مهرجان كارلوفي فاري الـ58.. مائدة سينمائية غنية وحضور عربي يعبق برائحة فلسطين

تترافق العودة إلى مهرجان “كارلوفي فاري” السينمائي الدولي بمشاعر ترقبٍ متلهف لبرنامج حافل غنيّ يتميز بما لا يتوفر في مهرجانات أخرى. فلكل مهرجان خصائصه المكانية والفيلمية.

فمدينة كارلوفي فاري التشيكية مدينة سياحية بامتياز، تزدحم أمكنتها بالقادمين للاستفادة من مياهها المعدنية الطبيعية وجمال طبيعتها ومعمارها، والمهتمين بأكبر مهرجان سينمائي في جمهورية التشيك وأعرق مهرجان من نوعه في أوروبا الوسطى والشرقية، وتبعد المدينة 130 كم عن براغ العاصمة.

أُسس مهرجان كارلوفي فاري عام 1946، وهو ثاني مهرجان سينمائي في أوروبا، ويعدّ اليوم أحد أهم الأحداث الثقافية في المنطقة، ومعرفا مهما بأفلامها عامة والأفلام التشيكية خاصة، وهنا إحدى ميزاته الأهم التي يضاف إليها توفر جمهور لا يضاهى، يقبل على معظم الأفلام، فقد حافظ المهرجان منذ زمن طويل على سمعته، بوصفه تجمعا غير رسمي لمحبي السينما، ولاستضافته بانتظام صانعي الأفلام من المشهورين والمهمين أو من الأجيال الجديدة.

“الموتى لا يؤذون”.. الأمريكي “فيغو مورتنسن” يتسلم جائزة رئيس المهرجان

أقيمت الدورة الـ58 من المهرجان هذا العام ما بين 28 حزيران/ يونيو إلى 6 تموز/ يوليو 2024. وقد شهد حركة في كل صوب، كلّ حسب مسعاه، من جمهور للفن السابع أو لنجومه، ومن صحافيين وضيوف وفنانين وفضوليين متجمعين أمام السجادة الحمراء بانتظار وصول نجم ما محلي أو عالمي لتقديم فيلم، أو نيل جائزة “كريستال غلوب” (الكرة البلورية) التي تمنح لشخصية ما رائدة في السينما العالمية لما قدمته من مساهمة فنية متميزة رائدة فيها، لممثلين أو صانعي أفلام كان لأعمالهم الملهمة تأثيرها في الفن السابع.

بوستر فيلم “الموتى لا يؤذون”

وقد تسلّم هذا العام الممثل والمنتج والمخرج الأمريكي “فيغو مورتنسن” بطل “سيد الخواتم”، جائزة رئيس المهرجان خلال حفل الافتتاح، وكان الجمهور الكثيف على موعد معه أيضا لتقديم “الموتى لا يؤذون” (The Dead don’t Hurt)، الذي أخرجه وكتبه ومثّل فيه.

يمزج “مورتنسن” بين الوداعة والخشونة في تعامله مع أفلام الغرب الأمريكي (الويسترن)، مع إخراج كلاسيكي ظاهر في ملصق الفيلم، لكن ابتعد عن الأسلوب المتأصل لأفلام هذا النوع، فكان يأخذ وقته لالتقاط مشاعر أبطاله في قصة حبّ تدور في الغرب سنوات 1860.

مهرجان “كارلوفي فاري” السينمائي الدولي الـ58 في جمهورية التشيك 2024

ويوجه تحية للمرأة الذكية والقوية والمتمردة في عصر سادته أجواء ذكورية بحتة، فحين تشتعل حرب الانفصال الأمريكية يفترق العاشقان، وتبقى المرأة وحيدة في مواجهة عمدة فاسد ومالك أراضٍ غني يراودها.

“الرأس الأسود”.. الفيلم العربي الوحيد في المسابقة

هناك مسابقتان رئيسيتان لأفلام روائية ووثائقية طويلة تُعرض أول مرة عالميا أو دوليا. الأولى “الكرة البلورية”، والثانية مسابقة “بروكسيما”، فالأولى إنما توجه اهتماما خاصا إلى السينما المعاصرة مع مجموعة من الاكتشافات المستقبلية والمثيرة، بحيث توفر مساحة للأصوات الجديدة في العالم من مختلف الأطياف السينمائية.

ويعرض في كل مسابقة 12 فيلما، ونلاحظ أن 8 أفلام من المسابقتين آتية من دول شرق أوروبا؛ كرواتيا وسلوفاكيا والتشيك وجورجيا وبلغاريا، و6 من آسيا؛ اليابان وسنغافورة وتركيا والهند والصين، وأما الباقي فمن دول الغرب الأوروبي أساسا.

