على ضفاف نهر البوسنة.. أيام الجزيرة الوثائقية تنطلق لأول مرة في سراييفو

خاص-الوثائقية

تحت قبة السماء الواسعة، انطلقت الجمعة (9 سبتمبر/أيلول) فعاليات افتتاح النسخة الخامسة لمهرجان الجزيرة بلقان في العاصمة البوسنة سراييفو. وامتدت جماهير المهرجان القادمة من البوسنة ودول البلقان -إضافة لحضور عالمي بارز في هذا العام- في مدرجات ساحة النصب التذكاري لشهداء الحرب البوسنية، لحضور الافتتاح في الهواء الطلق، إذ بدأت نسمات الخريف الأولى في كسر حرارة الصيف.

بدأ الافتتاح بكلمة مدير قناة الجزيرة الوثائقية أحمد محفوظ، معلنا تدشين النسخة الأولى من “أيام الجزيرة الوثائقية”، والمخصصة لدعم مشاريع الأفلام الوثائقية قيد الإنتاج، ليشمل المهرجان -الذي بدأ عام 2018- للمرة الأولى مساحة ترحب بصناع الأفلام الراغبين في استكمال مشروعاتهم الفيلمية، وليس فقط عرض أفلامهم التي اكتمل إنتاجها.

جانب من اليوم الأول للمهرجان الذي عرف عرض مشاريع الأفلام المختارة

 

انطلقت “أيام الجزيرة الوثائقية” كمبادرة بين قناة الجزيرة بلقان القائمة على المهرجان، وبين الجزيرة الوثائقية خلال دورة العام الماضي من المهرجان 2021. وتطمح المبادرة إلى توفير منصة تجمع مشروعات الأفلام من المنطقة العربية والبلقان وجنوب شرق أوروبا والقوقاز للاستفادة من الخبرات المشتركة وتقديم دعم مادي أو إنتاجي للمشروعات المشاركة.

وقد أعلنت المنصة ضرورة ارتباط فريق العمل أو قصة الفيلم المشارك في المنصة إلى أحد المناطق الجغرافية الأربعة، والتي تعاني -رغم ثراءها الثقافي والعرقي- من نقص في فرصة التمويل والدعم المقدمة لصناع الأفلام فيها. وقد أعلن عادل كسيكسي رئيس منصة أيام الجزيرة الوثائقية تقديم جائزة مالية قيمتها 25 ألف دولار أمريكي لأحد المشاريع المختارة، إضافة إلى جوائز أخرى مقدمة من الجهات المشاركة.

وفد الجزيرة الوثائقية الذي ترأسه مدير القناة أحمد محفوظ

 

وفي صباح أمس السبت (10 سبتمبر/أيلول) أول أيام الجزيرة الوثائقية، توافد أصحاب مشروعات الأفلام الـ12 المختارة إلى مسرح كاميرني لتقديم مشاريعهم أمام عدد من أبرز العاملين في صناعة السينما الوثائقية حول العالم. وشهد الحضور ممثلين عن صناديق التمويل والقنوات التلفزيونية والمهرجانات، ومنصات الدعم والتطوير العربية والعالمية، ومن هؤلاء ممثلون لقنوات دويتش فيله الألمانية و”إن إتش كيه” اليابانية و”تيه إر تيه” التركية و”إس فيه تيه” السويدية، إضافة لمهرجانات كان وإدفا وفيزيون دو ريل ولايبزغ وسراييفو وصاني سايد.

“سرقة النار”.. موشيه ديان يسرق آثار فلسطين

وكان العرض الأول من نصيب المشروع الفلسطيني “سرقة النار” من إخراج عامر الشوملي وإنتاج رشيد عبد الحميد. وهو المشروع الذي أثار جدلا بين الحضور بسبب أسلوبه الفريد في التعامل مع الحقائق التاريخية بطرافة خيالية.

وينطلق الفيلم من حقيقة تستند إلى الولع الذي اشتهر به وزير الدفاع الإسرائيلي الأشهر “موشيه ديان” تجاه اقتناء الآثار والتحف، الأمر الذي دفعه لتوظيف العمليات العسكرية في التنقيب عن الآثار الفلسطينية وسرقتها، ليبني بذلك واحدا من أكبر المتاحف الخاصة حول العالم، تحت اسمه هو.

صورة من مشروع فيلم “سرقة النار” من إخراج عامر الشوملي

 

لكن مخرج الفيلم عامر يطلق أحداث الفيلم على يد شخصية خيالية تماما هي ناجي الذي يقرر استقطاب مجموعة من الفنانين الفلسطينيين من أزمنة مختلفة ليقوموا بعملية سطو عكسية لاستعادة الآثار الفلسطينية المسروقة على يد ديان.

“هو أيضا”.. تحرش جنسي على أعتاب العتبات

ومن إيران عرض المخرج “حسين بهبودي راد” مشروعه “هو أيضا” الذي يستوحي عنوانه من الحملة النسائية العالمية الشهيرة ضد التحرش الجنسي “أنا أيضا”. وكما يشي العنوان، يقدم الفيلم جانبا صادما من مسقط رأس مخرجه “قم”، إذ يحكي عن حوادث التحرش الجنسي التي تعرض لها على يد المعلمين في المدارس الدينية التي اشتهرت بها المدينة كموطن لتدريس تعاليم المذهب الديني الشيعي.

