متابعات

أيام قرطاج السينمائية.. أفريقيا تحصد الجوائز رغم الألم

بلال المازني

أنهى المنتج التونسي الراحل نجيب عيّاد مدير أيام قرطاج السنيمائية مهمته بنجاح، وذلك بعد أن كان تنظيم المهرجان السنيمائي مثلما تصوّره قبل أن توافيه المنية في أغسطس/آب الماضي، حيث أُعيدت الروح الأفريقية إلى المسابقة، ورجع المهرجان إلى إطاره الملتزم الذي كاد أن يحيد عنه لتضيع ملامحه التي رسمت منذ نحو ستة عقود.

سينما في السجون

أصبحت أيام قرطاج السنيمائية أكثر انفتاحا على أقصى ضفتي العالم الشرقي والغربي، وهي رؤية بدأت في العام 2017 وأيّدها الراحل نجيب عيّاد، حيث كانت تشيلي الدولة الممثلة لأمريكا اللاتينية، واليابان التي "تنوب" عن دول آسيا الشرقية؛ ضيفتي الشرف في المهرجان، وذلك ضمن فعاليات "سينما تحت المجهر"، وهي تجربة افتخر بها مدير المهرجان الراحل واعتبرها إحدى مزايا الرؤية الجديدة لتطوير أيام قرطاج السنيمائية.

للمرة الخامسة تفتح السجون التونسية أبوابها لأيام قرطاج السنيمائية، وذلك من أجل تحقيق شعار "السينما حق الجميع"، حيث تمكّن السجناء في سبع سجون تونسية من متابعة الأفلام المشاركة في المهرجان، وانتفع بهذه العروض قرابة 2400 سجين في قاعات مخصصة داخل السجن، وأكثر من 6000 سجين داخل زنزاناتهم.

وقد عُرضت سبعة أفلام للمساجين هي فيلم "عرايس الخوف" للمخرج نوري بوزيد، و"فتح الله تي في" للمخرجة وداد الزغلامي، و"عالعارضة" للمخرج سامي التليلي، و"صباح الخير" للمخرج بهيج حجيج، و"مبروك حبيب" لسنتيا صاوما، و"لما بنتولد" للمخرج تامر عزت، و"فترية" للمخرج وليد الطايع، وتمكن بعض أبطال الأفلام والمخرجين من حضور العروض داخل السجون ومناقشة أعمالهم مع جمهور المساجين.

أُطفئت أنوار القاعة المهيبة ورحل عنها الجمهور، لتُختم دورة أخرى من دورات أيام قرطاج السينمائية التي استمرت من 26 أكتوبر/تشرين الأول وحتى 2 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري.

صور عرض الأفلام من سجن المرناقية

أفلام تعكس صور الحاضر

شارك 12 فيلما روائيا طويلا و12 قصيرا في المسابقة الرسمية لأيام قرطاج السنيمائية، ووصف "آلان غوميس" رئيس لجنة تحكيم مسابقة الأفلام الروائية بأنها متميزة، حيث كانت الأفلام المشاركة ملتزمة اجتماعيا وسياسيا وتعكس صورة من حاضرنا، وقال "نُقدّر الأفلام التي شاركت ضمن المسابقة لأنها تعلم صعوبة إنجاز فيلم، والذي يكون أحيانا في بيئة عدائية".

كما نبّه غوميس إلى غياب واضح للسينما الأفريقية بالقول "هناك كثير من الأفلام الأولى في المسابقة الرسمية، لكننا افتقدنا المشاركات الأفريقية في الأفلام الروائية وخاصة الأفلام القصيرة".

لكنه عبّر عن سعادته بتنوع تركيبة لجنة التحكيم وخياراتها في هذه المسابقة، وهو ما عكسته الأفلام التي حصلت على جوائز، حيث كان تتويجها مرآة لتنوع لجنة التحكيم.

حصل فيلم "أتلانتيك" للمخرجة السينغالية ماتي ديوب على جائزة التانيت الفضي

"نورا تحلم" و"أتلانتيك" و"سيدة البحر"

تُوّجت تونس بثلاث جوائز في المسابقة الرسمية للأفلام الروائية الطويلة والقصيرة، حيث أُسندت جائزة التانيت الذهبي لفيلم "نورا تحلم" للمخرجة التونسية هند بوجمعة، ويروي الفيلم قصة نورا التي تعمل في مغسلة ثياب بينما حُكم على زوجها بالسجن، وكيف ناضلت من أجل الحصول على لقمة العيش، لكن حياتها انقلبت حين تعرفت على رجل أحلامها، ثم انقلبت مرة أخرى بعد خروج زوجها من السجن قبل إتمام الطلاق بينهما. وقالت لجنة التحكيم إن الفيلم استحق الجائزة لأنه أتقن التحكم في الإخراج والسيناريو.