ضمن مسابقة “الكرة البلورية” يتسابق فيلم “الرأس الأسود” للكاتب والمخرج المغربي الفرنسي عبد الله الطايع

وضمن هذه الأفلام المتسابقة لا نجد إلا فيلما عربيا واحدا هو “الرأس الأسود” (Cabo Negro) لعبد الله الطايع، وهو مخرج وكاتب مغربي فرنسي، ويتناول الفيلم حقبة الشباب التي تبدو خالية من الهموم، عبر حكاية وصول سندس وجعفر إلى قصر فاخر في منتجع “كابو نيغرو”، كان قد استأجره صديق جعفر، وكان يفترض أن يلحق بهما، لكن ذلك لم يقع.

ومع تعسر الوصول إليه بدا أنهما تُركا بمفردهما، فيقرران -مع وضعهما المالي والشخصي غير المؤكد- أن يستمتعا بإجازتهما بقدر ما تسمح به الظروف، لتكون المناسبة فرصة للتفكير في علاقاتهما مع الوطن والمستقبل، الذي يبدو بعيدا جدا هنا على الشاطئ المشمس.

“في أرض الإخوة”.. لجوء الأفغان العابر إلى جيل الأحفاد

يقدم قسم “عروض خاصة” عشرة أفلام، 6 منها تشيكية و4 من الأفلام العالمية التي تُعرض عرضها الأول، ويهتم أحدها بمشكلة عامة تمسّ منطقة الشرق الأوسط وأحداثها الملتهبة التي لا تنتهي.

وهنا، يتعلق الأمر باللاجئين الأفغان في إيران، فقد أدى الغزو السوفياتي لأفغانستان إلى فرار أعداد كبيرة من الأفغان إلى إيران المجاورة، فكانت “أرض الأخوة” لديهم، لتقارب العادات ووحدة اللغة، وكانوا يأملون أن يجدوا موطنا جديدا هناك.

لكن حلم التعايش الأخوي سرعان ما تلاشى، ولم يساوهم القانون الإيراني مع الإيرانيين، لذلك فحتى أحفاد اللاجئين الأوائل ما زالوا إلى اليوم يتحملون عبء اللجوء.

فيلم “في أرض الإخوة” أول فيلم روائي طويل للمخرج علي رضا قاسمي ورها أمير فاضلي، يعاين حياة عائلة أفغانية لم تشعر قطّ بأنها في وطنها على هذه الأرض التي لجأت إليها.

“باي باي طبرية”.. قصة أربعة أجيال من النساء في فلسطين

تحضر الأفلام العربية أكثر في قسم “آفاق” الذي يتيح مجموعة مختارة من أبرز الأفلام المعاصرة، وهي أربعة أفلام، من ضمنها فيلم لينا سويلم “باي باي طبرية” الوثائقي.

يثير الفيلم إعجاب المبرمجين والجمهور، لما يتضمن من سرد حساس ومؤثر لعلاقة أم فلسطينية (الممثلة الفلسطينية الفرنسية هيام عباس) مع ابنتها المخرجة لينا، وهي علاقة قامت منذ البداية على حبّ وارتباط من نوع خاص بأرض وعائلة لم يستطع تاريخ معقد أن ينالا منهما.

ففي سرد تلقائي وحميمي، تعرّف المخرجة بتاريخ أمها منذ قرارها وهي ابنة 23 عاما أن تغادر قريتها في فلسطين لمتابعة مهنة التمثيل، لكنها لم تنقطع قط عن زيارة فلسطين.

وهي تعود إليها هذه المرة بعد عدة عقود، برفقة ابنتها لينا، لسرد حكاية عائلة وأربعة أجيال من النساء، ولتروي من خلالهن قصة فلسطين، وأواصر لا تنقطع مع أهل وشعب وأرض.

“لا أرض أخرى”.. فيلم من الأرض المحتلة أحدث ضجة عالمية

هناك فيلم فلسطيني آخر يلف المهرجانات بعد نجاحه في مهرجان برلين 2024، وفوزه بجائزة الجمهور، وجائزة أفضل فيلم وثائقي، يعرض للعالم أجمع على نحو فعّال ادعاءات دولة محتلة، وقمعها واستهانتها بكل القوانين.

في فيلم “لا أرض أخرى” يتشارك الفلسطيني باسل عدرة والإسرائيلي “يوفال آبراهام”، في توثيق جرائم إسرائيل ومحاولاتها التي لا تتوقف لطرد الفلسطينيين من الضفة الغربية.

