متابعات

أفلام آسيوية بمهرجان الجونة.. صغار وكبار ومدن في مهبّ الريح

ندى الأزهري

كيف تتحول رحلة بحث عن حقيقة تاريخية إلى رحلة بحث عن أب وعن هويّة؟ أمام بحث يائس عن حقائق مؤكدة وعجز محبط أمام وقائع مشوشة وشهادات مرتبكة -إن لم تكن متحايلة بل كاذبة- يغيّر ”إبراهيم إلى أجل غير مُسمى“ مساره.

تطور منطقي في هذا الفيلم للفلسطينية السورية ”لينا العبد“ خلال سرد رحلتها للبحث عن حقيقة اختفاء والدها ”إبراهيم“، العضو السابق في ”جماعة أبو نضال“ الفلسطينية، وهو الفصيل الذي كان ”يعارض محاولات منظمة التحرير الفلسطينية تبنّي حلول أكثر سلمية للصراع مع إسرائيل“ كما تقول.

ترك هذا الاختفاء أثره على مسار حياة أفراد العائلة وعلى قراراتهم في الماضي والحاضر، وبات يشغل الابنة المخرجة.

ففي البدء تودّ لينا معرفة إن كان والدها قُتل، وإن تأكد الأمر فمن فعل وأين دفن؟ ثم أثناء تنقلها بين بلدان عربية وأجنبية عديدة، ومن عائلة إلى أخرى، ولقاءاتها مع مسؤولين سابقين في المنظمة، وأمام ما سمعته من قصص أسطورية وخيالية عن إبراهيم العبد والدها؛ تُدرك لينا أن معرفة الحقيقة أمر مستحيل، وأن عليها التأقلم مع هذا الغياب الغامض، مع رحيل أب لم تعرفه في حياته ولم يضف لها مماته إلا غموضا وارتباكا، حيث كانت لينا تبلغ السادسة من العمر عندما سافر والدها في مهمة ”نضالية“ قصيرة عام 1987 لم يعد منها أبدا.

هذا البحث عن ”الأب“ يتيح مصالحة مع الذات وراحة نفسية؛ لم تكن لينا ربما لتحصل عليها لولا إنجازها فيلما اعتمد فكرة الاختفاء والعثور؛ اختفاء الأب والعثور على الذات.

كان محبذا مع فكرة رائعة كتلك التركيز أكثر على الجزء الثاني منها وهو الأهم، والتخلص من تشتتٍ وكلام زائد ومواقف لم تُضف للفيلم، كتكرار آراء بعض المشاركين فيه، والتنقلات المستمرة في أماكن متفرقة زادت في غموض الاختفاء، لا سيما تجاه مشاهدين أجانب.

كان أجدى ربما التكثيف من البداية في التقصي والمقابلات لإدراك أن الحقيقة بعيدة بل ومدفونة وليست في المتناول، وأن تقرر لينا العبد في وقت أبكر مما فعلت الإبحار مع فيلمها في اتجاه آخر لمتابعة مدى تاثير ماضي والدها على هويتها، ومدى ملاحقته للعائلة إلى أجل غير مسمى.

”إبراهيم.. إلى أجل غير مسمّى“.. هذا هو الفيلم الوثائقي الثاني للمخرجة التي درست الصحافة في سوريا، وذلك بعد فيلمها ”دمشق.. قِبلتي الأولى“ (2013).

آسيوية عربية مُتنافسة

عُرض فيل ”إبراهيم.. إلى أجل غير مسمّى“ في مهرجان الجونة الأخير الذي انعقد في الفترة من 19 وحتى 27 سبتمبر/أيلول 2019، وتنافس في قسمين هما مسابقة الأفلام الوثائقية الرسمية، ومسابقة الأفلام المصنفة آسيوية غير الرسمية.

وتحضر الأفلام الآسيوية أكثر في المهرجانات الدولية بكل أنواعها الشهيرة والأقل شهرة، وذلك لأنها سينما تنفتح على عوالم جديدة بمواضيع جذابة وجماليات خاصة.

وتميزت الدورة الثالثة لمهرجان الجونة بعرض 17 فيلما آسيويا، وكانت هذه الـ17 ضمن أكثر من 80 فيلما في الاختيار الرسمي جاءت من أوروبا وأفريقيا وأمريكا، وتضمنت أفلاما وثائقية وروائية قصيرة وطويلة في كافة البرامج سواء أكانت مسابقات رسمية أم خارجها.

