هل يهدد الفيلم القصير عرش الوثائقي التقليدي؟

الفيلم القصير يتيح مساحة للتجريب، لأنه شخصي بامتياز. كل قصة تفرض طريقة حكيها طويلة كانت أم قصيرة. يكون التصوير بلا خطة ولا سيناريو مسبق، ثم نشاهد ونقرر.

في ختام مهرجان أمستردام الدولي للفيلم الوثائقي “إدفا” في العاصمة الهولندية، كما في مفتتحه، أشادت مديرته الفنية الإسبانية “إيزابيل أراتي فيرنانديز” بأفلام الافتتاح القصيرة الثلاثة، وافتخرت بقرارها افتتاحه الأهم بهذا الشكل، بدلا من الافتتاح المعتاد بفيلم طويل.

هذا عام “إيزابيل أراتي فيرنانديز” الأول مديرة فنية للمهرجان، لكنها مرتبطة بالمؤسسة منذ زمن طويل، فقد شغلت أكثر من عقدين منصب المديرة التنفيذية لصندوق “إدفا برثا”، كما قادت قسم دعم صناع الافلام في “إدفا”.

تكون أجواء أمستردام في هذا الوقت من العام باردة جدا، تلامس درجات الحرارة فيها الصفر المئوي، بل تقل عنه أحيانا، لكنها لم تحجب وهج الأجواء المفعمة بالحرارة والحماس، التي واكبت استقبال أفلام الافتتاح الثلاثة، تدشينا لبرنامج حافل بأكثر من 250 فيلما، استمتع بها جمهور المهرجان على مدار نحو أسبوعين في دورة هذا العام.

اختتم مهرجان “إدفا” 2025 للأفلام الوثائقية فعالياته في 23 نوفمبر 2025، بعد عشرة أيام من الأنشطة التي انطلقت في 13 نوفمبر 2025. وقد أسدل المهرجان ستاره بحفل توزيع الجوائز، الذي أقيم في متحف “أي فيلم” في أمستردام، وشكل هذا الختام المحطة النهائية للدورة الـ38 من المهرجان.

الأفلام الثلاثة هي:

  • “بينما كنت أحتضر” (As I Lay Dying)، للمخرجَين الإيرانيين محمد رضا فرزاد، وبيغا أهانغاراني.
  • “ذاكرة متقاطعة” (Intersecting Memory)، للمخرجة الفلسطينية شيماء عواودة.
  • “سعادة” (happiness) للمخرج التركي فرات يوجيل.

كانت هذه الأفلام ضمن 18 فيلما قصيرا لمخرجين من عدة قارات، تبارت في فئة الفيلم القصير من مسابقة “إدفا” هذا العام، ثم حسمها فيلم “حقل مفتوح” (An Open Field)، للمخرج الجنوب أفريقي المعروف “تيبوهو إدكينز”، ولم تكن جائزة هذا العام جائزته الأولى، فقد نال من قبل عدة جوائز. 

حصد فيلم “حقل مفتوح” (An Open Field) للمخرج الجنوب أفريقي “تيبوهو إدكينز” جائزة إدفا هذا العام في فئة الفيلم القصير، فضمها إلى سجل جوائزه المميز (الجزيرة الوثائقية)

فماذا يعني قرار المديرة الفنية “إيزابيل أراتي فيرنانديز” افتتاح المهرجان بأفلام قصيرة؟، وهل نحن بصدد تحول في خريطة توزيع الفيلم الوثائقي عالميا لصالح الفيلم القصير، ولماذا يلجأ مخرج ما في التعبير عن فكرته لصيغة الفيلم القصير غير الجذاب تجاريا بدلا من صيغة الوثائقي المعتاد؟ وكيف يمول الصناع أعمالهم ويضمنون لها الاستقلالية والاستمرار؟

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

هذه الأسئلة طرحها موفد الجزيرة الوثائقية على ثلاثة من أهم مخرجي الأفلام القصيرة، ممن حضروا المهرجان، ومنهم اثنان من مخرجي أفلام الافتتاح الثلاثة، ضمن ندوة نقاشية في المهرجان حول الفيلم القصير ودوره بين التعبير الذاتي والتأثير السياسي.

