متابعات

انتشال التميمي: مهرجان الجونة شهد تغطية لم يشهدها مهرجان عربي

حوار: ندى الأزهري

مدير مهرجان الجونة السينمائي انتشال التميمي: نحن نوازن بين البهرجة والجوهر (مهرجان الجونة)

تأتي إلى مهرجان الجونة السينمائي ومخيلتك محمّلة بالكثير من التصورات المستقاة مما قرأت وسمعت، ربما تحمل أحكاما كذلك. يُعقد المهرجان قي قرية الجونة السياحية على شواطئ البحر الأحمر، وهو في دورته الثانية فقط، بينما حين تشاهد كل تلك الإمكانيات والتجمعات والتنظيم يبدو لك كأنه مهرجان قديم اتفق الكل على عدم تفويته، كلٌّ لأسبابه الخاصة.

قبل قدومي سمعت انتقادات وأحكاما على المهرجان، تساءلت بيني وبين نفسي عن مدى صحتها، فليس من الممكن الحكم تماما من بعيد، وحين قررت اللقاء مع مدير المهرجان العراقي “انتشال التميمي” كان هذا بدافع الفضول، لسماع ردوده على ما يُقال ومعرفة الرؤية العامة للمهرجان. أردت مقابلته في منتصف فترة المهرجان (من 20 إلى 28 سبتمبر) لأكون قد أخذت فكرة عملية قبلها عن مجريات الأمور.

انتشال التميمي موجود في كل مكان، يحلُّ ما يطرأ ويلتقي من يحضر ويقدم أفلاما ويبدو حريصا على سير أمر المهرجان كأفضل ما يكون. لن أقدم المهرجان فحديث مديره عنه واف.

حفل موسيقى أفلام يوسف شاهين في مهرجان الجونة السينمائي

  • الثقافة رد على الأزمات وسبيل للنهوض.. في هذا الإطار لا بد أن نشكر مهرجان الجونة على وجوده وأن نشجع هذا الوجود رغم الانتقادات من هنا وهناك. بالمناسبة، كيف ترد على الانتقادات الموجهة للجونة على الأقل من ناحية الشكل فهو يبدو نخبويا ومهتما بالنجوم، ومتهما بدعوات “شللية” للصحفيين والإعلاميين!

ببساطة لكل مهرجان رؤية معينة يتحرك من خلالها، ويجب أن تشبه تلك المدينة وناسها وأن تكون منسجمة مع آخر ما وصلت إليه صناعة المهرجانات الدولية. صحيح أننا في الدورة الثانية فقط، لكنني أطلب من الفريق التعامل مع المهرجان كوريث لكل المهرجانات في العالم وفي الوطن العربي وليس كشيء مستحدث. نتعلم من كل التجارب ونضع لأنفسنا النموذج الذي نراه مناسبا. من المؤكد أن أي انتقاد يتناول تغليب الشكل على المضمون -أي السجادة الحمراء على الأشياء الأخرى- هو غير منطقي بالكامل، ثمة اعتقاد لدى الناس بأن المهرجان الخالي من السجادة الحمراء هو مهرجان جيد، هذا ليس صحيحا إذ لدينا توازن دقيق بين حفلي الافتتاح والختام ومعهما استقبال النجوم، وبين برنامج سينمائي من الأرفع دوليا، يضاف إلى ذلك الاهتمام الاحترافي العميق بالمشاريع السينمائية والمعارض والفعاليات الخاصة مثل حفل موسيقى أفلام يوسف شاهين، ودعوة ممثلي الصناعة السينمائية الذين لهم حصة كحصة النجوم.

لا يعني أن تكون لديك سجادة حمراء بأعلى مستوياتها أنك لا تهتم بالجوهر بشكل ممتاز، بل هي كسب لجمهور إضافي بالمادة التي تقدمها. ثمة مهرجانات أخرى غير قادرة على توفير هذا أو لا تقوم به، وأنا لا أصادر الآراء ولكن ليس من الممكن القول إن مهرجاننا يعتمد الظاهر فحسب. لقد اخترنا 18 مشروعا لمخرجين ومنتجين من بين 145 قُدمت لنا، وثمة دروس في السينما وندوات ومحاضرات ولقاءات بين منتجين ومخرجين ومعارض ومكتبة لرؤية ما فات من أفلام، كل هذا في مكان واحد.