وبالنظر إلى تزايد الأفلام الآسيوية ورغبة المهرجان في تسليط الضوء عليها؛ قرر المنظمون هذا العام إشراك محكّمين من هيئة تطوير وتعزيز السينما الآسيوية ”نتباك“ لاختيار الفيلم الآسيوي الأفضل لهذه الدورة، واختير لهذا الغرض عشرة أفلام آسيوية من بين تلك التي تُعرض في كافة الأقسام للفوز بجائزة ”نتباك“.

وجاءت الأفلام المشاركة من أفغانستان (2) والصين (2) واليابان (2) وروسيا وكوريا الجنوبية، إضافة للدول العربية الآسيوية كفلسطين والأردن، وتوزعت بالتساوي بين الروائي والوثائقي.

”أرواح صغيرة“يرصد أطفال عائلة سورية لاجئة باحثة عن الأمان في مخيم الزعتري بالأردن

”أرواح صغيرة“.. شتات سوري في المخيم

ومن ضمن الأفلام العربية الأخرى التي تنافست في هذا القسم جاء الوثائقي ”أرواح صغيرة“ للأردنية الفلسطينية دينا ناصر، وهو عنوان معبر لفيلم يرصد أطفال عائلة سورية لاجئة باحثة عن الأمان في مخيم الزعتري بالأردن، حيث تابعت المخرجة خلال أربع سنوات تفاصيل حياة ”مروة“ التي كانت تبلغ حين وصولها المخيم تسع سنوات، وظلت تعتقد لأشهر أنهم سيغادرونه قريبا ويعودون إلى سوريا.

يوميات حياة الصغيرة وأخواتها التي تمثلت من خلالهم حياة كل لاجئ، ومشاركتهم في تأمين القوت اليومي كجلب الماء والطبخ، ومعاناتهم أمام برد قارس ووحل مُتجمع، وخيمة ليس بمقدورها مقاومة عواصف وأمطار، ثم تحولات مروة خلال أربع سنين وقصصها العاطفية حين تكبر وتتحول إلى شابة، لتكشف الأحداث عن عمق تأثير الحرب على فتاة صغيرة.

وعلى الرغم من مبالغة المخرجة أحيانا بتكرار تفاصيل صغيرة جدا لشخصيات فيلمها كخلافاتهم ومشاكساتهم وفرحهم وغضبهم وأكلهم، فإن اهتمامها بالمكان جاء صامتا عبر لقطات توحي بالكثير عن أجوائه وتركيبته دون تعليق عليها.

قصص ”الشتات“ التي اختارت المخرجة سردها في ”أرواح صغيرة“ هي قصص سبق وسمعتها من والدها ضحية نكبة 1948، ”فكل القصص التي حكاها لي صارت صورا أمامي هنا، شاهدتها بعيني“ كما تقول المخرجة وهي تسرد أجزاء من فيلمها.

لقد تواجدت المخرجة بصوتها في الفيلم وهي تحاور الصغار، وهي تروي إجراءات الحصول على الإذن بالتصوير، وهي تشرح تنقلات العائلة وهربها من واقع مُزرٍ إلى آخر خارج المخيم وداخله. في المخيم حيث لا حرب ولا سلم بل ترقّب وخوف، حيث لاجئون ”ليسوا في وطنهم سوريا، لكن سوريا دائما فيهم“.

”كابُل.. مدينة في مهب الريح“

كان الفيلم الفائز من ضمن الأفلام العشرة المشاركة كأفضل فيلم آسيوي في مسابقة ”نتباك“ في الجونة؛ أفغانيا ووثائقيا أيضا. فالسينما الوثائقية تبدو في أوجها هذه الأيام، فهي لا تهتم بالتوثيق الزماني والمكاني فحسب، بل تبحث عن متعة بصرية تُضيف للفيلم أبعادا أخاذّة.

نجد هذا البعد الجمالي والشعري للوثائقي أيضا كأفضل ما يكون في الفيلم الأفغاني ”كابُل.. مدينة في مهب الريح“ للمخرج أبو ذر أميني، حيث يأسرنا هذا الفيلم بشاعريته، ويستحوذ على قلوبنا بإنسانيته، كما ويمسّنا بواقعيته.

في البداية فضول من العنوان كابُل؛ المدينة التي لا نرى عادة وجوه أهلها ولا نسمع كلامهم، بل نشهد أجسادهم مُلقاة مبعثرة بعد تفجير هنا وإطلاق رصاص هناك، هل سنراهم أخيرا؟ نعم لكن كما لم نتوقع بهذا القدر من الواقعية، وهذا الاقتراب الشاعري من عوالمهم.

