متابعات

إحسان عبد القدوس.. مهرجان الجونة يحتفي بملهِم السينما العربية

 

ندى الأزهري

يُعدّ من أكثر الكتّاب الذين ألهموا السينما العربية، فرواياته حققت أعلى نسب توزيع، كما أن الأفلام المأخوذة عنها سكنت قلوب أجيال من الشباب العرب في فترة الخمسينيات والستينيات وما تلاها. لكن لعلّ الحظ لم يُسعد مراهِقات هذا العصر بقراءة رواياته، لعلهن لم يحلمن بأحلام بطلاته ولم يشعرن بثورتهن على التقاليد ورغبتهن في حياة ”عصرية“ للمرأة، ولم تُتِحْ لهن المفاجأة بمواضيع كانت تثير بجرأتها حينها، وذلك لابتعادها عن ثوابت المجتمع المحافظ المتعلقة بعلاقة الرجل بالمرأة وقصص المرأة الشرقية ومعاناتها من النظرة الذكورية إليها.

المرأة كانت جوهر كتاباته وإن تركزت على نساء الطبقة البرجوازية، كما أن قضية الحُريّة بمختلف مستوياتها السياسية والاجتماعية كانت من أسس أدبه، أما الحوار المكتوب بلغة عربية مُبسّطة قريبة من المحكية فكان لبّ رواياته وقصصه، حوار من صميم الحياة اليومية وعجلتها التي لا تحتمل العمق، إنها لحظات غضب أو حبّ أو خداع أو وجع أو ثورة صغيرة، والتعبير عنه قصير ومركز وذكي أكثر منه عميق وتحليلي.

الأديب والروائي المصري إحسان عبد القدوس (1919-1990) هو من أكثر الكتّاب -إضافة لنجيب محفوظ- الذين استطاعت رواياتهم وقصصهم أن تنتقل من الكتب إلى شاشات العرض السينمائي، فقد تصدّرت الأفلام التي أُخذت عن رواياته شباك التذاكر وقت عرضها، ولا تزال علاماتٍ في تاريخ السينما حتى وقتنا هذا.

واحتفالا بالذكرى المئوية لهذا الروائي والصحفي والكاتب الذي ألّف عددا كبيرا من الروايات التي تحوّلت 40 منها إلى أفلام؛ نظّم مهرجان الجونة في دورته الثالثة التي انطلقت في 19 سبتمبر/أيلول الجاري وتستمر حتى 27 الجاري معرضا لتكريمه، حيث عرضت فيه مقتنيات الكاتب الراحل التي احتفظت أسرته بأدق تفاصيلها، وقدّمت بعضها لتُعرض لأول مرة على الجمهور.

يأخذنا المعرض في رحلة مثيرة للعواطف بين كتب إحسان عبد القدوس وأغراضه الشخصية

رحلة مُثيرة للعواطف

يأخذنا المعرض في رحلة مثيرة للعواطف بين كتب إحسان عبد القدوس وأغراضه الشخصية ووثائق من زمن يعتبره كثيرون ”زمنا جميلا“، بدءا من نُسخ لحف ومجلات علّمت تاريخ الصحافة في مصر والعالم العربي مثل مجلتي ”روز اليوسف“ و“صباح الخير“ وجريدة ”أخبار اليوم“ التي عمل فيها الكاتب، مرورا بملصقات لأفلام أُخذت عن رواياته وما زالت تسكن قلوب أجيال من الشباب العربي منذ الخمسينيات وحتى يومنا هذا.

كما ضمّ المعرض أوراق عبد القدوس الخاصة، منها رسائل لزوجته وعقد زواجهما، وقطع أثاث خاصة كمكتبه حيث كان يعمل، ولوحات فنية، إضافة للجوائز التي حصل عليها ككاتب صحفي أو كأديب، منها جائزة ”نقاد وكُتّاب السينما“ عام 1975 عن أحسن حوار لفيلم ”الرصاصة لا تزال في جيبي“ من إخراج حسام تالدين مصطفى، كما شارك عبد القدوس أيضا في صياغة وكتابة حوار للعديد من الأفلام التي أخذت قصصها عن رواياته.

