اقتصر هذا التدخل من جانبه على مشاهد محدودة.

حالياً، منهج الفيلم التسجيلي الذي يعتمد الطلب من شخوصه القيام بعمل ما أمام الكاميرا أكثر إنتشاراً ويمر من دون إثارة تذكر، فقط عندما تم انتقاد المخرج أوبنهايمر على فيلمه «فعل قتل» لأنه طلب من الذين ارتكبوا مجازر قتل في ستينات أندونيسيا، كما هو موضوع هذا الفيلم والذي تبعه، وهذا النقد كان محدوداً بدوره ووجد أن المخرج وظّـف الشخصيات التي التقى بها ممن أقدموا على تنفيذ خطة قتل واغتيالات شملت عشرات ألوف الضحايا على نحو قاس إذ طلب من القاتل إعادة تمثيل ما قام به وذلك في بادرة تستخدم الفيلم كوسيط لتجسيد الفعل من جديد.
هذا النقد وجه من قِـبل معظم النقاد (كونهم القطاع الذي أعجب بالفيلم أكثر من سواه) بحجة أن الطريقة التي عمد بها المخرج لتقديم هذا التجسيد “مبتكرة” و”تخدم كشف الحقيقة عما حدث” وذات وقع مذهل”.
مثال ناصع
عملياً، فإن الإقدام على ممارسة منهج الطلب من أي شخص يكون موضوع الفيلم (أو أي شخص على الإطلاق) أن يقوم بأداء ما يقوم به في الحياة في زمن غير زمن الفعل نفسه (لا يهم الفارق الزمني مطلقاً إذ يكون بعد يوم أو بعد سنين) يحمل توجيهاً يتنافى وهوية الفيلم التسجيلي، منهج يمارس فيه الشخص الذي يقوم بتنفيذ المشهد أمام الكاميرا بطلب من المخرج بعملية تمثيل، ذلك لأن الفارق العضوي كبير بين أن يقوم ذلك الشخص بخلع حذائه والمشي حافياً في بركة من الطمى لتنفيذ مشهد يريد تصوير بؤس حياته، وبين أن يلتقطه الفيلم وهو على هذه الحالة الفعلية دوماً.

والأمر ذاته عندما يُـطلب من الشخص الذي يريد المشاهد رؤيته على حقيقته أن يكتب رسالة أو يقرأ أخرى لكي يوصل للناس مشاعره، هذا يحدث مثلاً مع بطلة فيلم «سونيتا» (وإسمها سونيتا عليزاده) كما أخرجته الإيرانية روخساره غايمغامي في العام الماضي، الفيلم جيد في مواطن كثيرة، لكن العمل بمجمله قائم على هذا منهج الطلب منها القيام بأداء مخصص للكاميرا بغية الوصول إلى إطلاع المشاهدين على حالة معينة تمر بها.
طبعاً الظروف قد لا تسمح بغير ذلك، لكن مسألة الظروف في هذا الوضع غير مطروحة في هذا البحث، ما هو مطروح هو إذا ما كان من الممكن تسمية فيلم ما بـ “التسجيلي” إذا ما كان التسجيل فيه هو إعادة ترتيب يشمل تمثيلاً.
في هذا الإطار يلفت نظر الناقد كيف أن المنتجة والمخرجة الأميركية باربرا كوبل أمضت أشهر طويلة تصوّر فيلمها الرائع «مقاطعة هارلان، الولايات المتحدة» (Harlan County, U.S.A.) من دون أن تعمد إلى الطلب من أي من شخوص الفيلم فعل شيء خاص بالكاميرا.
إنه فيلم حول إضراب عمال المناجم وقع في تلك المقاطعة سنة 1976 وكيف حاول أصحاب المناجم والشركات الموكلة بالتنفيذ تخريب الإضراب وإجبار العمال على العودة إلى العمل قبل تنفيذ أي من المطالب (حماية طبية ورفع أجور) ثم محاولة استقدام عمال من الخارج لمواصلة العمل في الوقت الذي طلبت من السلطات الأمنية تفريق التظاهرات وتقويض الإحتجاج، الذي أمّـه الرجال وزوجاتهم أيضاً، وهذا تم بجلب “بلطجية” حيناً وبالقبض على بعض المضربين حيناً آخر.