في فيلم “لا أرض أخرى” يتشارك المخرج الفلسطيني باسل عدرة مع آخر إسرائيلي في توثيق جرائم اسرائيل

تنحدر عائلة باسل من مسافر يطا، وهي عبارة عن مجموعة من حوالي عشرين قرية صغيرة جنوب مدينة الخليل، تقاتل كل يوم من أجل الحق في الوجود، ولا يعرف سكانها هل ستأتي الجرافة لتدمير منازلهم غدا.

في هذه الشهادة السينمائية الفريدة، ينضم إلى باسل الناشط “يوفال” الإسرائيلي، فيتحد الاثنان في معركتهما ضد الظلم، مع فارق لا يمكن إلا أن يترك أثره على علاقتهما، فبينما يعيش أحدهما حرا في دولة الاحتلال، يعيش الآخر تحت الاحتلال العسكري.

“ماء العين”.. فيلم تونسي يفيض بالحنان والقسوة

يحضر في قسم “آفاق” فيلم “ماء العين” للتونسية مريم الجبور، وهو أول فيلم روائي طويل لها، بعد ثلاثة أفلام قصيرة، ويمثل عملا مشغولا بلغة بصرية جميلة مبنية على عناصر واقعية بأسلوب سحري.

يفيض “ماء العين” بالحنان والحبّ والقسوة والمعاناة، ويدور حول عائلة تونسية قروية، تنقلب حياتها بعد التحاق ابنيها الكبيرين بتنظيم داعش.

مشهد من فيلم “ماء العين” للتونسية مريم الجبور

يعتني الفيلم بالمشاعر المتباينة والرابطة العميقة الغريزية بين أم وابنها، وبين زوجين يواجهان خطرا وجوديا. وفي حوار عميق وسرد لا يهمل تفاصيل الحياة اليومية في المزرعة، يرسم الفيلم بمهارة مأساة عائلية تنتهي بمأساة أكبر، مع أن محوره الرئيسي منصب على عودة الابن الضال، ومعه زوجة غريبة الأطوار.

“تحت”.. فيلم فلسطيني عفوي يبطن رسالة سياسية عميقة

تحضر فلسطين أيضا في فيلم قصير يُعرض ضمن قسم “تخيّل”، وهو قسم مكرّس للأفلام ذات النهج المبتكر في السرد والأسلوب.

يقدم المخرج الفلسطيني كمال الجعفري فيلمه القصير “تحت”، مستعينا بمواد أرشيفية وكاميرا تعود إلى الأماكن نفسها، لمستوطنات بشرية، ومناظر طبيعية، وأطفال يلعبون، واستحواذ على مواقع أثرية، وحجارة ملقاة منذ آلاف السنين في الصحراء، في لقطات تبدو غير سياسية، ولكنها تحمل -بحسب تقديم المهرجان للفيلم- رسالة سياسية واضحة في ضوء الاقتلاع المستمر للفلسطينيين.

كاميرا فيلم “تحت” تعود إلى مواقع أثرية، وحجارة ملقاة منذ آلاف السنين في الصحراء

فسكون المكان ستعكره انفجارات على الأرض وفي البحر تمهد الطريق لمدن جديدة بأسماء جديدة، وغابات جديدة.

إحياء الزمن الجميل.. تكريم لأيقونات السينما العالمية

في المهرجان أقسام أخرى، منها فيلم “من الماضي” الذي يعرض الأفلام الكلاسيكية والشهيرة والنادرة، في نسختها الأصلية أو المرممة، منها فيلم “الفتاتان الإنجليزيتان والقارة” (Les deux Anglaises et le continent)، للمخرج “فرانسوا تريفو” صانع الموجة الفرنسية الجديدة في السينما.

كما يعرض الفيلم الوثائقي “فرانسوا تريفو.. قصة حياتي” (François Truffaut, le scénario de ma vie) للمخرج “ديفيد تيبول”، وهو يستخدم ثروة من المواد البكر عن حياة “تريفو” في المجال الشخصي والفني، وذلك بمناسبة مرور 40 عاما على رحيله.

وفي استعداداته المهمة لهذا العام، يخصص المهرجان قسما بعنوان “كافكا والسينما”، وذلك بمناسبة مرور 100 عام على ولادة الكاتب التشيكي “فرانز كافكا”، وستُعرض أفلام أخذت من رواياته ثم رُممت، وعددها 13 فيلما طويلا، و4 أفلام متوسطة الطول، و5 أفلام قصيرة، تعكس مدى تأثير هذا الكاتب في عباقرة السينما العالمية، ومنهم “أورسون ويلز” و”دافيد لينش”.