مهرجان كان 2024.. باقة من الأفلام والتكريمات تزين سماء الدورة الـ77

هو المهرجان السينمائي الأهم عالمياً، والأكثر جذبا لنجوم الصف الأول في هوليود، وبهذا الجمع بين القيمة الفنية الكبيرة والزخم الإعلامي والجماهيري حوله، تتجه الأنظار في مايو/ أيار مرة أخرى إلى الساحل الفرنسي الجنوبي على البحر المتوسط، حيث مدينة كان التي تحتضن هذه الفعاليات السينمائية.

هكذا تنطلق فعاليات الدورة الـ77 للمهرجان ما بين 14-25 مايو 2024، وهي تأتي في أجواء عالمية غير مستقرة، منها حرب إبادة مستمرة في غزة، وحرب أوكرانية روسية تهدد مستقبل أوروبا، واحتجاجات عالمية متزايدة، وأما الدورة فإنها تحاول أن تستمر في إثبات دور المهرجان، بوصفه منصة سينمائية يجد فيها صناع السينما مساحة للتعبير عن أحلامهم ومخاوفهم على الشاشة الكبيرة التي تعكس ما يحدث في عالم اليوم.

فما هي أبرز الأفلام المنتظرة في مهرجان هذا العام إذن؟ ومن هم أبرز المكرمين؟ وما هي أهم القضايا السينمائية والأحداث التاريخية التي ننتظرها في كان ٢٠٢٤.

“ميغالوبوليس”.. عودة أفضل صناع السينما إلى الحلبة

فيلم “ميغالوبوليس” (Megapolis) كان قد راود خيال “فرانسيس فورد كوبولا” عقب صناعته لملحمة “العراب” (The Godfather) في سبعينيات القرن الماضي، ثم بدأ محاولة تطويره منذ بداية الثمانينيات، ولم يجد سبيلا لصناعته إلا بتمويله من حر ماله في النهاية، بما يزيد عن ١٢٠ مليون دولار، وقد صنعه بعد ما يزيد عن ٤٠ عاما من التحضير، وعاد به بعد ١٣ عاما من الانقطاع عن السينما.

مشهد من فيلم “ميغالوبوليس” (Megapolis)

يعود المخرج “كوبولا” بهذا الفيلم الملحمي إلى مهرجان كان، وكان قد توج فيه بالسعفة الذهبية مرتين، الأولى في 1975 عن فيلم “المحادثة” (The Conversation)، والثانية في 1979 عن فيلم “القيامة الآن” (Apocalypse Now).

ليست مسيرة “كوبولا” ملحمية في كان فقط، بل على مستوى الأوسكار أيضا، فقد تُوج بخمس جوائز أوسكار في مسيرته، ويراه كثيرون صانع السينما الأفضل على الإطلاق. كيف يعود “كوبولا” للسينما إذن؟ وكيف سنرى فيلمه المستقبلي الذي تدور أحداثه عن مهندس يريد إعادة بناء مدينة نيويورك في شكل يوتوبي بعد تعرضها لكارثة.

“أنواع من اللطف”.. قصة ممزقة الأبعاد بين الأبطال الثلاثة

من أهم أفلام المسابقة الرسمية في دورة هذا العام من مهرجان كان، فيلم للمخرج اليوناني الشهير “يورغوس لانثيموس”، ويحمل اسم “أنواع من اللطف” (Kinds of Kindness)، وتشارك في بطولة الفيلم “إيما ستون” التي حصدت في مارس/ آذار جائزة الأوسكار عن فئة أفضل ممثلة في دور رئيسي، وذلك لدورها في تعاونها السابق مع المخرج “لانثيموس” في فيلم “كائنات مسكينة” (Poor Things)، وهو فيلم حصد ٤ جوائز أوسكار.

وكان المخرج “لانثيموس” قد رُشح للأوسكار 5 مرات من قبل، لكنه لم يتوج بها حتى الآن، وفي كان بدأ مساره بالفوز بجائزة مسابقة “نظرة ما” في ٢٠٠٩، ثم حصد جائزة لجنة التحكيم عام ٢٠١٥ عن فيلم “جراد البحر” (The Lobster)، ثم جائزة أفضل سيناريو في عام ٢٠١٧ عن “مقتل غزال مقدس” (The Killing of Sacred Deer).

أما فيلمه الجديد فهو يدور في فلك 3 شخصيات، رجل يحاول الهرب من قدره المحتوم، وزوج متشكك في حادثة غرق زوجته، وامرأة في رحلة خاصة لتصبح قائدة روحية.