يبدأ محمد رضا فرزاد -وهو مخرج وكاتب ومترجم وشاعر إيراني شهير- الحديث عن فيلمه “بينما كنت أحتضر” بكثير من الشاعرية والذاتية، فيقول: كنا كثيرين، ولكن عندما انتهى كل شيء، مضى كل منا إلى حال سبيله.

في فيلمه نرى لقطات من الحركة الخضراء، وهي موجة احتجاجات في إيران بدأت في صيف عام 2009، ردا على تزوير الانتخابات الرئاسية لصالح الرئيس آنذاك محمود أحمدي نجاد.

محمد رضا فرزاد، شاعر وأديب وصانع أفلام إيراني، تخصص في الأفلام القصيرة، وعُرض فيلمه “بينما كنت أحتضر” في افتتاح دورة “إدفا” 2025

لست خبيرا سياسيا ولا صحفيا استقصائيا، لكنني أعتمد على ذوقي، وعلى ما صورته من مواد، وأنصت لصوت ما صورته. لا شيء معد مسبقا فأنا أترك القصة تحكي نفسها كل مرة.

by محمد رضا فرزاد - أديب وصانع أفلام إيراني

عُرضت أفلام محمد رضا فرزاد في مهرجانات سينمائية دولية مرموقة، منها مهرجان برلين السينمائي الدولي، ومن أبرز أفلامه:

  • “لوم ونيران” (Blames and Flames) عام 2012.
  • “زفاف.. فيلم” (Wedding: A Film) عام 2015.
  • “المجموع” (Subtotals) عام 2022.
ملصق فيلم محمد رضا فرزاد “بينما كنت أحتضر” الذي يحكي فيه بلغة شاعرية قصة الاحتجاجات على الانتخابات الرئاسية الإيرانية عام 2009

وهو يقول: في أفلامي القصيرة أحب التعبير عن قصص الناس العاديين، فزاوية صغيرة مقربة أفضل عندي من لقطة واسعة. الناس تستحق أن تروي حكايتها. لا أنحاز سياسيا، لكنني أحب لغة الأدب في أفلامي. سعيي دوما هو كيف أعبر عن القصص السياسية أو الشخصية بمنظور سينمائي شخصي شاعري.

رحالة.. رحلة ذاتية عميقة للجين جو

بصور مجردة ونص مكتوب -جملة جملة- على شاشة العرض، تسوق  المخرجة لجين جو شهادتها على العنف الأسري جسديا ونفسيا، الذي شكّل طفولتها وطفولة أخواتها. شهادة ترويها امرأة تسترجع ذكريات متناثرة عن عقد من الإساءة التي عانينها، وكيف نجون منها.

بلقطات متتابعة وجمل مكتوبة نصيا على الشاشة، تحكي لجين جو قصة مؤثرة عن العنف الأسري، وكيف نجت وأخواتها منه بعد معاناة سنين كثيرة.

يظهر النص على الشاشة سطرا تلو آخر، لكنه لا يروي القصة كاملة، بل يكتفي بشذرات، ومقتطفات، وتشظيات متناثرة من قصة تصفها بأنها غير حزينة.

أحيانا، تصبح الصور فريدة للحظة، فمنها غيوم، وقمر، وقمم أشجار عند الغسق، وبحر، لكنها في أغلب الأحيان مجرد صور مجردة، التقطت على مدى 6 سنوات وفي عدة بلدان، وأصبحت لراويتها ملاذا، مكانا تتعايش فيه الكلمات والذاكرة المشوشة المجهولة، لكنها لا مهرب منها.

تستخدم لجين جو محيطها للتعبير عن تجربة ذاتية تأملية عميقة

فاز فيلم لجين جو القصير جدا “الحمار” بجوائز متعددة، وهي تقول: أفلامي وقصصي حركية تتفاعل مع نفسها ومع العالم. معظم قصصي هي مع المحيط حولي كالقمر، أتأمل تفاعلاتها لأصل للنتائج. نحن متباعدون ونعاني وحدنا من العزلة، لكن قصصي تسعى لنسج العلاقات، وبيان تأثير البعد السياسي عليها.

