“دوك-لاب” و”إدفا”: إعادة تعريف السرد الوثائقي رقميا — المشاهد شريكا لا متلقيا

فعالية من برنامج "دوك-لاب" الذي ينظمه مهرجان "إدفا" للأفلام الوثائقية؛ مساحة ابتكار تستكشف الحدود الجديدة للسرد التفاعلي والرقمي، وتمنح صناع الوثائقي منصة للتجريب، وتطوير الأعمال الغامرة التي تعيد تعريف علاقة المشاهد بالصورة والواقع

في قلب أمستردام، حيث تتعانق القنوات المائية مع الجسور التاريخية، تتشكّل ثورة هادئة في عالم السرد الوثائقي. فمنذ عام 2007، يشكل برنامج “دوك-لاب” (DocLab) منصة استثنائية لاستكشاف المناطق الحدودية بين الوثائقي والتقنية، بين الحكاية الكلاسيكية والتجربة التفاعلية الغامرة.

أعلام مهرجان أمستردام الدولي للأفلام الوثائقية “إدفا” ترفرف في شوارع أمستردام الهولندية، في مشهد بصري يعلن حضور إحدى أهم تظاهرات السينما الوثائقية في العالم. (صور غيتي).

هذا المصطلح مركّب من كلمتي (Documentary) و(Laboratory)، ويعني “مختبر الوثائقي“. هنا لم يعد الفيلم الوثائقي مجرد شاشة مستطيلة تُعرَض عليها قصة خطية؛ بل أصبح فضاء حيا يدخل إليه المشاهد بجسده وحواسه، ليصبح جزءا من النسيج السردي.

ضمن فعاليات مهرجان أمستردام الدولي للأفلام الوثائقية “إدفا”، يصبح برنامج “دوك-لاب” من أكثر المنصات ابتكارا في إعادة تعريف الفيلم الوثائقي في العصر الرقمي. لا يقتصر الأمر هنا على مشاهدة شاشة تُعرض عليها قصة، بل يصبح الفيلم الوثائقي فضاء غامرا يدخل إليه المشاهد بجسده وحواسه، ليصبح طرفا فاعلا في التجربة السردية لا متلقيا سلبيا

يطرح “دوك-لاب” سؤالا محوريا: ماذا لو تجاوزنا حدود الشاشة؟ ماذا لو أصبح الوثائقي تجربة نعيشها بدل أن نراقبها من الخارج؟

يعيد البرنامج صياغة العلاقة بين الحقيقة والتمثيل، وبين الذاكرة والتجربة، وبين الفردي والجماعي، وذلك بتوظيف الواقع الافتراضي، والواقع المعزز، والذكاء الاصطناعي، والتركيبات التفاعلية.

من الشاشة إلى الفضاء: تطور السرد الوثائقي

لطالما كان الفيلم الوثائقي مرآة للواقع، وأداة لحفظ الذاكرة وتوثيق الحقيقة، فمنذ أيام  المخرج الأمريكي “روبرت فلاهرتي” وفيلمه البارز “نانوك الشمال” (Nanook of the North) الذي عُرض عام 1922، ورسخ اسمه “أبا السينما الوثائقية” في العالم، مرورا بسينما الحقيقة والسينما المباشرة، ظلت الكاميرا عينا راصدة لما يجري أمامها.

تكمن أهمية فيلم “نانوك الشمال” (Nanook of the North) في أنه أول فيلم وثائقي طويل في التاريخ، وقد أنتج عام 1922، ووثق حياة شعب الإنويت في شمال كندا، وقدم للجمهور العالمي أول مرة نظرة واقعية على ثقافتهم وصراعهم للحياة في بيئة قاسية. يُعد الفيلم مؤسسا لنوع الأفلام الوثائقية الحديثة وفتح الباب أمام استكشاف وتصوير حياة الشعوب والثقافات في أماكن قصية

لكن مع الثورة الرقمية، بدأ هذا النموذج الكلاسيكي يتصدع تدريجيا، وراح الوثائقي يبحث عن أشكال جديدة للسرد، تتجاوز حدود الشاشة، وتعيد تعريف العلاقة بين الصورة والحقيقة والجمهور.

