متابعات

ثلاثية “إيليا” ولعبة “بازل”

أسماء الغول

احتفى مهرجان سينما فلسطين في مدينة تولوز بالمخرج الفلسطيني "إيليا سليمان"، فقد عرض المهرجان في دورته الرابعة ثلاثيته "سجل اختفاء، ويد إلهية، والزمن الباقي".

كانت مشاهدة أفلام إيليا سليمان للمرة الثانية على شاشة سينما كبيرة في صالة “سينماتيك” في مدينة تولوز على هامش مهرجان “سينما فلسطين” في دورته الرابعة هذا العام، لا تشبه بتاتاً المرة الأولى، فكأنني أشاهد أفلاماً جديدة. وهنا يكمن سحر اللغة السينمائية لإيليا سليمان، فبأي وقت وأي مكان تستطيع أن تشاهد أفلامه وتفسرها في حاضر اللحظة بحسب ما تثير لديك رمزية الثيمات ومعادلها الموضوعي من أفكار داخلك، فهو لم يؤطر حكاية في حوارات مكتوبة، كما لم يجعل هناك بداية للحبكة ونهاية، ولم يحشرك في غرفة انتظار حل العقدة وتحول الشخصيات، بل أخذك معه في فضاء رمزيته المتواصلة وشخصياته الصامتة وسخريته القاتمة، وبحضوره الواقف دائماً، المندهش المنتظر للحياة أن تمر، دون سلطة عليك أو ادعاء المعرفة، فتحكم بنفسك على ما حاول أن يقوله من خلال ثلاثيته “سجل اختفاء”1996، و”يد إلهية”2002، و”الزمن الباقي”2009.

سجل اختفاء

في أول أفلامه “سجل اختفاء” يبدو إيليا سليمان يبحث عن ذاته ليس كإنسان بل كمخرج، فنجده يصور مشاهد من الناصرة والقدس تتسم بالعزلة عن بعضها البعض ولكنها تتكرر بأشكال مختلفة؛ النساء اللواتي يقمن بصنع الطعام في المطبخ، الرجل من ذات البيت الذي يعتني بعصفوره وكلبه وهو يلبس البيجامة، محل المسكمة الذي يتكرر وقوف سيارة أمامه، وينزل منها السائق والراكب الذي بجانبه فيضربان بعضهما أو مجرد يستبدلان الأماكن.

وهناك أيضاً البائع الذي يجلس أمام محله لبيع التحف وبجانبه صديقه “إيليا سليمان”، يراقبان المارة على مر الأيام؛ مُشاة غرباء أو من الحارة، رجل وزوجته، وفد سياحي آسيوي يحمل قائده علماً كي لا يفقد أحد رعيته، شقيقين أصلعين.

 ولا يتحرك البائع وصديقه المغرمان بارتداء النظارات الشمسية، وتدخين السجائر، كأنهما يعلمان أن لا أحد سيشتري الجمال الخشبية أو زجاجات الماء المقدس، أو كروت المعايدة التي تحمل صور مناظر طبيعية، وواحد منها يحمل صورة الفلافل وكتب عليه “السناك الوطني الإسرائيلي”.

ولا تخلو هذه المشاهد من تهكم وسخرية من الرموز التي تعبر عن فلسطين وقضيتها، وكيف أصبحت تجارة سياحية بحتة، وحتى حين تحولت كتجارة أصابها الكساد التام أو استولى عليها الاحتلال، وفي ذات الوقت هي مشاهد تعبر عن ثبات وحركة الحياة “بفيزيائها وإنسانها” لكنها تتكرر إلى درجة أنها أصبحت مألوفة في هذه المدينة التي لم يعد يغير من رتمها شيء.

 كما إن إيليا لا يفتش في هذه المدن عن تناقضها وألمها وعاداتها اليومية فقط، بل يعبر أيضاً عن مزاج أهلها النزق تارة، والضجر أحياناً، والكوميدي في غالب الوقت، كما كان حال الصيادين في البحر وهم يصطادون ويضحكون من بعضهم بعضاً.

