متابعات

المهرجان المغاربي للفيلم بوجدة.. حلم بمغرب كبير موحد بسينماه

عبد الكريم قادري

اختارت اللجنة المنظمة للمهرجان شعار "المغرب الكبير موحد بسينماه" ليكون رسالة مفتوحة لساسة المنطقة

عاش الجمهور المغربي خمسة أيام كاملة على وقع فعاليات الدورة الثامنة للمهرجان المغاربي للفيلم بوجدة، والذي استمر من 11 وحتى 15 يونيو/حزيران 2019.

كانت الفرصة مواتية للوجداويين للقاء نجومهم المفضلين من صنّاع ومهنيي السينما المغاربة الذين رافقوا الأفلام المشاركة في المهرجان، أو جاؤوا كضيوف شرف وأعضاء لجان التحكيم ومنظمي الورشات، وقد تزينت مدينة وجدة الساحلية التي تجمعها حدود برية مع الجزائر –مغلقة حاليا– بالملصقات الرسمية للمهرجان وشعاره، والتي تعكس الوجوه السينمائية التي تزخر بها البلدان المغاربية، ناهيك عن حفاوة الاستقبال والاحتفاء من الجمهور الذي يتمتع بثقافة سينمائية مشتركة، وذلك بحكم المرجعية السينمائية الواحدة التي تتمتع بها شعوب المنطقة لأسباب تاريخية وجغرافية معرو��ة، وهذا ما سهّل من عملية التواصل بين جميع الأطراف.

اختارت اللجنة المنظمة للمهرجان شعار ”المغرب الكبير موحد بسينماه“ ليكون رسالة مفتوحة لساسة المنطقة للنظر والتمعن فيما يجمع، ونبذ ورمي كل ما يُفرّق، لأن المستقبل والقوة تكون دائما لفائدة الاتحاد، والفرقة والتشتت مردّها الضعف والتلاشي، لهذا يأمل صنّاع المهرجان لأن يكون هذا العرس السينمائي خطوة أولى في سبيل الاتحاد المغاربي.

استطاع المهرجان أن يكرّم المخرج الجزائري الكبير رشيد بوشارب؛ صاحب الأفلام المثيرة للجدل

رشيد بوشارب.. يصنع الحدث

بعد الرعاية السامية التي حظي بها المهرجان المغاربي للفيلم من قبل الملك محمد السادس؛ اتسعت آفاق المهرجان، وتوسعت قائمة الضيوف والتكريمات، وعدد الأفلام المشاركة في المسابقات الرسمية ونوعية الورشات المنظمة، وقد ساهم هذا الأمر في نجاح معظم الفعاليات.

كما استطاع المهرجان أن يكرّم المخرج الجزائري الكبير رشيد بوشارب؛ صاحب الأفلام المثيرة للجدل، والمشاركات القيمة لأفلامه في أعرق المهرجانات العالمية، والفاتح للنقاشات، وقد حضر العديد من عروض الأفلام واحتكّ بصناع السينما المغاربة، بالإضافة إلى أسماء أخرى وازنة، وهم الممثل المصري شريف منير، والمخرج المغربي كمال كمال، والممثلة التونسية فاطمة بنسعيدان، والمخرج المغربي سعد الشرايبي.

شارك في المسابقة ستة أفلام روائية طويلة منها "ولولة الروح" للمخرج المغربي عبد الإله الجوهري

لجان تحكيم المهرجان

ضمت لجان تحكيم المهرجان العديد من الأسماء المتنوعة التي تشتغل في عدد من المهن السينمائية، وبخصوص الفيلم الروائي الطويل فقد ترأس اللجنة الكاتب والناقد السينمائي الجزائري أحمد بجاوي، وبعضوية كل من السيناريست والمخرج والمنتج المغربي حسان بنجلون، والمخرجة والمنتجة التونسية سلمى بكار، والمخرج الموريتاني ومدير دارس السينمائيين سابقا عبد الرحمن لاهي.

وقد شارك في هذه المسابقة ستة أفلام روائية طويلة، وهي عرفان“ للمخرج الجزائري سليم حمدي، و“ولولة الروح“ للمخرج المغربي عبد الإله الجوهري، و“صوت الملائكة“ للمخرج الجزائري كمال يعيش، و“طفح الكيل“ للمخرج المغربي محسن بصري، و“فتوى“ للمخرج التونسي محمود بن محمود، و“بورتوفارينا“ للمخرج التونسي إبراهيم اللطيف.

أما لجنة تحكيم الفيلم الروائي القصير فقد ترأس لجنة التحكيم الصحفي والناقد السينمائي المغربي بلال مرميد، وعضوية كل من السيناريست والموظب الجزائري رشيد بن علال، والصحفية زهرة حركات، والمخرج والمنتج التونسي أنيس لسود.