ترى لجين جو أن العبرة بنجاح الأفلام القصيرة ليست بعدد متابعيها، بل بقدر ما تحدثه من تأثير فيهم. ويكفيها أن يشاهد فيلمها 3 أفراد يشعرون بتغيير ما بعد المشاهدة

أنا من أشد الناس دفاعا عن الأفلام القصيرة، لي أفلام مدتها دقيقة أو اثنتان واستغرق إنتاجها مني شهرا أو شهرين. معظم أفلامي القصيرة استغرق 4-5 سنوات.

by جاي روزنبلات - مخرج أمريكي مخضرم

لماذا الفيلم القصير؟

يقول “جاي روزنبلات”، وهو مخرج أمريكي مخضرم متخصص في الفيلم القصير، وقد شارك في إخراج فيلم “نبضة” (Heartbeat)، إن الفيلم القصير يعطي مساحة ذاتية كبيرة للتعبير.

 

وعن جَسر الهوة بين الشخصي والسياسي يقول إن الشخصي سياسي بشكل ما. ويقول: فيلمي هو الأكثر شخصية، ففيه اثنان فقط أنا أحدهما. كان مخاطرة لحميميته الكبيرة. صورته قبل 25 عاما، ولم أعرضه إلا الآن. أفلامي سياسية من منظور اجتماعي شخصي.

فضيلة التجريب وغياب الخطة

يقول محمد رضا فرزاد إن سبب لجوئه لصيغة الفيلم القصير هو أن الظرف السياسي يفرض عليه أحيانا سرعة الإنجاز، لذا فإن الأفلام السياسية التي لا تواجه إلحاحا زمنيا قد يستغرق إنجازها وقتا، فعشر دقائق قد يستغرق إنجازها خمس سنوات.

وهو يقول: أنا أنتج أفلامي كأنني أكتب رواية، لست ممن يميل للأفلام الطويلة بتعقيداتها، بل الفيلم القصير يعطيني الحرية والتحرر من قالب الفيلم الطويل بحبكته وتفصيلاته.

الفيلم القصير يتيح لي التجريب، لأنه شخصي بامتياز. كل قصة تفرض طريقة حكيها طويلة كانت أم قصيرة. أصور بدون خطة ثم أشاهد وأقرر.

by محمد رضا فرزاد - أديب وصانع أفلام إيراني

المخرجون الثلاثة (من اليسار) محمد رضا فرزاد، ولجين جو، وجاي روزنبلات، في ندوة الفيلم القصير بين التجربة الذاتية والتأثير السياسي

تتفق لجين مع فكرة التجريب وتقول عن “رحالة”: لم تكن خطتي أن أنتج فيلما، لم تكن إلا أغنية ومقدمة موسيقية، وأصبحت بين يدي 12 دقيقة من الموسيقى، وحينها قررت أن أجعلها فيلما.

ثم تقول-ضاحكة-: لم أرغب في تعذيب الناس ساعة ونصفا، بسبب طبيعة الموضوع، لذا اكتفيت ببضع دقائق.

لم يكن “روزنبلات” استثناء، فهو يقول: لم تكن خطتي إنتاج أفلام قصيرة، فالأفلام القصيرة تمتاز بالتجريب في القالب والمدة والتقنية، والفيلم القصير قالب رائع، وفخور بافتتاح المهرجان بفيلم قصير، أنا من أشد الناس دفاعا عن الأفلام القصيرة، لي أفلام مدتها دقيقة أو اثنتان، واستغرق إنتاجها مني شهرا أو شهرين. معظم أفلامي القصيرة استغرق 4-5 سنوات.

مساحة الحرية وكسر النمطية

يقول فرزاد الذي أخرج 7 أفلام قصيرة، وكتب سيناريو 6 وأنتج واحدا: عندما أنتج فيلما قصيرا أكون نفسي. عندما تدفعنا الصناعة إلى فيلم طويل وأتلقى أسئلة من قبيل متى تنتج فيلما طويلا، أرد بأنهم لابد سيكبرون يوما.. فهم لا يزالون أطفالا -تضج القاعة بالضحك- أنا مقتنع تماما وراض تماما عما أنتجه من أفلام قصيرة.