عروض الأفلام في الهواء الطلق بحضور جماهيري كبير

 

ويواجه حسين في رحلة تصوير فيلمه عاصفة من الرفض والإنكار تبدأ من أبويه وأسرته، خروجا إلى المجتمع الأوسع، لكن المخرج يؤكد بأن تلك الحوادث تشيع في أوساط الدارسين ضد الأطفال بين سن الـ4 والـ13، وهو ما يزيد من جرأة القصة التي قلما نسمع شبيها لها في داخل الأوساط الدينية الإيرانية.

“سامحونا كي رانا عايشين”.. نبش في ماضي الاستعمار الفرنسي للجزائر

وسلطت بعض المشاريع الضوء كذلك على أخطار البيئية التي تهدد المنطقة العربية، إما بسبب حادثة نووية في الماضي، مثل المشروع الجزائري “سامحونا كي رانا عايشين”، أو نتيجة التهديد الغذائي الناتج عن ندرة القمح كما يحكي مشروع الأردني “قمر الحصادين”.

في الفيلم الأول يعود المخرج الجزائري “عيسى جمعة” لحقبة الاستعمار الفرنسي لبلده، وتحديدا بين عامي 1960 و1968، إذ أجرت فرنسا ثماني تجارب نووية في الصحراء الجزائرية الجنوبية.

والقصة نبش في الماضي خاصة مع النسيان شبه الكامل الذي يغلف ذكرى تلك التجارب. لكن القصة لم تزل تلقي بظلالها الثقيلة على الواقع الذي يكشف عن معاناة العديد من سكان تلك الصحراء من آثار صحية مستدامة نتيجة تعرضهم للإشعاع الباقي من آثار تلك التجارب القديمة.

في هذا الفيلم، يقرر عيسى تحويل الحادثة إلى محاكمة دولية يواجه فيها الجاني (فرنسا) خطاياه القديمة ضد الإنسانية، أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي. ولذلك، يحل على الحكاية شخصية جديدة هو المحامي الذي يحمل تلك المهمة على عاتقه، ويتتبعه عيسى بصحبة المتضررين ليجمع خطوط الجريمة على مدار الشهور وربما السنوات القادمة.

“قمر الحصادين”.. من وحي الحرب الروسية الأوكرانية

أما “قمر الحصادين” الذي بدأت مخرجته “راما العياصرة” تتبع شخصياته في العاصمة الأردنية عمان قبل عام مضى، فقد أدى اندلاع الحرب الروسية ضد أوكرانيا وما تبعها من أزمة عالمية في مخزون القمح إلى وضع قصتها في قلب الحدث، رغم البون الجغرافي بين الأردن وساحة الحرب الأوكرانية.

وتنطلق راما خلف اثنين من النشطاء الأردنيين (ربيع ولمى) يحملان على عاتقيهما مهمة إعادة زراعة القمح في بلدهما إلى عهدها الذهبي.

“قمر الحصادين” لمخرجته الأردنية “راما العياصرة”

 

ويبدأ الناشطان بصوت خافت التوعية بالأمر في دوائرهما المحلية الصغيرة، فيلبي صديقهما أبو جياب المقيم بنيويورك النداء بحماس يدفعه لترك وظيفته المرموقة في مجال الهندسة ليصبح مزارعا.

ورغبة منهم في الحفاظ على إرث آخذ في الزوال، يضم الثلاثة إليهم مزارعا عتيدا هو أبو طارق، وهو أحد الباقين القلائل من مجتمع مزارعي القمح الأردنيين. ينطلق الأربعة في مهمتهم الشاقة، متسلحين بحكمة العجوز أبي طارق وحماس الحالم أبو جياب وإصرار الناشطين لمى وربيع ليواجهوا البيروقراطية الرسمية، وعدم اكتراث الجمهور، في طريق حلم يبدو بعيد المنال.

الجانب الجماهيري الغفير الذي واكب اليوم الأول من العروض

 

وبعكس أبي جياب الذي يطير من منهاتن إلى بلده الأم ليصبح مزارعا، نرى عمر مخرج المشروع المصري “حظ البومة” المشارك في أيام الجزيرة الوثائقية، يقوم برحلة شاقة من القاهرة إلى الولايات المتحدة محاولا تحقيق حلمه في الحصول على الجنسية الأمريكية التي يحملها كل أفراد أسرته، بل وعائلته الممتدة، باستثنائه هو. إذ تتسبب الأقدار نتيجة لصدفة صغيرة في حياة أبيه، بتضييع فرصته للحصول على الجواز الأمريكي، والذي يحلم هو أن يفتح له بابا لتحقيق أحلامه السينمائية الكبيرة. اختار عمر لفيلمه عنوانا يحمل سخرية لاذعة من قدره، ليوظف مثلا مصريا شعبيا يؤمن بأن سوء الحظ ملازم أبدا لطائر البوم.

إلى جانب تلك الأفلام الخمسة، عُرضت سبعة أفلام أخرى من البلقان والقوقاز وجنوب شرق أوروبا، ليفصح اليوم الأول من “أيام الجزيرة الوثائقية” عن 12 مشروعا وثائقيا قيد التطوير، حاز جلها على تقدير كبير من الحضور الدولي البارز، في انتظار ما يكشف عنه حفل الختام عن اسم المشاريع التي ستحظى بجوائز المنصة.