متابعات

الزَّعيم بورقيبة من خلال "الوقائع التّونسيّة"

 الحبيب بورقيبَة هُوَ أوّل رئيس للجُمهُوريّة التّونسيّة، امتدّ حُكمهُ قرابة ثلاثة عقود، من سنة 1957 إلى سنة 1987 حيث أُزِيحَ من الحُكم بسبب "تدهور صحّته وطول شيخوخته" حسب الرّواية الرّسميّة. كما حكم بِقَبْضَةٍ من حَديد شعبًا وبلدًا، فإنّه فرض سُلْطَتَهُ على الصُّورة، أكانت سينمائيّة أو تلفزيّة، لا يُمكن لنا اليوم دراسة هذه الشّخصيّة المهمّة ولا يمكن لنا الاطّلاع على تاريخ تونس السّياسي والاجتماعي دون الرّجُوع إلى تلك الشّرائط المُصوّرة التي كانت تروي أنشطة بورقيبة اليوميّة والتي حملت عنوان "الوقائع التّونسيّة" (Actualités Tunisiennes).

الوظائف الإيديولوجيّة والسّياسيّة الحسّاسة
 أَصْبَحَتِ "الوَقَائِع التُّونسِيَّة" ذَات لَون وَطَنِي مَعَ حُصُول تُونس عَلَى اسْتِقْلاَلِهَا سَنَة 1956. وَكَانَتْ هَذِهِ النَّشْرَة المُصَوَّرَة التِي تُعَدُّ مِنْ قِبَل استُوديُوهَات "أَفْرِيكَا" فِي خِدْمَة الدِّعَايَة الاسْتِعْمَارِيَّة. وَلَقَدْ عَهَدَتْ كِتَابَة الدَّوْلَة للإعْلاَم سَنَة 1956 إِلَى شَرِكَة إِنْتَاج تُونسِيَّة جَدِيدَة "العَهْد الجَدِيد" بِإِنْتَاج نَشْرَة تَحْتَ عُنْوَان "تُونس اليَوْم" تُعْرَضُ فِي كُلّ قَاعَات السِّينِمَا فِي البِلاَد. وَتَوَلَّت الشَّرِكَة التُّونِسِيَّة لِلإنْتَاج السِّينِمَائِيّ "السّاتباك"(SATPEC) التِي بَدَأَتِ العَمَل سَنَة 1961 أمر "الوَقَائِع التُّونسِيَّة" فَأَمَّنَتِ الكَفَاءَات المَحَلِّيَّة والمُعِدَّات التَّقْنِيَّة وَالتَّصْوِير وَعُهِدَ بِالإِنْتَاج وَالمُونتَاج إِلَى استُوديُوهَات "الوَقَائِع الفِرَنْسِيَّة". وَلَمْ يَظْهَر العَدَد التُّونسِي الأوّل لَحْمًا وَدَمًا مِنَ "الوَقَائِع" إِلاَّ سَنَة 1968 مَعَ افْتِتَاح مُرَكّب قَمَّرت السِّينِمَائِي.
 سُرْعَانَ مَا أَدْرَكَ بُورقِيبَة سُلْطَة الصُّورَة عَلَى الجَمَاهِير. لِذَلِكَ أَصَرَّ عَلَى أَنْ يُجَهِّزَ بِلاَدَه بِبُنَى إِنْتَاج وَطَنِيَّة وَظَّفَهَا لِمَآرِب شَخْصِيَّة بَعْدَ تَفْكِيك وَاحْتِجَاب الشَّرِكَات السِّينِمَائِيَّة الفرَنْسِيَّة وَالإِيطَالِيَّة.
 إِنَّ كُلَّ الذِينَ عَاشُوا فتْرَة سَنَوَات السّتِّين وَالسَّبْعِين يَتَذَكَّرُون هَذِهِ التَّحْقِيقَات عَنْ "تُونس اليَوْم" التِي كَانَتْ تُتَابَع بِقَبُول فَاتر أو هَازِئ مِنْ قِبَل أُنَاس تَعَوَّدُوا عَلَى طَبَقٍ عَسِير الهَضْم. لَقَدْ كَانَتْ "تُونس اليَوْم" هِي بُورقِيبَة ذَاته وَهوَ يُدَشِّنُ مَشَارِيع وَيُعْلِنُ انْطِلاَق عِدَّة تَظَاهُرَات أَو يَرْأَس مَجْلِس الوُزَرَاء أَو يُلْقِي خُطَبًا فِي اجْتِمَاعَات شَعْبِيَّة. وَسَوَاء أَتَمَّ تَصْوِيرُه بِلَقْطَة كَبِيرَة أَوْ بِأُخْرَى شَامِلَة، يَبْدُو بُورقِيبَة كَأَنَّهُ مَلِك لاَ يُمْكِن أَنْ يُنْزَعَ تَاجه. أَمَّا الشَّعْب فَيَتِمُّ تَصْوِيره، عَلَى خِلاَف ذَلِكَ، بِلَقْطَة فَوْقِيَّة وَكَأَنَّهُ جَمْهَرَةٌ غَائِمَةٌ أَمَامَ مِصْطَبَة صَنَمِهَا.