أتصور أننا في الطريق الصحيح ونحن نوازن بين الأمور. من المؤكد أن النجاح اللافت للافتتاح والختام يمكن أن يغلب على رؤية الأشياء الأخرى لدى البعض، لكن مهرجاننا شهد تغطية عربية لم يشهدها مهرجان عربي منذ قرطاج الأول.

الممثلة يسرى تلقي كلمتها في الأمسية المخصصة ليوسف شاهين في مهرجان الجونة

  • كيف تقيس نجاح مهرجان ما؟

أهم ما في أي مهرجان أن تكون قائمة الأفلام ممتازة بمستواها وجديدة، وأن يحضر معها عدد من المشتغلين فيها. وثانيا أن يكون المهرجان قادرا على تشكيل لجنة التحكيم، واستقطاب الأسماء البارزة دوليا من النجوم والمشتغلين بالإنتاج. أما الأمر الثالث فيعتمد على مدى توسع شبكة ضيوف المهرجان لتشمل عاملين في قسم الصناعة السينمائية. إن ثلاثة من أعضاء لجنة التحكيم لدينا هم خبراء في الصناعة السينمائية. ونجاح الجونة جاء لعوامل عديدة أهمها الرؤية الشاملة الثاقبة التي بُني عليها، وفي وقت تموت فيه مهرجانات مثل أبو ظبي والدوحة، وتتساءل فيه أخرى عن استمراريتها. بدأنا مع مؤسسين ناجحين ومع خبرتي، وهي عوامل ساهمت في حصول ترقب وإثارة قبل بدء المهرجان وأضيفت حماسة أحيطت بالمشروع لاعتمادنا على فريق عمل فيه كثيرون من محبي السينما وصنّاعها المؤمنون به بحيث بات المهرجان موعدا سنويا منذ دورته الأولى.

كان أجمل ما سمعته بعد اعتذاري عن دعوة أحدهم لعدم توفر الأمكنة في مكان الافتتاح الذي يتسع لـ1250 شخصا بأننا “نتحمل جريرة أعمالنا” أي نجاحنا. نحن نوازن بين البهرجة والجوهر، وثمة تعطش للنجاح في حالة اليأس المريعة المحيطة بنا وقد تغفر لنا بعض الأخطاء الصغيرة.

انتشال التميمي: الجونة هو المكان الذي يرغب صنّاع السينما بالقدوم إليه

  • هل يطمح المهرجان لأن يكون الأول في العالم العربي ويعوض مثلا غياب مهرجان دبي، أم أن يكون دوليا والمهرجان المرجع في العالم العربي للعالم الغربي؟

الاثنان. أعتقد أننا حاليا في المقدمة بين المهرجانات العربية. علينا التحلي بالتواضع طبعا، إنما مع إدراكنا أن الجونة هو المكان الذي يرغب صنّاع السينما بالقدوم إليه. هذا لا ينتقص من البقية، إنما هو توصيف للحالة. لقد طلبنا 80 فيلما للعرض في المهرجان وحصلنا على 74 منها وهذا غير مسبوق على المستوى الدولي، مما يعني أننا قدمنا تجربة جديدة.

80% من الأفلام كانت موجودة في “كان”، وكل المهرجانات تطمح للحصول على عرض أول لها، وقد شرّفنا أن تكون كل أفلامنا هي عرض أول في المنطقة العربية. حاليا يشكّل المهرجان المكان المناسب للاطلاع على السينما العربية إذ نعطي الأفضلية للأفلام العربية حتى في المشاريع. لا يعني هذا أننا الوحيدون فمهرجان القاهرة سيخطو خطوة جيدة للأمام وكذلك قرطاج.