وقد شارك في المسابقة الرسمية 12 فيلما قصيرا، وهم ”الإخوان“ للمخرجة التونسية مريم جبور، و“سودة“ للمخرجة الموريتانية آمال سعد بوح، و“أغنية البجعة“ للمخرج المغربي يزيد القادري، و“نقطة صفر“ للمخرج الجزائري نسيم بومايزة، و“سينابس“ من إخراج الجزائري نوردين الزروقي، و“حورية“ للمخرج المغربي أسامة عزّي، و“يسار يمين“ للمخرج التونسي مطيع دريدي، و“قلق“ للمخرج المغربي علي بن جلون، و“هدي هي“ للمخرج الجزائري يوسف محساس، و“مرشحون للانتحار“ للمخرج المغربي حمزة عاطفي، و“فيلسوف“ للمخرج المغربي عبد اللطيف فضيل، و“02 جانفي“ للمخرجة التونسية صفاء غالي.

أما لجنة التحكيم الثالثة فقدمتها الأندية السينمائية تحت تسمية جائزة دونكشوت لأفضل فيلم، وتشكل لجنة تحكيمها من الباحث والمخرج بوشتى المشروح، ورئيس جمعية الشاشة الفضية ومدير الملتقى الوطني لسينما الهامش بجرسيف عبد العالي لخليطي، والإعلامي ميلود بوعمامة عضو من جمعية سيني المغربية في وجدة.

 

”فتوى“ و“حورية“.. أفلام متصدرة

نال الفيلم التونسي ”فتوى“ للمخرج محمود بن محمود الجائزة الكبرى لأفضل فيلم روائي طويل، وهي الجائزة رقم 11 في مسار هذا الفيلم الذي صدر عام 2018، وهذا بعد أن نال ثقة لجنة التحكيم التي اختارته من بين ستة أفلام متنافسة.

تتمحور قصة الفيلم الذي سبق للجزيرة الوثائقية أن نشرت مقالا عنه ”حول إبراهيم المغترب في فرنسا، والذي عاد إلى وطنه من أجل دفن ابنه مروان الذي كان يدرس في معهد الفنون الجميلة، وأثناء هذه العودة يبدأ في التحري عن سبب الوفاة، والتي كانت حسب الشرطة حادث مرور عادي، إثر سقوط دراجته النارية من على جبل بالطريق الساحلي، لكن إبراهيم لم يقتنع بهذه الرواية، لذا بدأ يتتبع المحطات الأخيرة التي مر بها ابنه مروان، حيث عرف بأنه توقف عن دراسته، وانخرط في جماعة متطرفة يقودها الأمير زوج ”لطيفة“، والأخيرة كانت على علاقة غرامية سرية، وهذا الأمير نفسه هو من أصدر ”فتوى“ تقضي بقتل الأم لبنى التي ألّفت كتابا عن الجماعات التكفيرية والظلامية، وهذا ما جعلهم يصدرون أمرا بإهدار دمها، مما جعل مروان يعترض على قرار الجماعة، كما جعلهم يقومون بتصفيته بعد أن جمعهم لقاء به في بيته الريفي.

اكتشف إبراهيم كل هذه المعطيات، من الحي الشعبي الذي كان ابنه يعيش فيه، ومن صديقة تدرس معه في معهد الفنون الجميلة الذي كان يدرس فيه، وقد سبق وأن عنّفها داخل الصف بعد أن اعترض على لباسها، ولهذا السبب تم طرده من المعهد، ليعرف بأن ابنه لم يمت في حادث عرضي، بل نتيجة تصفية من جماعة تكفيرية انخرط فيها بعد أن غرّرت به وقدمت له الأوهام“.

كما حصد الفيلم التونسي ”حورية“ للمخرج أسامة عزّي الجائرة الكبرى في صنف الروائي القصير، وهو فيلم يسرد يوميات امرأة تتمرد على الأشخاص الذين حولها، وعلى المجتمع الذي تعيش فيه، وذلك من أجل إحياء الماضي وإنعاش ذكرى الحب التي عاشتها رفقة خطيبها المغدور، من خلال صور الماضي الذي سكنت وارتهنت له، وقد لعبت دور البطولة في هذا الفيلم الممثلة القديرة فاطمة بن سعيدان المُكرّمة في المهرجان، والتي حصد أيضا جائزة أفضل دور نسائي.

حصد الفيلم التونسي "حورية" للمخرج أسامة عزّي الجائرة الكبرى في صنف الروائي القصير

أفضل الأدوار والسيناريو والإخراج

جائزة أفضل دور نسائي في مسابقة الفيلم الروائي الطويل حصلت عليه الممثلة الجزائرية مليكة بلباي عن دورها في فيلم ”عرفان“ للمخرج سليم حمدي، كما فاز بأفضل ممثل في الأفلام الروائية الطويلة الممثل المغربي يوسف عربي عن دوره في الفيلم الروائي الطويل ”ولولة الروح“ للمخرج عبد الإله الجوهري، وقد حصل الفيلم أيضا على جائزة لجنة التحكيم.

