“البحر البعيد”.. لحظات المتعة والألم والقلق التي تهديها مرسيليا للمهاجرين

بطلا فيلم "البحر البعيد" في مهرجان كان 77

في أفلام المخرج سعيد حميش بن العربي، هناك دائما عودة إلى مكان ما، وعلاقة خاصة معقدة وحمالة لأوجه متعددة مع هذا المكان ومع الأبوين.

ففي فيلمه القصير “الرحيل” (2004)، يحكي عن عادل الذي يُمضي صيفا استثنائيا مع أصدقائه في المغرب عام 2004، بانتظار دورة الألعاب الأولمبية لمَثله الأعلى العدّاء هشام الكروج. لكنّ وصول والده وأخيه الأكبر من فرنسا لتمضية أيام في المغرب يترك أثرا لا ينمحي في حياته.

أما في فيلمه الروائي الأول “العودة إلى بولين” (2018) فنرى نسيم ابن الثلاثين عاما، وهو يعيش في أبو ظبي مع خطيبته الأمريكية، وبعد عدة سنوات من الغياب، يعود معها إلى مكان نشأته بولين في جنوب شرق فرنسا. وهناك يواجه ماضيه ومدينته المنكوبة، التي تحكمها الآن عصابات، وعائلته التي لديه معها علاقات معقدة، وهذا الأب الذي لم يعد يتحدث إليه.

ومن شاهد الفيلمين، يتوقع من المخرج فيلما روائيا ثانيا متينا مليئا بالحنين والشجن، متقشفا قليل الكلام، يتساءل عن مضمون مشابه حول الهجرة والمهاجرين، وعن علاقات معقدة تربطهم بماضيهم وأرضهم وأهلهم، وعن مشاق حياة جديدة وصعوبات تأقلم.

وقد قدّم لنا على نفس المنوال العميق النابش عن أوجاع الهجرة فيلمه الجديد الذي أخرجه وكتبه بنفسه، وهو فيلم “البحر البعيد” (La Mer Au Loin)، وقد شارك في قسم “عروض خاصة” بـ”أسبوع النقاد” في الدورة الـ77 من مهرجان كان السينمائي (14-25 أيار/ مايو 2024).

البحر البعيد.. تساؤلات المصير المنتظر في مرسيليا

لم يخرج المخرج سعيد حميش كثيرا عن قضاياه المعتادة في فيلم “البحر البعيد”، فما زال هاجسه هذا المحيط الذي يعرفه، ربما أكثر من غيره، وهذه الشخصيات التي تتقاطع مصائرها مع كل مهاجر انفصل عن جذوره، وسواء تأقلم أم لم يفعل فإنه مسكون بحنين تكون الموسيقى أحيانا ملجأً يسكّن أوجاعه إن لم يزدها.

بوستر الفيلم والبطل نور الدين يتأمل البحر البعيد

على وقع موسيقى الراي وكلماتها المعبرة المتوافقة مع المشهد، يسير فيلم “البحر البعيد”، وهو البحر الذي يتأمله نور الدين (الممثل المغربي أيوب كريطع) وهو على سطح قارب يقترب من مدينة مرسيليا عام 1990.

مشهد أول تعبّر نظرات صاحبه عن تساؤلات حول مصير منتظر، وقلق لا تبدده شمس ساطعة ولا بحر هادئ، ويشق القارب طريقه بسرعة ترسم إيقاعا يرافق الأحداث الكثيرة الصغيرة والكبيرة التي ستحدد حياة نور الدين.

عصابة الطائشين.. لحظات المتعة التي تسبق الكارثة

يشكل نور الدين مع عشيقته الفرنسية البرجوازية عصابة، ومعهما صديقان جزائريان وصديقة مغربية لأحدهما، فيصبحون جميعا عصابة مكونة من شباب طائش متهور، يسرق في المساء، ويبيع المسروقات في النهار، ويقضي الليل بالسهر في حانات عربية بمرسيليا، راقصين على وقع موسيقى الراي التي تذكرهم بالبلاد. لكن هذا لن يدوم طويلا.

ثم يتابع الفيلم تحولات شخصياته التي تفرضها عليهم الحياة، فهؤلاء الذين يأخذون الأمور بخفة الشباب سيُواجهون بالقوانين والشرطة والانتقام، وسيصادفون شخصيات غامضة وأجواء عنصرية، وكلّ ما يحيل حياتهم إلى جحيم.

لكن الترحيل لن يمس نور كما حصل مع صديقه الجزائري، بل إن مفوض الشرطة “سيرج” أحرق جواز سفره، وقد أراد مساعدته مبررا ذلك بأن القدر وضعه في طريقه مرتين، وفي هذا إشارة.

وسيشكّل لقاء نور مع الشرطي (الممثل غريغوار كولان) وزوجته “نويمي” (الممثلة آنا موغلالي) تحولا في حياته، فمع أنه لم يستجب لميل الرجل له، فقد بقي صديقا مقرّبا للعائلة.

“أتحبني أم تتزوجني لأجل الأوراق؟”.. علاقات غامضة

تتسم العلاقات جميعا في فيلم “البحر البعيد” بتعقيد وتحولات متتابعة، فتبدو وقد شابها الغموض والتردد والبعد عن البساطة. وفي هذا تتجلى قوة الفيلم الذي يعطي جسدا وروحا لشخصياته من خلال تبدلاتها وتشابك نواياها.