مشهد من فيلم “أنواع من اللطف”

“ماكس المجنون”.. استمرار ملحمة أفضل أفلام الحركة في تاريخ السينما

الفيلم الثالث في قائمتنا هو الفيلم الأحدث للمخرج الأسترالي “جورج ميلر”، وهو الجزء الجديد من ملحمة “ماكس المجنون” (Mad Max) التي قدم جزأها السابق “ماكس المجنون.. طريق الغضب” (Mad Max: Fury Road) في 2015، وحصد به 6 جوائز أوسكار، وهو فيلم يراه كثيرون أحد أفضل أفلام الحركة في تاريخ السينما.

وأما الجزء الجديد من الملحمة فسيعرض خارج المسابقة الرسمية في كان، ليذكرنا المهرجان أيضا بأنه يعرض أفلام هوليودية ضخمة، وليس منحصرا على الأفلام الفنية المغايرة للتيار السائد. في الجزء الجديد من “ماكس المجنون” يعيدنا “جورج ميلر” للحكاية الأصلية للمقاتلة “فيوريوسا” قبل أن تتعرف على “ماكس المجنون”، وهي شخصية قدمتها “تشارلز ثيرون” منذ 9 سنوات، وتقدمها هنا النجمة الهوليودية الجديدة “آنا تايلور جوي”.

بطلة فيلم “ماكس المجنون”

“بارثينوبي”.. امرأة لا تريد أن يراها الناس جميلة فحسب

يعود المخرج الإيطالي “باولو سورنتينو” إلى المسابقة الرسمية في كان هذا العام بفيلمه “بارثينوبي” (Parthenope)، بعد 9 سنين من مشاركته بفيلم “شباب” (Youth) في عام 2015.

وكان “سورنتينو” قد حصد بفيلمه “الجمال العظيم” (La Grande Bellezza) جائزة أوسكار أفضل فيلم أجنبي في عام 2013، وقد نشط في الفترة الماضية في صناعة أعمال تليفزيونية.

مشهد من فيلم بارثينوبي لباولو سورونتينو

في فيلم “بارثينوبي” ينقل لنا “سورنتينو” حكاية امرأة لا تريد أن يراها الناس امرأة جميلة فحسب، وتدور الحكاية في مدينة نابولي منذ الخمسينيات وحتى زمننا الحالي، الجدير بالذكر أن نابولي قد شهدت أيضا أحداث أخر أفلام “سورنتينو” وهو فيلم “يد الإله” (È stata la mano di Dio) في عام 2021.

“المتدرب”.. فيلم يتتبع آثار الرئيس “ترامب” منذ عقود

فيلم “المتدرب”

فيلم “المتدرب” (The Apprentice) هو من إخراج المخرج الإيراني الدانماركي علي عباسي، ويتتبع قصة صعود الرئيس الأمريكي السابق “دونالد ترامب” حينما عمل في مجال بيع العقارات في السبعينيات والثمانينيات.

يبدو الفيلم واعدا ليس فقط بسبب ارتباطه بتاريخ “ترامب” المثير للجدل، بل لأنه يمثل التعاون الأول للمخرج علي عباسي في فيلم أمريكي، بعد عدة أفلام صنعها بين الحياة في الدانمارك ومحاولاته لصناعة فيلم إيراني، كان آخرها فيلم “عنكبوت مقدس” (Sacred Spider) الذي شارك في مسابقة كان عام 2022.

يجمع فيلم “المتدرب” الجديد في بطولته “سباستيان ستان” المتوج بجائزة أفضل ممثل في مهرجان برلين السينمائي الدولي 2024، و”جيريمي سترونغ” صاحب الأداء المميز في مسلسل “الخلافة” (Succession).

“إرنست كول.. فُقد ووُجد”.. أول مصور حر أسود في جنوب أفريقيا

بين العروض الخاصة يبرز وثائقي “إرنست كول.. فُقد ووُجد” (Ernest Cole: Lost and Found) الذي أخرجه المخرج الهايتي والناشط في مجال حقوق الإنسان “راؤول بيك”.

صورة للمصور الجنوب أفريقي إرنست كول

وكان “راؤول بيك” قد صنع الوثائقي المميز “أنا لست زنجيك” (I Am Not Your Negro) عام 2016، ورُشح من خلاله لجائزة الأوسكار، وهو يعود هنا مرة أخرى لنبش ملفات العنصرية البيضاء، وهذه المرة من جنوب أفريقيا في زمن الفصل العنصري “الأبارتايد”، فنتتبع خلال الفيلم رحلة المصور “إرنست كول”، وهو أول رجل أسود استطاع العمل مصورا حرا في جنوب أفريقيا في ذلك الزمن.