وأجمل ما في المعرض مجموعة لصور من مختلف مراحل حياة عبد القدوس، إلى جانب لوحات له رسمها كبار الرسامين التشكيليين ورسامي الكاريكاتير في مصر، مثل صلاح جاهين والبهجوري اللذين عملا في مجلتي ”صباح الخير“ و“روز اليوسف“، وهي المجلة التي أسستها والدته الصحفية الراحلة روز اليوسف (وهي اللبنانية فاطمة اليوسف) التي اهتمت مع والده محمد عبد القدوس بالفن والأدب دون أن تكون المؤثرة الوحيدة في حياته، إذ خضع أيضا لتأثير جده لوالده الذي كان من بيئة محافظة جدا، مما جعله يعيش في البداية بما يشبه ”الدوار الذهني“ حتى اعتاد عليه تدريجيا، وفقا لسامح فتحي في كتبه ”إحسان عبد القدوس بين الأدب والسينما“.

يعطي المعرض فكرة عن علاقة إحسان عبد القدوس برؤساء مصر السابقين مثل جمال عبد الناصر

عبد القدوس ورؤساء مصر

يعطي المعرض فكرة عن علاقة إحسان عبد القدوس برؤساء مصر السابقين مثل جمال عبد الناصر وأنور السادات، حيث اعتُقل عدة مرات بسبب كتاباته السياسية، لا سيما مقال ”هذا الرجل يجب أن يرحل“ (1942)، وقصد به السفير البريطاني في مصر لتدخله في شؤون الدولة، كما كتب مقالات وقدّم مستندات عن الأسلحة الفاسدة عام 1948، واعتُقل في عهد عبد الناصر بسبب مقاله ”الجمعية السريّة التي تحكم مصر“، وعُرض هذا المقال مع تمثال له صنعه النحّات فتحي محمود يمثله سجينا ومعه كوب ماء استخدمه في المعتقل.

وفي المعرض 43 ملصقا للأفلام التي أُخذت عن رواياته ويتراوح تاريخ إنتاجها من 1955 مع فيلم ”الله معنا“ لأحمد بدرخان ومن بطولة فاتن حمامة وماجدة وعماد حمدي، وحتى عام 1990 مع فيلم ”الراقصة والسياسي“ لسمير سيف وبطولة نبيلة عبيد.

ومنذ الفيلم الأول بدأت العلاقة المتذبذبة التي ربطت بين الكاتب والرئيس جمال عبد الناصر، حيث حُذفت من الفيلم شخصية الرئيس محمد نجيب الذي كان قيد الإقامة الجبرية بعد إقالته، وتتابع القصة حركة الضباط الأحرار وقضية الأسلحة الفاسدة في حرب فلسطين عام 1948.

أخرج صلاح أبو سيف سبعة أفلام مأخوذة عن روايات إحسان عبد القدوس

عبد القدوس وأبو سيف

مع هذا الفيلم ”الله معنا“ تنبّهت السينما إلى أدب هذا الكاتب، وتتابعت الأفلام المأخوذة عن رواياته، فقدم المخرج أحمد ضياء الدين روايته ”أين عمري“ عام 1956، ثم بدأ تعاونه مع المخرج صلاح أبو سيف، فقد أخرج هذا سبعة أفلام مأخوذة عن روايات عبد القدوس، أشهرها ”الوسادة الخالية“ (1957) مع عبد الحليم حافظ ولبنى عبد العزيز، و“لا أنام“ (1957) مع فاتن حمامة وعماد حمدي ورشدي أباظة، و“لا تطفئ الشمس“ (1961)، وهي رواية من جزأين تناول فيها الكاتب حكاية أسرة مكوّنة من أم وأبناء وخال متحكم في تصرفاتهم، وحين يسعى كل منهم للتحرر من قيد هذا الخال والاستقلال وبناء مشروعه الخاص؛ يجدون ممانعة من الأم التي تلجأ إلى الخال ليساعدها في فرض القيود. والفيلم من بطولة فاتن حمامة وشكري سرحان وأحمد رمزي وعقيلة راتب.

وكانت آخر الأفلام التي شهدت تعاونا بين عبد القدوس وأبو سيف فيلم ”وسقطت في بحر العسل“ (1977). وقد تميزت معظم الأفلام التي أخرجها أبو سيف بالواقعية كما عُرف عن المخرج، لكنها كانت مصبوغة دوما بصبغة عاطفية رقيقة.