ولا تبدو تلك الشخصيات على خفتها وبساطتها إلا في البداية مع بهجة الشباب وتفتحه على الحياة، وتلك الصداقة التي ربطت بين أفراد المجموعة، لكن ما بدا واضحا مؤكدا في مستهل الفيلم، ستتبدى هشاشته وعدم استقراره فيما بعد، وستتفكك كل الأواصر مع ما ستفرضه الحياة، ولن تبقى هناك إلا علاقة متباعدة تجمع بين نور والجزائري والمغربية.

بطلا فيلم “البحر البعيد” نور الدين ونويمي في مهرجان كان 77 للعام 2024

تتجاور علاقات الصداقة في الفيلم، مع علاقات حبّ وزواج يشوبها غموض وارتباك في المشاعر، إنه حبّ أيام الشباب الذي لا يدوم، وإن دام فستقضي عليه المصالح، فثمة صديق سيتزوج فرنسية عربية لنيل أوراق الإقامة، متخليّا عن حبيبته السابقة، وهي الشابة الفرنسية التي سيجبرها أهلها على ترك نور لخروجه عن القانون.

وهناك أيضا العلاقة التي ستربط نور فيما بعد مع زوجة مفتش الشرطة بارتباكاتها وتعقيداتها، ويدل عليها مشهد تسأله فيه: أتحبني أم تتزوجني لأجل الأوراق؟

رسم الشخصيات.. سيناريو يرصد سيرة الحياة المتقلبة

هذه العلاقات التي تتشابك فيها النيات ويحيط بها الغموض، لا سيما لدى الشخصية الرئيسية، تجعل نور إنسانا حائرا أحيانا وتعيسا بل ضائعا، ويتجسد هذا على أشدّه حين عودته لبلده المغرب فخورا وفرحا في البداية، تعيسا في نهايتها.

فبعد منحه الجنسية الفرنسية عاد إلى المغرب، لتقديم زوجته وابنها لعائلته التقليدية، لكن هذا اللقاء سيجعله هو نفسه يشكّك في نياته الحقيقية تجاه هذا الزواج، وهذا ما تفنن الفيلم بإظهاره إخراجيا والعمل عليه في سيناريو عميق وغني كتبه المخرج سعيد حميش أيضا.

المخرج سعيد حميش بن العربي في أسبوع النقاد الـ63 في كان 2024

يرسم الفيلم بأجزائه الأربعة سيرة حياة بكل تقلباتها، فيقترب من شخصياته بتقسيم الفيلم إلى أربعة أقسام، فيبدأ مع نور عام 1990 حين وصوله لفرنسا، ثم يخصص العنوان الثاني لمفتش الشرطة “سيرج” 1992، والثالث للسكير الشاذ 1996، ثم في الختام زوجته نويمي 1998. ويجعل شخصياته قريبة من الواقع، بتلوّنها وغناها وتعدد مستوياتها.

ولعل شخصية الصديق الجزائري (الممثل عمر بولعكيربة) أكثرها قربا وإثارة للتعاطف والشجن، لما يعيشه من وحدة مؤلمة، تخفف حدّتها -وربما تزيدها شجنا- موسيقى الراي، فهي ملاذه الوحيد لنسيان عائلة لم تعد تعني له شيئا في الجزائر، ولم يعد يعني لها شيئا بسبب البعد.

أحاديث الأم القاسية.. صوت الألم القادم من أرض الوطن

وقد أحاط السيناريو بكثير من المشاعر التي تُنهك المهاجر، بإظهاره -ولو في لمحات موجزة- علاقة إنسان ترك كل شيء خلفه، أرضا وعائلة، فيبرز ما يعانيه نور في كل مرة يحادث فيها أُمّا لا تدرك إلا ما يصلها من إشاعات حول ابنها، فتزيد آلامه بمواقفها.

فريق فيلم “البحر البعيد”

لم تكن الأم إلا صوتا يأتي من سماعة الهاتف في معظم مشاهد الفيلم، ولكنها حين ظهرت خلال زيارة نور وعائلته بيت العائلة في المغرب، بدت أشد قسوة عليه، لزواجه من أرملة أجنبية.

ولا يهتم الفيلم بإبراز الحياد في قصته، فمع أنه ترك مسافة صائبة مع أحاسيس أبطاله على قوتها، فإنه يتعاطف مع بطله أمام ما يواجهه من ردود فعل قاسية.

“الفيلم اختارني أكثر مما اخترته”

لا يسعى فيلم “البحر البعيد” لتركيز الإدانة على طرف واحد، فقد أبدى كثيرا من عنصرية الفرنسيين والإيطاليين (أهل سيرج) تجاه العرب والنظرة النمطية لهم، لكنه لم يتردد في إبداء عنصرية الطرف الآخر، ولعل أشدها تعبيرا وصدما كلمات الأمّ عن الزوجة.

نور الدين ونويمي في موعد غرامي في فيلم “البحر البعيد”

كما يبدي الفيلم بمهارة ورهافة هذه الخيوط التي تبدأ بالانقطاع بين أطراف كانت حتى وقت قريب مترابطة، وهذا الحزن الذي يعيش فيه البعض، حتى أن منهم من يحبه ويركن إليه.

إنه فيلمٌ مؤثّر، يُثير انطباعات حادة تارة، ورقيقة تارة أخرى، وينظر للمهاجر بوصفه إنسانا، فلا يصوره حالة بائسة فحسب.

وقد قال مخرج الفيلم المغربي الفرنسي سعيد حميش بن العربي في لقائه مع جمهور مهرجان كان: “الفيلم اختارني أكثر مما اخترته”.