عسكرت المخرجة كوبل في المكان ليل نهار والتقطت كل ما يحدث واقعياً، لم تطلب من أي شخص أن يكرر فعلاً أو أن يقوم بأداء آخر، بل استشرفت كل ما تحتاجه مما كان يقع ونجحت في تحقيق أحد أهم الأفلام التسجيلية الأميركية إلى اليوم (علماً بأنه مر، ولا يزال، من تحت الرادار العربي).
حمامة
المنهج السردي يتضمن ما هو أكثر من تأدية فعل ما، يتضمن ظاهرة متزايدة تكمن في قيام الشخص المعني داخل الفيلم بالتحوّل إلى طارح أسئلة على آشخاص آخرين وهو أسلوب تلفزيوني المنشأ، فيما أكاد أجزم، تبنته أفلام عديدة. هذا يعني تلقين الشخص الموضوعي الأسئلة التي سيطرحها على الشخص الآخر أو بعضها على الأقل.
في العام الماضي قاوم المخرج بول توماس أندرسون (صاحب أفلام روائية رائعة مثل «سيكون هناك دم» و«مانغوليا» و«ذ ماستر»، فكرة الخروج عن الإلتزام بروح الفيلم التسجيلي عندما قام بتحقيق فيلم عنوانه «جنون» (مر أيضاً تحت الرادار) حول فرقة من العازفين الهنود (إسمها «راجاستان إكسبرس») تجلس في غرفة عليا فسيحة داخل قلعة وتعزف وتغني لنحو ساعة ونصف.
الفيلم جهد بعيد عن أعمال أندرسون المعتادة وهو يترك نفسه وكاميرته يرتاحان من دون ضوابط تذكر، لا بأس إذا أفلت «الفوكاس» هنا أو تحرّكت الكاميرا ببانوراما يدوية عوض القطع أو ثابتة على تروللي، هناك معايشة للأجواء من دون فرض الذات الفنية مطلقاً، لكن هذا الإبتعاد له أيضاً سلبياته. في النهاية لابد أن يتساءل المرء عن السبب وراء فيلم يستمع ويصوّر ولا يفعل أي شيء آخر.

على عكس فيلم أحمد المعنوني «نشوات» (Trances) الذي عبّر به المخرج، سنة 1981، عن قوّة الموسيقى في صهر الثقافة الشعبية، لا يحمل الفيلم أي رغبات تتجاوز الاستماع والاستمتاع بالموسيقى التي تستمر من مطلع الفيلم للآخر (وهذا كثير ومهم). الموسيقى هنا ليست بوليوودية مطلقاً وهي المفتاح الجيد الوحيد الذي يبقى المشاهد مع الفيلم طوال الوقت ملاحظاً دقة العزف وبساطة الفنانين والعمل بأسره.
وفي مشهد لافت يتوقف فيه لاعب غيتار (الأميركي جوني غرينوود) عن العزف ويلاحق حمامة دخلت القاعة المفتوحة وأخذت تهدل ما قد يؤثر على التسجيل الصوتي، كان بالإمكان إيقاف التصوير إلى ما بعد طرد الحمامة من المكان، لكن المخرج واصل العمل والموسيقى واصلت العزف وقامت الكاميرا بتصوير “جوني غرينوود” وهو يحاول طرد الحمامة قبل أن يعاود الجلوس في مكانه ويشارك العزف من جديد.
لا الحمامة أطلقت عن قصد ولا المخرج طلب خارج الكاميرا هذا الفعل.. في صميم السينما التسجيلية فإن هذا المثال (والمثال الأسبق من المخرجة باربرا كوبل) يجسدان المعنى كاملاً.
لا يعني ذلك خلع ثوب الفيلم التسجيلي عن العمل الذي يستعين بمشهد تمثيلي، لكن المهم أن نعرف أن ذلك يعني- على الأقل- تنازلاً واضحاً.