كان المخرج حسين كمال أكثر المخرجين الذين عملوا على روايات إحسان عبد القدوس

أفلام تسكن الوجدان

لكن أيّ هذه الأفلام العاطفية سكن وجدان المشاهد العربي؟ أهو فيلم ”في بيتنا رجل“ لهنري بركات المأخوذ عن رواية صادرة بالعنوان نفسه في 1957، وتم إنتاجها كفيلم عام 1961 من بطولة عمر الشريف وزبيدة ثروت وحسين رياض وحسن يوسف؟ فهذا الفيلم الذي شدّ الجمهور تدور أحداثه في شهر رمضان حين يلجأ شاب هارب من الأمن بسبب مساهمته في عملية اغتيال رئيس الوزراء المتعاون مع الاحتلال الإنجليزي، فيختبئ في منزل زميله الجامعي، لتشتعل قصة حب بينه وبين شقيقة زميله.

أم فيلم ”لا أنام“؛ وهو مذكّرات نادية لطفي الشابة الجميلة التي تبدو رقيقة، لكنها تخفي في دواخلها حقدا وغيرة وضياعا، فتبدأ في تدبير المكائد لمن حولها، ومن دون أي مبرّر في الكثير من الأحوال؟

أم فيلم ”أبي فوق الشجرة“ لحسين كمال (1969) مع ميرفت أمين وعبد الحليم حافظ، والذي كان في حينه من أكثر الأفلام جماهيرية وبات حديث الناس والصحافة لجرأته، فهو من الأفلام التي يتذكرها كثيرون كما قال لنا مدير المهرجان انتشال التميمي في حديثه عن المعرض؟

كان المخرج حسين كمال أكثر المخرجين الذين عملوا على روايات إحسان عبد القدوس، فوصل عدد الأفلام التي أخرجها إلى ثمانية، منها ”إمبراطورية ميم“ (1972)، و“أنف وثلاث عيون“ (1972)، و“لا شيء يهم“ (1975)، وآخرها ”أيام في الحلال“ (1985).

يشير فتحي في كتابه ”إحسان عبد القدوس بين الأدب والسينما“ أن عبد القدوس شكّل نقلة نوعية في الأدب الروائي والقصصي والسينما العربية

عبد القدوس.. نقلة نوعية

قدّم لنا الباحث سامح فتحي الذي حضر المعرض معلومات قيّمة عن إحسان عبد القدوس ”الأديب الذي ارتبطت به السينما وارتبط بها، وجدّد في أنماط الفيلم السينمائي“.

ويشير فتحي في كتابه ”إحسان عبد القدوس بين الأدب والسينما“ الذي كرّسه للكاتب الشهير إلى أن عبد القدوس ”شكّل نقلة نوعية في الأدب الروائي والقصصي والسينما العربية، فكسر الحواجز من ناحية الموضوعات“، وهو يختلف عن باقي الأدباء بسبب تأثره بمهنة الصحافة ولغتها، فقد عمل بها طوال حياته.

احتفالا بالذكرى المئوية لإحسان عبد القدوس نظّم مهرجان الجونة معرضا لتكريمه

الوسادة الخالية.. والخيط الرفيع

التقينا في المعرض بابن الروائي إحسان عبد القدوس المهندس أحمد، وعرض لنا بعض الوثائق الشخصية كوثيقة زواج والديه، ورسالة حبّ من الكاتب، كما طرحنا في حديثنا الأثر الذي تركته روايات والده علينا، وختمنا حديثنا الممتع معه بسؤال فضولي عن فيلم أُخذ عن روايات والده ويميل هو شخصيا له، فأجاب ”لقد عبّرت كلها عن حالة سياسية واجتماعية للبلد في حينه“.

ألححنا عليه بالسؤال، وقلنا ”هذا ما نعرفه بالطبع، لكن لعلّ أحدها الأقرب إليك ربما“، فأجابنا بابتسامة ”الوسادة الخالية“، وأضاف ”الخيط الرفيع أيضا“ (1971) لهنري بركات.

وفي ”الخيط الرفيع“ كم ثُرنا مع فاتن حمامة على نظرة الرجل والمجتمع إليها، أما ”الوسادة الخالية“ فكم أثارت رومانسيته مشاعرنا، وكم مرّة حلمنا بإعادة عرض التلفزيون له في وقت لم يكن هناك أي وسيلة لرؤيته إلا عبر السينما والتلفاز، وكم كانت المتعة عندما تتحقق أمنيات بسيطة بهذا الشكل لم تعد في وارد أمانينا في هذا العصر.