هنا يظهر دور “دوك-لاب” مختبرا للتجريب وتوسيع الحدود، فالبرنامج لا يرفض السينما الوثائقية التقليدية، بل يوسع حدودها لكنه يسأل:

كيف يمكن للواقع الافتراضي أن يخلق تعاطفا أعمق مع تجربة اللاجئين؟

كيف يعيد الذكاء الاصطناعي بناء ذاكرة جماعية من أرشيفات منسية؟

كيف تكشف التجارب التفاعلية حقائق تتجاوز ما تلتقطه الكاميرا؟

في “دوك-لاب” يصبح المشاهد جزءا من التجربة لا متفرجا فقط. تضع نظارة الواقع الافتراضي، وتجلس في تركيب ضوئي بسيط، يحدد مجال الحركة ويضمن السلامة. يدير المشرف التجربة ويشرح تأثير اختياراتك في تسلسل المشاهد. معظم الجلسات قصيرة بين 5-10 دقائق، لكن أثرها المعرفي يستمر أطول، لأنها تعطيك إحساسا مباشرا بوجهة نظر القضية المعروضة

تجارب “دوك-لاب”: بين الواقع الافتراضي والذكاء الاصطناعي

يقدم “دوك-لاب” سنويا عشرات المشاريع الشجاعة بصريا وتقنيا:

الواقع الافتراضي (VR):
حين تضع نظارة الواقع الافتراضي تجد نفسك داخل غرفة في سوريا أثناء القصف، أو في غابات الأمازون المهددة، فلم تعد متفرجا، بل شاهدا من الداخل.
إنه ما يسمّى “التعاطف المجسّد”، وهو مستوى جديد من التفاعل لم تكن السينما قادرة على بلوغه من قبل.

الذكاء الاصطناعي

من جهة أخرى، تظهر مشاريع توظف الذكاء الاصطناعي في إعادة تركيب الحكايات، انطلاقا من البيانات والأرشيفات. تخيل خوارزمية تتغذى على آلاف المقابلات مع ناجين من الهولوكوست، ثم تتيح لك محاورتهم بعد رحيلهم جسديا.

هل نكون عندها أمام صون للذاكرة أم ابتكار نسخة رقمية بديلة عنها؟ هل نحفظ جوهر الإنسانية أم نغامر باتخاذ كيان مصطنع بديلا له؟ هذه الأسئلة الأخلاقية والفلسفية تقف في صميم تجربة “دوك-لاب”.

عمل تركيبي يعتمد إسقاطات بانورامية وحوسبة فورية لحركة الحشود. مثل هذه الأعمال في “دوك-لاب” تمزج بين الفن وعلوم البيانات، لتعيد تقديم الفضاء العام في حكاية متغيرة. يتعلم الزائر كيف تصبح الصورة الملونة الجميلة معلومات عن السلوك والمرور والذاكرة الجماعية. هنا تبدأ أسئلة الخصوصية والأخلاقيات: من يملك البيانات، وكيف نحكي قصتها دون انتهاك أصحابها؟

التجارب التفاعلية

وفي مستوى آخر، تتغير القصة تبعا لحركة المشاهد وقراراته، وتأتي التركيبات التفاعلية التي تحول الجمهور من متفرجين إلى فاعلين وشركاء في السرد.

في بعض الأعمال، تغير حركتك وقراراتك مسار القصة نفسها، وفي أعمال أخرى تُبنى الحكاية على تفاعل مجموعة من المشاركين معا. هنا لم تعد السلطة السردية حكرا على المخرج وحده، بل أصبحت موزعة مرنة، فهي سرد ديمقراطي، تتشكل مع كل تجربة مشاهدة جديدة.