وعلى وقع تفجير انتحاري في كابل قضى على حياة 60 بريئا، يتابع الفيلم بخط متوازٍ حياة عائلتين تُحاول كل منهما رغم الصعاب أن تحيا حياة طبيعية في مدينة يعيش سكانها يوميا في ظروف لا تُحتمل. لا صور للتفجير، وإنما يفرض هذا التفجير نفسه في الفيلم عبر تعليقات الناس عليه ”فالرئيس طلب من الشعب الصلاة من أجل المطر، لكن ماذا عن العمليات الانتحارية؟“ يعلق أحدهم في المقهى أمام أصدقائه.

هناك عباس، لقد حاول كل ما أمكنه لتدبير حياته وعائلته، لكن لا مفرّ من حياة الشقاء في ”بلد قُطّاع الطرق هذا“ كما يصف أفغانستان.

في حافلته المُتهالكة التي صرف لشرائها كل ما يملك، تتابع العدسة وجه عباس الذي يبدو أكبر من عمره بالتعب المستقر على سِحنته والمكان الفارغ للعديد من أسنانه؛ وهو يلفّ أزقة المدينة الضيقة الموحلة أرضُها والمُغبرّة سماؤها، مدركا أن حال زبائنه من حاله، ”فالركاب الفاسدون لن يركبوا حافلة بائسة كحافلته“، وهي على أية حال تتوقف أكثر مما تَلُفُّ بسبب أعطالها.

مع وحول المدينة وهوائها المُغبرّ وعملياتها الانتحارية وبؤس سكانها وفقرهم؛ لا ينسى المخرج لحظات هناء ما في العائلة، حيث يلعب عباس مع طفلته المفضلة وبقية صغاره، أو يحاور زوجته.

يتنقل السرد بين عباس وبين العائلة الثانية التي تتكون من ثلاثة أشقاء صغار عليهم التعامل مع الحياة اليومية بمفردهم بعد سفر الأب (الجندي السابق) إلى إيران للعمل، فـ“أفشين“ الصغير الذي أصبح مسؤولا قبل الأوان في مدينة لا مكان فيها للطفولة عليه رعاية أشقائه، حيث يُطلون على بؤس المدينة من مسكنهم ويعايشونه يوميا. يعمل أفشين لجلب المال ويأخذ مكان والده ساعيا لتطبيق نصائحه.

في مدينة يُغطيها التراب وحرب لا تنتهي، يعكس الفيلم صورة حميمية لأبطاله دون مبالغة، ويستخدم أسلوبين متعاكسين في التصوير لا سيما مع الأطفال، فهو يلجأ في لقطات عدة لتصويرهم من الخلف لخلق مواقف طبيعية وحوار عفوي بينهم، حيث لا يحسّون بمتابعة الكاميرا لهم خلال حياتهم اليومية. وفي مشاهد أخرى يُجلسهم في مواجهة الكاميرا ليتحدثوا عن مشاعرهم وحياتهم في إلقاءٍ يبدو أقرب للشعر بنبرته الساحرة، حيث يقترب أحيانا من الصغير الذي يغني أحلامه، أو يحذّر قطته من الخروج حتى لا تقضي عليها الحرب في الخارج.

تحضر الأغنية في الفيلم عدة مرات لتزيد من هذه اللمسة الحزينة، ولتضفي نوعا من مأساوية قدريّة على سكان المدينة، فالجميع يُغني في كابل. وهذا المشهد الأخير لعازف يُغني أمام قبر ويعزف لأخ وُوري الثرى كان من أجمل ما يمكن تصويره في مقبرة ما.

عُرض أيضا في المسابقة فيلم آخر وثائقي أفغاني هو ”مسافر منتصف الليل“ لحسن فاضلي

”مسافر“ و“أمة الطفل الواحد“

عُرض أيضا في المسابقة فيلم آخر وثائقي أفغاني هو ”مسافر منتصف الليل“ لحسن فاضلي، وهو جزء من سيرة المخرج الذي حكمت عليه طالبان بالموت، فلا يملك خيارا إلّا أن يهرب مع زوجته وابنتيه الصغيرتين. ويُعطي هذا الوثائقي- الذي صوّره المخرج بثلاثة هواتف محمولة- عن النزوح طابعا إنسانيا لأزمة اللاجئين ومخاطرتهم بكل ما يملكون، وأول شيء بحياتهم في سبيل مستقبل آمن.

الفيلم الخامس كان للصيني ”أمّةُ الطفل الواحد“ لنان فو وانغ وجيالينغ جانغ، حيث يروي التأثيرات المدمرة لسياسة الطفل الواحد على عائلات صينية من خلال شهادات آباء ونشطاء سياسيين ومسؤولين سابقين عن تطبيق القانون. لقد بات الموضوع محببا في السينما الصينية منذ إلغاء العمل بالقانون عام 2015.