  • لمن يتوجه المهرجان وجمهور الجونة محدود، هل يعتمد على المدعوين أم القادمين خصيصا من أماكن أخرى؟

ثمة نوعان من المهرجانات، الأول ينظّم في المدن الكبرى مثل برلين وتورنتو والقاهرة، وهو موجه أساسا لجمهور هذه المدن وإلى المدعوين. أما الثاني فيقام في مدن صغيرة منعزلة في جبل أو على ساحل بحر مثل “كان” التي كانت بلدة صغيرة “لوكارنو”، وتلك موجهة لجمهور المكان أو الذين يأتون لقضاء الإجازة فيه. أما هنا، فخليط من جمهور القاهرة وأسيوط والمنيا والإسكندرية والجونة (عدد سكان القرية السياحية 12 ألف نسمة) والغردقة (نصف مليون) إضافة إلى المدعوين. من خلال تجربتي لاحظت أن الجمهور يبدأ صغيرا ثم تظهر لوائح انتظار الأمكنة كما حصل في مهرجان أبو ظبي. العام الماضي كانت بعض قاعاتنا (أربع قاعات وخامسة في الهواء الطلق) تمتلئ في نفس الوقت.

انتشال التميمي: بالنسبة للفيلم العربي الطويل فهناك عرض أول للفيلم المصري "عيار ناري" واكتشافات لأفلام عربية، دون أن ننكر أن العروض الأولى هي أقلّ من العالم الفائت

  • كم عدد التذاكر التي بيعت العام الماضي؟

14 ألفا.. وهو رقم يفوق ما تبيعه مهرجانات أخرى. كانت لافتة “كامل العدد” معلقة لعديد من الأفلام، وفاق الإقبال توقعاتنا.

  • وكم كان عدد المدعوين؟

 700 شخص، وقد فاق هذا العدد أعداد المدعوين في مهرجانات المنطقة كلها.

  • هل كل النجوم الموجودين في المهرجان هم من المدعوين؟

نعتبر وجود النجوم دعما للمهرجان، فهو يساعد على الإضاءة على المهرجان أكثر، فهم مشاركون في كل الفعاليات وليس فقط في اليوم الأول والأخير، وهم وعلى تواصل مع الجمهور دائما. هذا العدد الكبير من المشاهير فخر لنا، فليس سهلا التعامل مع النجوم، فبعضهم يُعاتبنا كذلك لعدم دعوته.

الممول الرئيسي سميح ساويرس أحد ممولي المهرجان مع نجيب ساويرس، لكنه مؤسس الجونة السينمائي

  • بما أننا نتحدث عن المدعوين، جاءت الانتقادات أيضا بأن “الشللية” تلعب دورا في الدعوات، فبم تردّ؟ أضيف هنا أنني شخصيا شاهدة على العكس فقد كان التميمي أول مدير مهرجان عربي يُبادر بدعوتي دون معرفة سابقة بناء على متابعته لشغلي كما قال لي.

بصراحة إن كل من كتب نقدا سلبيا كان ممن لم يُدع، ولكن من حقه أن يقيّمَ ما يراه مناسبا. إنما حين توجد أرفع الأفلام الدولية ويُنتقد المهرجان لاهتمامه بالظواهر فهذا ليس نقدا. لقد أجرينا عمليات تصفية صارمة في الدعوات لكننا لا ندّعي أن كل من دُعي كان مناسبا. المُفرح أن كل الأقسام الفنية في الصحافة المصرية والتي عادة ما تُرسل المسؤول الثاني أو الثالث في القسم للتغطية، أرسلت هنا المسؤول الأول لأن المهرجان يشكل زادا لهم لشهور. لقد شاهد مدعوون من الصحفيين ما بين 20 و25 فيلما في النسخة الأولى، هذا لا يعني الشللية. لم ننس أي ناقد مهم، ربما لم يعد لبعض النقاد دور قوي الآن لكنهم خدموا السينما العربية.

من ناحيتي أكرس ساعتين ونصف في الصباح لقراءة المقالات، ويستحيل ألا تمر مقالة سينمائية عربية دون أن أقرأها، النجاح الحقيقي هو الصحافة، ولو لم تكن خياراتنا صحيحة لما كانت لدينا هذه التغطية الممتازة. هل نسينا بعض المستحِقين؟ هناك دائما قصور في المعرفة ولا نعرف الجميع، إنما من المؤكد أن نسبة الشللية والعلاقات الشخصية ضئيلة جدا، ومن النادر عدم وجود ناقد أو صحفي عربي مؤثر على المستوى العربي.