 سَتَنْهَضُ "الوَقَائِع التُّونسِيَّة"، بَيْنَ سَنَتَيْ 1967 و1969 خَاصَّةً، بِمُهِمَّة رَمْزِيَّة أَسَاسِيَّة هِي مَلْءَ الفَرَاغ النَّاتِج عَنِ انْسِحَاب بُورقِيبَة الجُزْئِيّ مِنَ الحَيَاة السِّيَاسِيَّة بِسَبَبِ مَشَاكِل صِحِّيَّة خَطِيرَة. وَلَقَدْ تَمَّ اسْتِبْدَال الجَسَد الهَرَم لِلزَّعِيم بِجَسَد يفُور حَيَوِيَّة وَعَافِيَة بِاللُّجُوءِ إِلَى البُورتريه والصُّوَر الثَّابِتَة المَأْخُوذَة فِي أَوْضَاع سَابِقَة. يَقُولُ فِي هَذَا السِّيَاق البَاحِث التُّونسِي إِقْبَال زَلِيلَة: "إِنّ لِهَذِهِ البُورترِيهَات المُسْتَعْمَلَة عُمُومًا وَظِيفَة حَسَّاسَة وهِيَ إِخْفَاء غِيَاب بُورقِيبَة عَنِ الحَيَاة السِّيَاسِيَّة فِي تُونس مُبْرَزَة إِيَّاه مُشْرِقًا فِي عزّ العُمر، وهيَ تُبْنَى عَلَى أَلْوَان تَتَعَارَضُ مَعَ الطَّبِيعَة الخَافِتَة لِلَّقَطَات التِي تُعْرَضُ قَبْلها وَتُعَدُّ رُمُوزًا (إِذْ تَشْتَغِلُ عَلَى سِجِلّ التَّمَاثُل) تَحْتَلُّ عُمُومًا القِسْم الكَبِير من الصّوَر المَعْرُوضَة، وَلا يَهُمُّ التَّنَاسُب بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّقَطَات الأُخْرَى […]".
 اُسْتُغِلّ هَذَا "التَّجْمِيل" (lifting) أَيَّمَا اسْتِغْلاَل خِلاَل الانْتِخَابَات التَّشْرِيعِيَّة والرِّئَاسِيَّة فِي نُوفمبر 1969، وَقد حَلَّلَ ذَلكَ إِقْبَال زَليلة تَحْلِيلاً جَيِّدًا: "إنّ اللَّقْطَة التِي لا تَتَمَاشَى وَرَغْبَة مُخْرِجِي سُلْطَة بُورقِيبَة هِي تِلْكَ التِي يَبْدُو فِيهَا ثَقِيل الخُطُوات يَضَعُ فِي صُنْدُوق الاقْتِرَاع ظَرْفَيْن اثْنَيْن لِذَلِكَ سُرْعَان مَا تَمَّ تَجْدِيدها وَالنَّفْخُ فِيهَا بِصُورَة تُظْهِرُ الزَّعِيم فِي عزّ العمر. وَتَتِمُّ لُعْبَة التَّعْوِيض وَالاِسْتِبْدَال هَذِهِ فِي مَرْحَلَة المُونْتَاج الحَاسِمَة".