ولا يتم ذلك في سردية سينمائية تقليدية تحكي عن حياة المُخرج وسط هذه المفارقات بل لقد شظى الكل في مَشاهد متعددة غير مترابطة إلا بالكلمات التي تظهر على الشاشة كـ” اليوم التالي” “الانتقال إلى القدس” وكأنه يخشى أن يضيع منه المُتلقي خلال الفيلم، أو ليقول له أنه صور فيلم فوق فيلم آخر، فقد عاد من أمريكا ليصنع فيلماً، يقابل خلاله أب من الكنيسة وأحد الكُتاب على هامش يوميات مدينته في فيلمه الأكثر اتساعاً، في سعي مستمر لتكنيك مغاير للسرد السينمائي.

وهذا الحرص على المتلقي لن يهتم له أبداً في أفلامه التالية، فلن يربط بين المَشاهد بالكلمات المكتوبة، بل سيعتمد على لحظة تكرارها كي يبدأ كل مرة من جديد داخل الفيلم فيما يشبه السرد الرقمي لكن دون تكنولوجيا!.

لقطة من فيلم "سجل اختفاء" ويعرض في تهكم وسخرية من الرموز التي تعبر عن فلسطين وقضيتها، وكيف أصبحت تجارة سياحية بحتة.

ومن السهل التنبؤ بأن إيليا كان يعرف حين صنع الجزء الأول بأنه سيكون بداية سلسة أفلام العودة إلى مدينته وعلاقته بوالديه، بالتأكيد لم يكن يعرف كل الخطة وماذا سيؤدي إلى ماذا، وبماذا سيحتفظ أو يُلقي وماذا سيكرر، لكنه كان يعرف على الأقل أنها ستكون حكايته هو، وأن ذاته “أيضا بفيزيائها وإنسانها” الرابط الأساسي بين هذه الثلاثية، فعلى الرغم من التبعثر الكبير والمستوعب داخل الجزء الأول، إلا أنها تبقى حكاية هذا الشاب الذي عاد من الغربة ليصنع فيلماً فيقضي وقته يراقب تفاصيل مدينته، ويجلس مع صديقه بائع التحف، يسافر بين تل أبيب وحيفا ورام الله، يعكس تناقضات المجتمع عبر يومياته فمن الممكن أن يجلس أمام نافورة بتل أبيب وحوله إسرائيليين دون أن يتحدث لأحد، أو يشرب البيرة وصوت طقس ديني في خلفيته، أو يحصل على جهاز اتصال لاسلكي “ماخشير” سقط من شرطي إسرائيلي بالخطأ في أحد شوارع القدس، ليجلس يستمع إلى المحادثات الأمنية في وحدته، أو يحتفظ بولاعة على شكل قنبلة وأخرى على شكل مسدس.

ناهيك عن أنه أصبح موهوب المدينة التي تقرر الاحتفاء به في واحدة من الندوات، ليقدمه عريف الندوة ” معنا المخرج السينمائي إيليا سليمان، العائد من منفاه الاختياري في نيويورك، وقد اختار الوطن موقعاً لتصوير فيلمه الجديد عن السلام، سيحدثنا عن حبكة الفيلم وأساليب السرد التي سينتهجها، وبعض الشيء عن خصوصية اللغة السينمائية في هذا الفيلم الجديد”، إلا أنه حين يقف إيليا المخرج وإيليا الممثل ويهم بالحديث لا يستمع إليه أحد، وكأنه غير مرئي لهم، ويبدأ الأطفال الذين بصحبة ذويهم بالصراخ والهواتف النقالة ترن، وفوق هذا الميكرفون لا يعمل، فلا يتكلم إيليا ولا يكتمل الاحتفاء، وهكذا المشهد الوحيد الذي يعطي أملاً بأن إيليا سيكسر الصمت، لا يحدث إطلاقاً.

ويحتل الأب في الفيلم حيزاً رئيسيا فهو يربي الحيوانات الأليفة ويباري رجال الحارة بالمقهى في لعبة مصارعة الأيدي، كما يلعب شطرنج على جهاز حاسوب ضخم، كذلك الأم التي تطبخ بصحبة جاراتها، دون تسليط الضوء على العلاقة بينهم الثلاثة، عدا المشهد الذي يصدح فيه السلام الوطني الإسرائيلي والعلم يرفرف من شاشة تلفاز قديم في منزلهم، والأم والأب يشخران أثناء نومهما على “الكنبة”، بينما يقف إيليا في الغرفة الداخلية ينظر من النافذة، ويكون هذا المشهد الأخير في الفيلم.