وحصل فيلم "أتلانتيك" للمخرجة السينغالية ماتي ديوب على جائزة التانيت الفضي، ويروي الفيلم قصة مجموعة من العمال في مدينة داكار قرروا ركوب البحر والهجرة، ومن ضمنهم سليمان الذي ترك حبيبته أدا، وبعد خروجه بأيام وقع حادث غريب خلال حفل زفاف حبيبة سليمان وأُصيبت فتيات القرية بحمى غريبة، لتفتح الشرطة تحقيقا لحلّ لغز هذه الحادثة. ونال الفيلم جائزة التانيت الفضي لأنه حسب لجنة التحكيم يكشف بقوة مثيرة عن عالم حديث مليء بالعنف والغموض والتناقضات.

كما حصل فيلم "سيدة البحر" للمخرجة السعودية شهد أمين على التانيت البرونزي للأفلام الروائية الطويلة، ويحكي حكاية أسطورية عن فتاة صغيرة شجاعة وصلبة الإرادة تُقرر اختيار مصيرها بنفسها فتتحدى أسرتها وتثور على التقاليد المظلمة المتبعة في قريتها والتي تفرض تقديم الإناث من أطفالها إلى مخلوقات غريبة تعيش في المياه المجاورة. ووصف الممثل الجزائري حسان كشاش الفيلم بأنه فيلم فريد وينبه إلى مسيرة مهنية واعدة للغاية.

"قصة صحيحة" و"كارتر"

وحصل المخرج التونسي أمين لخنش على جائزة التانيت الذهبي للأفلام الروائية القصيرة عن فيلمه "قصة صحيحة"، وأسندت له لجنة التحكيم الجائزة لأنه "نجح في التعامل بعمق في نوع من المواضيع من حيث الشكل والسرد". وتدور أحداث فيلمه حول امرأة خرجت من جثة أمها، حيث لم تكن تملك سوى بضع أسابيع لبقائها على قيد الحياة بسبب تشوّه فريد أصابها، لتبدأ مغامرة المرأة مع عمتها في عالم السحر، خاصة أن قريبتها كانت مقتنعة بأنها وحش خلقته قوة غامضة.

وحصل فيلم "كارتر" للمخرج التونسي صبري بوزيد على التانيت الفضي، ووصفته اللجنة بأنه فيلم جريء في تعامله مع موضوع المنفى، ويروي الفيلم قصة شاعر تونسي استقر بفرنسا وبدأ حياته هناك دون هدف، وكان ممزقا بين ذكرياته في تونس وحياته في باريس.

جائزة التانيت البرونزي للمخرجة فاطمة الرياحي عن فيلم "الغياب"

أفضل مونتاج وموسيقى وتمثيل

وأسندت لجنة التحكيم جائزة أفضل مونتاج للفيلم المغربي "آدم"، وذلك لقدرته على بناء شخصيات غنية ومعقدة في فضاء مغلق، كما حصل الفيلم على جائزة أحسن صورة، وذلك لقدرته على بناء شخصياته عبر الإضاءة.

وحصل فيلم "أتلانتيك" للمخرج ماتي ديوب على جائزة أحسن موسيقى مُبتكرة، كما نالت الممثلة هند صبري بطلة فيلم "نورا تحلم" على جائزة أفضل أداء نسائي، أما الممثل الجزائري إلياس سالم في فيلم "أبو ليلى" فحصل على جائزة أفضل أداء رجالي.

وثائقيات أفريقية فائزة

رغم الصعوبات والاضطرابات التي شهدتها القارة الأفريقية، فإن السودان استطاع الفوز بالجائزة الأولى في مسابقة الأفلام الوثائقية الطويلة، حيث ذهب التانيت الذهبي للفيلم الوثائقي الطويل "الحديث عن الأشجار" للمخرج السوداني صهيب قاسم البري.

كما أسندت لجنة التحكيم جائزة التانيت الفضي إلى المخرجة السورية وعد الخطيب عن فيلمها "من أجل سما" الذي نقل العنف بكل تجلياته نتيجة صراع الأديان والطوائف وغريزة البقاء والأمومة والأبوة في الحرب السورية، ويروي الفيلم قصة امرأة تقع في حب طبيب سوري فتتزوجه، أما أحداث الفيلم فتدور في مستشفى محاصر في مدينة حلب السورية.

كما حصل فيلم "الغياب" للمخرجة التونسية فاطمة الرياحي ومن إنتاج الجزيرة الوثائقية على التانيت البرونزي، وقد وصفته لجنة التحكيم بأنه فضاء مُصفّ وتلقائي رغم شخصية توفيق المعقدة والمجروحة، حيث نجحت المخرجة في نقل الألم الداخلي والمشاعر المكتومة لسنين عديدة. تدور قصة الفيلم حول عائلة تونسية بوسنية حوكم أحد أفرادها بتهمة الإرهاب، لكنه تُرك ليواجه قدره وليُربّي بناته الثلاث.

هكذا اختتمت هذه الدورة من أيام قرطاج السينمائية بكثير من العدل والحق والحياة.