  • أعطيتم “جائزة النقاد” للناقد اللبناني إبراهيم العريس العام الماضي، لكن لا وجود لنقاد مكرمين هذا العام، هل كانت صدفة أم حالة مؤقتة؟

ليست صدفة لأن الجائزة هي للإنجاز الإبداعي وتُمنح لثلاث شخصيات، وتذهب للممثلين في أغلب المهرجانات لأنهم أكثر بريقا، ومُنحت لمخرج ومنتج وممثل هذا العام، أما العام الماضي فقد مُنحت للمصري “عادل إمام”، وكان يجب أن تكون الثانية لعربي أيضا. التحية التي وجهت لإبراهيم ليست لشخصه فحسب، بل للنقد السينمائي العربي، معه كانت تحية أيضا لعلي أبو شادي وقصي صالح الدرويش وبندر عبد الحميد، كان هذا واضحا في البيان الذي أصدرته.

جائزة النقاد مُنحت العام الماضي للممثل المصري "عادل إمام" (غيتي)

  • قال الممول الرئيسي سميح ساويرس في كلمة “نتمنى أن تكون تجربتنا ملهمة لتطوير المشهد الثقافي في مختلف المدن المصرية”، كيف يمكن عمليا تحقيق ذلك للمهرجان؟ وما مدى تعاونكم مع بقية المهرجانات؟

إنه أحد ممولي المهرجان مع نجيب ساويرس، لكنه مؤسس الجونة. نعتقد أن هناك أزمة كبيرة في مصر والمنطقة العربية تتجلى بوجود معظم التظاهرات في العاصمة والمدن الكبرى، فيما تُهمل الأقاليم التي تحتاج إلى اهتمام جوهري وعميق، في هذه الحالة يمكن للمهرجان أن يكون ملهما. ونقوم أيضا بخطوات عديدة منها تقديم جائزة السيناريو لأعمال الشباب وبناء قاعات سينما، وهذا محفّز لمدن أخرى لفعل المثل، وقد يدعو نجاحنا بقية المدن لتقوم بما نقوم. لقد حصلت حركة سينمائية العام الماضي بعد نجاح الدورة الأولى للجونة، وشجع نجاحنا البعض على زيادة التمويل لمهرجان القاهرة العام الماضي، كما دفع المهرجان إلى اتخاذ إجراءات جديدة وجيدة. صحيح أننا نتنافس مع بقية المهرجانات ولكننا نكمل بعضنا بعضا ولدينا تعاون مع القاهرة والأقصر.

  • هل هناك نية لاكتشاف الأفلام وليس فقط الاستعانة بأفلام المهرجانات الكبرى؟ وما سياستكم مع الفيلم العربي؟

هذا ما فعلناه في الدورة الأولى، أما في الدورة الحالية فلدينا 23 فيلما قصيرا 14 منها هو عرض عالمي أول. ثمة أفلام آتية من مهرجانات أصغر أيضا.

أما بالنسبة للفيلم العربي الطويل فهناك عرض أول للفيلم المصري “عيار ناري” واكتشافات لأفلام عربية، دون أن ننكر أن العروض الأولى هي أقلّ من العالم الفائت. نريد عرض زبدة السينما العربية واستقطاب كبرى الأفلام، فثمة أفلام اكتشفناها بل وساعدنا المهرجانات لأخذها في عروض أولى مثل فيلم “ريح رباني” لمرزاق علواش. نساعد أيضا الأفلام العربية لتُعرض دوليا وهدفنا ترويج السينما العربية، فقد قدمنا دعما ماليا لمهرجان معهد العالم العربي وسندعم ستة مهرجانات عربية في الخارج.

  • هناك سينما غائبة كالسينما الإيرانية، مع وجود أفلام عديدة من “كان” في دورة الجونة لهذا العام، فهناك فيلم إيراني مثلا فائز بجائزة في “كان” ليس موجودا في الجونة.

هناك أمور لوجستية تمنع طلب بعض الأفلام، منها صعوبة الحصول على تأشيرات دخول لصانعيها (لم تمنح تأشيرات للممثل الفلسطيني علي سليمان والمخرجة السورية سؤدد كعدان المشاركان في المهرجان هذه الدورة). في هذه الحالة سيكون غياب الشخصيات المدعوة مزعجا لنا ولهم، إضافة إلى أن هناك بلدانا عديدة أخرى غائبة كالمكسيك والفلبين وليس إيران فقط.