الحدود المتلاشية: بين الحقيقي والافتراضي

من أكثر جوانب “دوك-لاب” إثارة للاهتمام تساؤله المستمر حول طبيعة الحقيقة نفسها. في عصر الصور المزيفة العميقة والواقع المعزز، أين تنتهي الحقيقة ويبدأ الخيال؟ بعض أعمال “دوك-لاب” تستثمر هذا الغموض عمدا، لتقدم تجارب تمزج بين الوثائقي والخيالي، وبين الأرشيفي والمولَّد رقميا، وبين الذاكرة الشخصية والذاكرة الجماعية المعاد تركيبها.

لقطة من نسخة مبكرة لتجربة “العدو” (The Enemy) للتونسي كريم بن خليفة (2016)، تظهر المعدات الثقيلة نسبيا مقارنة باليوم. مع ذلك، كانت الفكرة واضحة، وهي إشراك الجسد كله في التلقي بسماعات معزولة تتبع حركة الرأس. مرّت التجربة بمتاحف ومهرجانات عالمية، وأصبحت مرجعا عن كيفية فتح الواقع الافتراضي حوارا أخلاقيا حسّاسا حول العدو، والصورة النمطية، وحدود التعاطف

في مشروع “العدو” (The Enemy) للمخرج كريم بن خليفة (2016)، يقف المشاهد وجها لوجه أمام مقاتلين من أطراف نزاع متعارضة، مجسدين على هيئة “هولوغرام” ثلاثي الأبعاد بالحجم الطبيعي. يسمع قصصهم، ينظر في عيونهم، وفجأة يكتشف أن “العدو” إنسان يشبهه أكثر مما يتخيل.

هذا النمط من التجربة الغامرة يحقق ما تعجز عنه آلاف الأفلام الوثائقية المعتادة، ألا وهو كسر جدار عدم المبالاة.

ملصق تجربة “العدو” (The Enemy) للمصور التونسي البلجيكي كريم بن خليفة، وهي من أهم أعمال الواقع الافتراضي التي قدمها “دوك-لاب”. تقف وجها لوجه مع مقاتلين من جبهات متنازعة، وتتعرف على حكاياتهم الإنسانية من دون صوت مذيع ولا تعليق أخلاقي مباشر. الفكرة أن حضورك الجسدي يصنع معنى جديدا للتوثيق، ويختبر حدود التعاطف والمسافة النقدية في آن واحد.

“دوك-لاب” وIDFA: علاقة تكاملية

لا يمكن الحديث عن “دوك-لاب” إلا بعد فهم علاقته بمهرجان أمستردام الدولي للأفلام الوثائقية “إدفا”، وهو من أعرق المهرجانات الوثائقية وأهمها في العالم.

تأسس عام 1988، وظل خلال عقود المنصة الأبرز لعرض ونقاش الأفلام الوثائقية القادمة من كل أنحاء العالم. لكن مع تحولات القرن الحادي والعشرين، أدركت إدارة المهرجان أن الوثائقي لم يعد يُختزل في شاشة مستطيلة، وأن المستقبل يفرض مساحة رحبة للتجريب وكسر الأطر المألوفة.

ليست أمستردام خلفية للمهرجان، بل هي جزء من تجربته. تتوزع مواقع “إدفا” و”دوك-لاب” بين قاعات وسط المدينة ومساحات عرض قريبة من القنوات والمتاحف، مما يسهل الحركة بالدراجة أو القطار. هذا القرب يسمح بتخطيط يوم مشاهدة مرن، يجمع بين فيلم تقليدي وتجربة غامرة ونقاش مهني. المدينة نفسها تصبح خريطة سردية تشبه القصص المعروضة

هكذا وُلد “دوك-لاب” عام 2007، وأصبح قسما خاصا في “إدفا”، مكرّسا للأشكال التفاعلية والتجريبية، فالعلاقة بينهما علاقة تكامل خالص، فبينما يحتفي المهرجان بالسينما الوثائقية الكلاسيكية ويحفظ تراثها، يستكشف “دوك-لاب” آفاقها المستقبلية.

يقدم “إدفا” الأفلام التي تروي قصصا عن العالم، في حين يقدّم “دوك-لاب” تجارب تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم نفسه.