تلتقط منه المخرجة اللبنانية طرف الخيط، وتقول إن الأسلوب الفني للأفلام القصيرة يعطيها مساحة الحرية للتعبير أفكارها بشكل أفضل.

وبالطريقة ذاتها يقول “رزونبلات” إنه يتخيل -في أفلامه- دائما حوارا مع الجمهور، بحيث يسعى إلى أن يبقيه مهتما طوال الوقت، مشيرا إلى أن تجميع المشاهد بعضها إلى بعض لبناء قصة هو فن أيضا، لكنه ينم عن كسل. أحاول أن أكون مجددا وخارجا عن المألوف. 

أنظر أحيانا لصورة أرشيفية فيشدني شيء ما وأستخدمها لإنتاج فيلم كامل لاحقا. لا أدري لماذا لكنني أفعل.

by جاي روزنبلات مخرج أمريكي

يرى المخرج الأمريكي أنه على عكس الفيلم الروائي الذي يكون فيه للكاتب دور كبير، فإن غياب السيناريو المسبق عند إنتاج الوثائقي القصير يمثل تحديا كبيرا، مما يعطي المونتير دورا بارزا.

لكن المخرج والشاعر الإيراني محمد رضا فرزاد يرى أن الوثائقي الإبداعي القصير إمكانياته بلا حدود. ويقول: الطريقة التي أرسم بها شخصيات أفلامي تمتعني. أستمتع بالوثائقي أكثر من الروائي.

نصب تذكاري للضحايا من فيلم “حقل مفتوح” الذي فاز بجائزة الفيلم القصير لهذا العام، ويحكي قصة رجل يذهب إلى موضع سقوط طائرة كانت تقل شقيقه فوق إثيوبيا، فيجد مشاعر الحزن ما زالت تخيم في المكان.

تحدي الموازنة

عندما سأل موفد الوثائقية المخرجين الثلاثة عن مستقبل الفيلم القصير في ظل هذه التحديات، وبخاصة بعد تدشين مهرجان “إدفا” به هذا العام، اتفقوا جميعا على وجود تحد مالي لا يمكن تجاهله.

ورأى “روزنبلات” أن الفيلم القصير يبقى مقيدا لكن وضعه يتحسن، ثم قال: لا أحد يهتم بفيلمك مثلك. إنه طفلك. ماليا لا يبدو الأمر جيدا، لكن لا بد من التعامل معه.. الشغف هو ما تحتاجه، برغم كل الصعوبات. أحيانا أعمل خلال عطلاتي، وأتمنى أن لا أموت قبل إتمام فيلمي.

ويتفق معه فرزاد، فيقول: ماليا الوضع صعب، لكن علي أن أواصل وأن أثق بنفسي وبمنهجي، وأوزع أفلامي جيدا أو أجد لها موزعا.

وردا على سؤال عن مكانة الفيلم الوثائقي القصير في المسقبل المنظور وهل يهدد عرش الوثائقي التقليدي، قال فرزاد إنه لا يظن الفيلم التقليدي مهددا، وإن الأمر سيستغرق وقتا قبل أن ينال الفيلم القصير مساحة أكبر.

أما لجين جو فترى أن الأفلام القصيرة لا تجلب المال. وتقول -ضاحكة-: عليك أن تجلب المال من مكان آخر.

وردا على سؤال عن مدى قدرتها على الاستمرار في الإنتاج إذا كان يرضيها أن يشاهد فيلمها اثنان أو ثلاثة فيتأثروا به، قالت: ربما علي أن أعمل في وظيفة أكسب منها المال لأوفر الميزانية لإنتاج أفلامي.

ثم تقول -باسمة- وهي تتبادل معي بطاقة التعريف عقب انتهاء الندوة،: كنت أود أن أركز على تأثير الفيلم القصير سياسيا، عوض الحديث بإسهاب عن المساحة الذاتية ومشكلات التمويل.


إعلان