كما حصد هشام بسطاوي أفضل دور رجالي في الفيلم القصير ”قلق“ للمخرج علي بنجلون، وحصد هذا الأخير أيضا جائزة أفضل إخراج، فيما حصد الفيلم الجزائري القصير ”نقطة صفر“ للمخرج نسيم بومعيزة على جائزة السيناريو، وحصل الفيلم التونسي ”الإخوان“ على جائزة لجنة التحكيم الخاصة، وهو فيلم يسلط الضوء على المنخرطين في القتال بالنقاط الساخنة في العالم العربي، والعائدين إلى أهاليهم والمجتمع.

 

استفاد شباب المدينة والجهة من ورشات خاصة بمهن السينما، والتي قدمها مهنيون على المستوى الوطني والدولي

السينما وترسيخ قيم التسامح

أطلقت جمعية ”سيني مغرب“ المنظمة للمهرجان المغاربي للفيلم بوجدة اسم هذه الدورة على الراحل السينفيلي ”برزاق بنيونس“ (برزكي)، وقد شهدت مشاركة الدول المغاربية الخمس، بحضور وازن لنجوم السينما والنقاد والصحفيين والأدباء. حيث راهنت الجمعية خلال هذه الدورة على تعزيز وتطوير المكانة التي حققها المهرجان على مرّ الدورات السابقة، وذلك لجعل مدينة وجدة قبلة سينمائية وسياحية مغاربية متميزة.

وأوضح خالد سلي رئيس المهرجان المغاربي للفيلم في وجدة أنه في ظل انقراض القاعات السينمائية في المدينة يسعى المهرجان إلى توفير فضاء عام للفرجة والمتعة للمواطن الوجدي الذوّاق، وجعل التظاهرة السينمائية قوة بارزة على الصعيد العربي، وهذا من خلال عروض الأفلام والاحتكاك بصناعها، وبرمجة ثلاث ندوات فكرية حول مواضيع مختلفة بمشاركة سينمائيين وباحثين وأساتذة جامعيين ونقاد سينمائيين وغيرهم، وذلك لإغناء النقاش وتبادل الخبرات بين مختلف الزائرين الحاضرين في فعاليات الدورة الثامنة للمهرجان المغاربي.

وأضاف رئيس المهرجان خالد سلي أن الدورة الثامنة من المهرجان تتميز عن سابقاتها بحضور وازن للشباب من مختلف الفئات العمرية، باعتبارهم ساهموا بشكل كبير في إنجاح هذه الطبعة التي تهدف في ثناياها إلى جمع الشمل المغاربي، وأكد بأن ”ما فرقته السياسة وحّدته الثقافة السينمائية المغاربية“، آملا أن يكون للمهرجان دور في توحيد الصفوف المغربية والجزائرية والتونسية والليبية والموريتانية.

وقد نفذ برنامج هذه الدورة على مدى خمسة أيام متواصلة بعرض 12 فيلما قصيرا وستة أفلام طويلة في المسابقة الرسمية، وقام بالتوازي مع ذلك بعروض خاصة لأفلام بعض المكرمين، كما تم تنظيم ندوات دولية تكرس دور ”السينما والثقافة في ترسيخ قيم التسامح“ نظمها نقاد ومخرجون ومفكرون، وجلسات خاصة لمناقشة أفلام المسابقة الرسمية، وأخرى ليلية للاستفادة من تجارب ضيوف المهرجان من مخرجين ومهنيين.

كما استفاد شباب المدينة والجهة من ورشات خاصة بمهن السينما، والتي قدمها مهنيون على المستوى الوطني والدولي، كما تم عرض عدة أفلام بالهواء الطلق وبفضاءات اجتماعية وثقافية مختلفة بجهة الشرق قبل وأثناء المهرجان، وكان للأطفال موعد مع صبيحة سينمائية للتعريف بالسينما وتحبيبها لديهم.

شهدت مدينة وجدة خلال المهرجان إقامة معارض فنية وتراثية أبرزت مؤهلات المدينة الحضارية والإنسانية

 

وجدة.. مدينة حضارية وإنسانية

هذا وشهدت مدينة وجدة خلال المهرجان إقامة معارض فنية وتراثية أبرزت مؤهلات المدينة الحضارية والإنسانية، وقد أوضح المشرفون على المهرجان من خلال بيان لهم بعض محطات المهرجان، حيث كتبوا ”أن تنوع فقرات برنامج هذه الدورة من مهرجان الفيلم المغاربي تروم من خلاله جمعية سيني مغرب إشاعة ثقافة سينمائية جادة وهادفة بالجهة الشرقية، وإتاحة الفرصة للفاعلين الثقافيين من مختلف الأصناف للمشاركة والانخراط في هذه الأنشطة، وذلك لربط السينما بروافد ثقافية وفنية أخرى“.

ويضيف البيان ”في الأخير تغتنم جمعية سيني مغرب هذه الفرصة لتشكر كافة الشركاء والمؤسسات الداعمة والمنابر الصحفية، وكل الذين آمنوا بهذا المشروع السينمائي ودعموه منذ الدورات الأولى، إلى أن أصبح له مكانة وازنة بين المهرجانات الكبرى، وتتمنى الجمعية أن يتواصل هذا الدعم للأنشطة المبرمجة في المهرجان الذي أصبح مكسبا ثقافيا للجميع“.