متابعات

أفلام مهرجان لوكارنو (2)

لقطة من فيلم GODLESS
 
 محمد رُضــا
 
ثلاثة أفلام من تلك التي نالت جوائز في حفل اختتام الدورة الـ 69 من مهرجان لوكارنو الأخير (منتصف الشهر الماضي) تتفاوت في الاهتمامات معبرة عن ذلك الأفق المتسِّع الذي كلما حاولت السينما ملأه، كلما اتسع أكثر. 
 
فيلم الجائزة الأولى
 
الفيلم الذي نال الجائزة الذهبية كأفضل عمل محفور في واقع اجتماعي داكن تعيشه بعض دول أوروبا الشرقية. «غودلِـس» (Godless وهو اسم جبل في المكان الذي تقع الأحداث فيه ولو أنه يحمل بالطبع معنى «لا إله») أفضل صنعاً من «قلوب مجروحة» (الذي نال الجائزة الثانية، أدناه) أخرجته سينمائية بلغارية جديدة اسمها راليتزا بتروفا (درست السينما في لندن). لكنه يحمل في الوقت ذاته هنّات يختلف المشاهدون، نقاد أو جمهور، في تحديد تأثيراتها. بالنسبة لهذا الناقد حسنات الفيلم البصرية، اقتصاديات التصوير وضبط «الفوكاس» على الشخصية وعلى الموضوع من دون تنازلات، يجعل الفيلم جديراً بالجائزة التي فاز بها.
 
بطلته ممرضة اسمها جانا (إرينا إيفانوفا) التي تعمل في مستشفى في بلدة بلغارية صغيرة (حيث تم تصوير الفيلم). بداية الفيلم صارخة ولها دلالاتها التي تومض لاحقاً: رجل عجوز يتنفس اللحظات الأخيرة وهو معلّق عند باب مغارة في بعض الجبال. بعد ذلك نحن مع جانا التي تعتني بالعجائز من الناس. في البداية تبدو مثالية في عملها. دقيقة وجادة وتبذل جهداً إنسانياً، لكن بعد حين ندرك أنها ليست ملاكاً فهي تقوم بسرقة بطاقات الهوية من مرضاها وتبيعها إلى عصابة تستخدمها في تهريب وغسل الأموال. كذلك هي مدمنة مورفين مع رجل كانت علاقتهما حميمة والآن تحولت إلى آلية إذ يشاركها الإدمان. كل ذلك موضوع في قلب تصوير حاد لمجتمع يعاني، مثل بطلته، من الجريمة والضياع الإنساني والروحاني (تماماً كما يقترح العنوان). 
 
المخرجة تمضي بعيداً في تعرية البيئة التي تعيش فيها. بذلك المرأة هي البلدة والبلدة هي الوطن بأسره الذي يعيش فساداً حاداً، حسب الفيلم. لكن الفيلم لا يخلو من وميض أمل متمثل في بطلته التي تقرر أن القيام بتغيير منهج حياة أمر ممكن، وهي تدرك ذلك عندما تلتقي بمريض عجوز لكنه ما زال وقّـاد الذهن والقدرات اسمه يوان (إيڤان نالبانتوڤ) ما زال على صلة بالله يستمد منه قوّته. 
 
يشترك الفيلم مع كثير من الأفلام القادمة من أوروبا الشرقية في وصمه لا الفترة الشيوعية بل الحقبة التي تلتها. هي ليست أفلام تترّحم على النظام الشيوعي، لكنها أعمال تبحث فيما لم يتحقق من نجاح وفي علل المجتمعات التي نفضت عن نفسها نظاماً لكنها سقطت تحت أعباء جديدة.
 