“آه يا كندا”.. قصة الكاتب الهارب الرافض لحرب فيتنام

من الأفلام التي تستحق أيضا أن توجد في بقعة الضوء، فيلم “آه يا كندا” (Oh Canada) للمخرج والمؤلف الأمريكي “بول شريدر”، وقد اشترك في بطولته اسمان كبيران من زمن التسعينيات في هوليود، وهما “أوما ثورمان” و”ريتشارد جير”.

كان “شريدر” قد كتب سيناريو اثنين من أهم أفلام المخرج “مارتن سكورسيزي”، وهما “سائق التاكسي” (Taxi Driver) الذي عُرض عام 1976، و”الثور الهائج” (Ranging Bull) الذي عُرض عام 1980، وهو يقدم هنا فيلمه الجديد عن قصة هروب كاتب أمريكي نحو كندا، رفضا منه للانضمام للجيش الأمريكي في حرب فيتنام.

صورة من الفيلم

يبدو الأمر مثيرا للتأمل، إذ يعرض الفيلم في زمن اشتعال التظاهرات الطلابية الرافضة للحرب على غزة في عدد من الجامعات الأمريكية، وهي تظاهرات تذكرنا بحركة الطلاب الرافضة للحرب على فيتنام.

“ميريل ستريب”.. تكريم لنصف قرن من العطاء الفني

يكرم المهرجان في دورته الحالية الممثلة الأمريكية الشهيرة “ميريل ستريب”، خلال حفل الافتتاح في 14 مايو/ آذار 2024، وستتسلم جائزة السعفة الذهبية الشرفية في حفل الافتتاح.

“ستريب” هي صاحبة الرقم القياسي في الترشح لجائزة الأوسكار، فقد رشحت 21 مرة، وفازت 3 مرات بالجائزة المرموقة، ويراها كثيرون أفضل ممثلات هوليود عبر التاريخ، فقد نجحت باختياراتها المميزة طوال مسارها الفني في هوليود الممتد منذ السبعينيات حتى اليوم، طوال ما يزيد عن 50 عاما.

الممثلة الأمريكية الشهيرة “ميريل ستريب”

“جورج لوكاس”.. تكريم لصانع “حرب النجوم”

في حفل الختام المقرر يوم 25 مايو/ آذار 2024، سيكرّم الأيقونة الأمريكية “جورج لوكاس”، الرجل الذي صنع طوال ما يزيد عن 40 عاما أسطورة “حرب النجوم” (Star Wars)، فجذبت أجيالا متعاقبة من المحبين. ناهيك عن عمله في كتابة أفلام “إنديانا جونز” (Indiana Jones).

إرث “لوكاس” الأهم هو شغفه التكنولوجي بصنع أفلام تحدث في الفضاء، أفلام تجمع بين الخيال العلمي والتشويق، في زمن لم يكن فيه التطور التكنولوجي كما هو الحال اليوم. الجدير بالذكر أن “لوكاس” قد عرض فيلمه الطويل الأول في كان في عام 1971.

“جورج لوكاس” صانع سلسلة حرب النجوم

سينما في عصر الحرب.. هل يعيد التاريخ نفسه مرة أخرى؟

 

صورة لجون لوك جودار و فرانسوا تروفو من كان ١٩٦٨:

هكذا يبدو أننا في انتظار دورة مميزة من مهرجان كان السينمائي، دورة يبدو التحدي الأكبر أمامها هو تقديم سينما وأجواء تتناسب مع عصر الحرب المشتعلة داخل أوروبا وخارجها، أجواء يمكننا الشعور بشيء منها، بمجرد تصفحنا لإعلانات الأفلام المشاركة، بين ممانعين للحرب، ومقاومين للفصل العنصري، أو حتى محاولين لإعادة بناء مدينة مهدمة بعد كارثة.

الجدير بالذكر أنه في مايو/ أيار 1968، اشتعلت تظاهرات الطلاب والعمال في فرنسا، فقمعت الشرطة المظاهرات قمعا عنيفا، وبعد ذلك تصاعد الغضب بين صناع الموجة السينمائية الفرنسية الجديدة، وأهمهم المخرج الفرنسي “فرانسوا تروفو” وصديقه المخرج الفرنسي “جون لوك جودار”.

كانت نتيجة هذا الغضب -بعد كثير من الشد والجذب- هي وقف مهرجان كان فعالياته، تضامنا مع مظاهرات الطلاب ضد القمع وضد عنف الشرطة. فهل سيعيد التاريخ نفسه؟