يحتل “دوك-لاب” مساحة مميزة من المهرجان، ويُقام فيه معرض تفاعلي يستقبل آلاف الزوار، وهناك يستطيع المرء أن ينتقل من مشاهدة فيلم وثائقي تقليدي في إحدى القاعات، إلى خوض تجربة واقع افتراضي في “دوك-لاب”، ثم الالتحاق بنقاش فلسفي حول مستقبل السرد.

هذا التنوع يجعل “إدفا” ليس مجرد مهرجان، بل نظاما بيئيا كاملا للفيلم الوثائقي بكل تحولاته.

لوحة إعلانية لمهرجان أمستردام الدولي للأفلام الوثائقية “إدفا” أمام مسرح “دي كلاين كوميدي” في أمستردام الهولندية، إحدى العلامات البصرية المميزة التي تعلن انطلاق أضخم تظاهرة وثائقية في العالم

إلى جانب ذلك، يقدّم “دوك-لاب” برامج دعم وتمويل للمبدعين، منها (DocLab Spotlight) و(DocLab R&D)، اللذان يؤسسان جيلا جديدا من صناع الوثائقي التفاعلي.

نحو مستقبل جديد للسرد

ليست التقنية في حد ذاتها هي التي تجعل “دوك-لاب” ظاهرة فريدة، بل الأسئلة التي يطرحها حول دور الفن والسرد في عصر رقمي متسارع. فهل يمكن للتقنية أن تقرّبنا من بعضنا، أم أنها تعزلنا داخل فقاعات افتراضية؟

“ديب سوب” (2025) عمل فني/وثائقي تشاركي، يجمع بين التجريب البصري واستكشاف الجسد وقانون الجاذبية، أنجزه الثنائي “لونا ماورر” و”رويل ووترس”، وعُرض أول مرة في نوفمبر/ تشرين الثاني 2025 بمهرجان “إدفا” في أمستردام. يستقبل الفيلم مقاطع يرسلها المستخدمون من حركة المادّة في العالم الحقيقي، كالانكسار والتدحرج والسقوط، لتكوين “ذكاء غير إنساني” مبني على القوانين الفيزيائية، في محاولة لتحرير المشاهد من إدمان الشاشة، وإعادته إلى تجربة جسدية ومادية أكثر حضورا.

هل نستخدم الواقع الافتراضي لتوسيع تعاطفنا، أم للهروب من واقع لم نعد قادرين على مواجهته؟

هل يحفظ الذكاء الاصطناعي ذاكرتنا الجماعية، أم يحلّ محلها؟

يتلخص سؤال “دوك-لاب” الأكثر إلحاحا حول ما يضيفه الذكاء الاصطناعي للوثائقي، وما يهدده. فصناع الأعمال يستخدمونه في التفريغ والترجمة والبحث في الأرشيف، وأحيانا في توليد صور تفسيرية. لكن الفريق المنظم يضع نقاشات واضحة حول الشفافية وتجنب التضليل. المهم أن يبقى المشاهد قادرا على تمييز المصدر، وان لا تضيع الحقيقة خلف المؤثرات.

لا يقدم “دوك-لاب” إجابات قاطعة، بل يفتح مساحة للتجريب والتساؤل. في هذا العصر المشبَع بالمعلومات والصور، حيث تتآكل الحدود بين الحقيقة والزيف، يذكّرنا البرنامج بأن الوثائقي ليس مجرد تسجيل للواقع، بل هو فعل فلسفي وأخلاقي، ومحاولة دائمة لفهم العالم ومكاننا فيه.

في النهاية، ربما يكون أعظم إنجازات “دوك-لاب” أنه يبرهن أن الوثائقي حيّ متطوّر قادر على إعادة اختراع نفسه مع كل موجة تقنية جديدة. من الشاشة إلى الفضاء الرقمي الحي، من المشاهد إلى المشارك، من القصة المروية إلى التجربة المعايشة، هكذا يرسم “دوك-لاب” خريطة جديدة لمستقبل السرد الإنساني في القرن الحادي والعشرين.


إعلان