لقطة من فيلم "قلوب مجروحة"
 
أجواء رومانية
 
الفيلم الذي خرج بجائزة لجنة التحكيم الخاصة حقّقه المخرج الروماني رادو جود وعنوانه «قلوب مجروحة» (تحديداً «قلوب ذات ندب» Scarred Hearts). جود لم يكن معروفاً لدى متابعي الأفلام إلى أن عرض فيلمه السابق «إفيريم» (وهي الكلمة التركية التي استخلصنا منها عبارة «عفارم») في مهرجان برلين قبل عامين.
هذا الفيلم يختلف عن سابقه في الموضوع ويلتقي معه في أسلوب العمل. ما زال يبحث في التاريخ، لكن عوض العودة إلى موضوع كيف عومل الغجر في ربوع رومانيا في حقبة مطلع القرن العشرين، انتقل الفيلم الجديد إلى أواسط ثلاثينات القرن الماضي حيث نتعرّف على إيمانويل (يؤديه لوسيان روس) الشاب اليهودي المصاب بنوع من السل والذي يتم نقله إلى مصحة تطل على البحر الأسود حيث يوضع تحت علاج يتطلب منعه من الحركة بما يعني وضعه في قالب من الجبس. لكن إيمانويل مثقف وذو ذهن وقّـاد والدراما التي يستخلصها المخرج من هذا الوضع محدودة للغاية. بما أن الفيلم لا حكاية فعلية فيه فإن مواصلة الحديث عن تبعات عجزه يعيق حتى مسألة التعاطف معه. قرب منتصف الفيلم يقرر الزواج من الممرضة التي تعتني به، لكن اكتراثه بها (وعطفها عليه) أكثر من اكتراث المخرج بذلك القرار ومحاولة تفسيره.
 
ما حدث في الفيلم السابق يتكرر هنا. حينها كتبت في غير مكان أن الفيلم يعاني من قرار المخرج جود إبقاء الكاميرا بعيدة وبعيدة – متوسطة كل الوقت ما يمنع التعامل بفهم وعاطفة أفضل مع شخصياته. 
 
في فيلمه الجديد، وقْـع تلك المعالجة على الفيلم أسوأ. لأن الكاميرا لا زالت بعيدة لا تحفل ولا تحتفل بالممثل وتبقيه بلا ملامح واضحة حتى عندما يتطلب الأمر قدراً من التعرّف عليه لتوطيد علاقة بين المشاهد وبينه. إلى ذلك، الحوار المكثّـف واحد. 
 
الرواية تعود إلى عمل أدبي فرنسي وضعه ماكس بليشيه ونقاد الكتب الذين كتبوا عنها أشادوا بمنوالها الذي يكشف عن جو المعاداة للسامية الذي تصاعد في الثلاثينات. المخرج جود ينقل هذه الأجواء من باب اهتمامه بالتاريخ وبتقصي أنواع العنصرية (ضد الغجر في الفيلم السابق، اللاسامية في الفيلم الجديد). لكن ما ينقله هو جو الفترة وليس الحديث عن يهودية بطله. بكلمات أخرى، لا يغرف من الموضوع إلا عناوينه العامة محاولاً إعادة دوره ككاشف لفترة تاريخية أكثر منه كمُحلِّل لوضع. في الواقع، وبعد مشاهدتين، الثانية للتأكد) لا ذكر ليهودية إيمانويل ولا مشاهد محددة لمعاداة السامية وارد في الفيلم الا في مرّتين عابرتين.
 
الفيلم من ساعتين وعشرين دقيقة يمضي منها أكثر من ربع ساعة في مطلع الفيلم وهو يشرّح حالة بطله الطبية متسبباً في بداية الشعور بأن ما يقع على الشاشة سيلتصق بها ولن ينتقل تأثيره إلى من يتابعون الفيلم على الإطلاق.
 
لقطة من فيلم "المستقبل كاملا"
 
صينية في لاتينيا
 
جائزة أفضل فيلم روائي طويل أول ذهبت أيضاً لمخرجة أنثى هي نيل وولاتز، المخرجة الأرجنتينية التي ولدت في ألمانيا وترعرعت في بوينس آيريس. وهي اختارت بطلة فيلمها لتماثلها هذا التمازج بين ثقافتين مختلفتين. فبطل فيلمها المعنون «المستقبل كاملاً» (The Future Perfect) يدور حول فتاة شابة صينية الأصل تعيش في العاصمة وتحاول اكتساب حق وجودها ثقافياً وعبر الدخول في صلب الحياة اليومية بدءاً بدراستها اللغة اللاتينية. 
الفتاة (تقوم بها شيوبين زانغ) مجتهدة وصادقة في نواياها. لكن الفيلم ليس رصداً لمدى سهولة أو صعوبة محاولتها التأقلم، بل الكشف عن كيف تقوم بطلة الفيلم وعدداً آخر من الطلاب بدراسة اللغة اللاتينية. فالمدرسة التي تقوم بالتدريس تتبع منهج قيام الطلاب بتقليد شخصيات من الحياة الأرجنتينية. بذلك تدخل المدرسة عنصر التمثيل موازياً لعنصر تعلم اللغة. 
 
ما ينتج هنا، وعلى نحو مثير للاهتمام، هو توظيف الحبكة في متابعة شبه تسجيلية لما يدور في الصف. التطوّرات التي تمرّ بها بطلة الفيلم محدودة لأنها موضوعة في قالب أكثر شمولاً ما يحرر الفيلم من الاعتماد كلياً على شخصية واحدة وذلك في نحو النصف الأول. نحن معها في الصف (غالباً) ولا نعرف شيئاً يذكر عن عائلتها وحياتها قبل دخولها المدرسة. 
لاحقاً تصبح أكثر حضوراً لأن المخرجة تنوي تحويلها إلى نموذج اجتماعي يخرج من نطاق ما تقدّم ليتحول إلى طرح لموضوع الهجرة والتأقلم والحياة الجديدة ومتطلباتها. 
 
لقطة من فيلم "الماء والخضرة والوجه الحسن"
 
وجوه يسري نصرالله
 
خارج إطار الجوائز، ومن بين العديد الذي تمّـت مشاهدته، لابد من التوقف عند «الماء والخضرة والوجه الحسن» (أحد فيلمين مصريين عبرا شاشات المهرجان السويسري، الآخر «أخضر يابس» الذي تناولناه في الجزء الأول).
 
جديد يسري نصرالله مبني على فكرة من الممثل باسم سمرة (الممثل المفضل لدى المخرج) وسيناريو من أحمد عبد الله. والفكرة تدور حول عائلة الطبّـاخ التي تدير «بزنس» الطبخ للحفلات والمناسبات الاجتماعية.
العائلة التي تؤمّن الولائم مؤلفة من أب وولديه والمناسبة حفل زفاف. أكثر من نصف الفيلم البالغ عرضه ساعتين مخصص لما يقع في يوم الزفاف من مواقف ومجابهات عاطفية في الوقت الذي يحاول فيه أحد رفاق الأمس شراء البيت والأرض العائدان لعائلة الطبّـاخ لإنشاء مصنع للأغذية. هذه وحدها حبكة شبه دائمة في كل مرّة هناك من يحاول شراء عقار سكني ليهدمه ويبني عليه أحلامه.
 
في الدقائق الثلاثين الأخيرة أو نحوها يعتّـم المخرج عدسته أكثر. يبني جوّاً إنسانياً بعمق أفضل مما سبق، لكنه ما يلبث أن يلغي كل شيء عبر نهاية متسارعة وكاريكاتورية لا تفي الفيلم حقّـه مطلقاً. 
 
في أفلام سويسرية ودنماركية وأميركية (يكفينا مثلاً أفلام لآلان تانر وروبرت ألتمن) تحوّلت مناسبة كأعياد الميلاد أو كمناسبات لقاء بين عدد من أصدقاء الأمس، إلى مكاشفات نفسية وعاطفية أعمق مما نشاهده هنا، لكن كاتب السيناريو لا يبدو أنه شاهد منها شيئاً أو شيئا يذكر. مَـحوَر نصّـه على الجاهز من الأفكار مثل وقوع باسم السمرة (بوجه متعب) في حب ليلى علوي، بينما تقع خطيبته منة شلبي في حب شقيقه أحمد داوود وجهل كل من علوي وداوود الساذج  بأن هناك من يحبهما إلى حين ما بعد انتهاء الميلودراما التي يوزعها الفيلم بين الكوميديا والعاطفة وجولات الرقص البلدي.  
 
المشاهد متكررة والحوار فيها يكرر نفسه أيضاً. حقيقة أن السيناريو يفعل ذلك والمخرج يتبع الكتابة على نحو تلقائي يترك ظلالاً من الشك حول ما إذا كان الاثنان يدركان مغبة ما قاما به.
لكن انصراف يسري لإجادة نقل الحدث من واقعه البيئي وانسياب معالجته مشهودان ما يؤكد إنه مع قليل من البذل والكثير من الحزم كان يستطيع إنجاز فيلم أعلى مستوى مما وصل إليه.