حالة الكساد وشعور الإحباط، والذكورة الملقاة على أرصفة المقاهي، والسلام الوطني الإسرائيلي الذي يتردد في بيت فلسطيني، جميعها انعكاس لحقيقة أن الاحتلال خنق الأرواح والأماكن في مدينة الناصرة وأصبحت تقف على الحافة؛ فهي مدينة محتلة وغير محتلة، حرة وغير حرة، لها أسوار وليست لها أسوار.

والتهكم في الفيلم ليس فقط على شكل الحياة في مدينته بل أيضا على الاحتلال ذاته ومنظومته الأمنية التي تنتفض لنداءات “عدن” صديقة إيليا على “الماخشير” قائلة بالعبرية بأن هناك حدث أمني في القدس في تسلية طفولية إذ غدت وحيدة بعد أن ترك إيليا المنزل وعاد إلى الناصرة، فتستجيب سيارات الشرطة للنداء وتبحث عن موقع الحدث الأمني، والفتاة مستمرة بنقل معلومات خاطئة لهم وعناوين مختلفة ما يجعل السيارات تدور حول نفسها إلى أن يعتقلوها بعد اقتحامهم المنزل.

 ويتحرزون على كل شيء حتى دمية المانيكان التي ترتدي الثوب الفلسطيني، والتي كانت تواسي “إيليا” في وهو يجلس على كرسي مطلي بالعلم الفلسطيني يشاهد مشهد رقص تراجيدي في أغنية دريد لحام “رايتي السودة الحزينة” من مسرحية “غربة”.

 

 

لعبة “البازل”

 ويمثل خوف الشرطة الإسرائيلية من المانيكان، والقنبلة والمسدس التي ما هي إلا “ولاعات”، ليس فقط سخرية من رعبهم الأمني، بل كذلك معادل موضوعي للعجز عن التسلح في ذلك الزمان والمكان، وهذا العجز يتحول إلى فانتازيا كاملة حين تتحول المقاومة إلى لعبة نينجا خيالية في الفيلم الثاني “يد إلهية”.

 ومن هنا نستطيع القول إنه كان يؤسس في “سجل اختفاء” لعدد من الثيمات ومكونات الصورة السينمائية التي ستتكرر لاحقا في فيلمي “يد إلهية” و”الزمن الباقي”، ولكن هذا التأسيس أصبح يتمتع بهذه الصفة بوقت لاحق حين تم صنع الفيلمين الآخرين.

وهذه السمات المشتركة تشمل المكان والأفكار والتكنيك، فإضافة إلى فكرة المقاومة التي تتحول في الفيلم الأخير “الزمن الباقي” إلى ذكريات من الماضي، فوالده صانع أسلحة المقاومة في شبابه، ينقذ جنديا إسرائيليا من موت محقق في حادث لسيارته العسكرية التي تنقل الأسلحة.

 كما تتكرر ثيمة التهكم من الرعب الأمني في “يد إلهية” حين يذهلون أمام بالون في الهواء يحمل صورة ياسر عرفات ويتجاوز الحاجز دون أن يستطيعون منعه، أو في فيلم “الزمن الباقي” حين تعتبر الشرطة الإسرائيلية صينية “البرغل” مادة لصنع السلاح، أو حين يتحرك مدفع دبابة مع ذهاب وإياب شاب يتحدث بهاتفه النقال أمام منزله.

 وهناك مكونات في الثلاثة أفلام؛ الأب، والناصرة، وفقرة الإمبريالية الأمريكية، والأهم المنزل هو ذاته في الثلاثة أجزاء، وبعض الممثلين دائمي الظهور من عائلته وأصدقائه الحقيقيين، وهناك ما اقتصر على آخر فيلمين كمشهد الساحة الخارجية في المستشفى، وظهور الشقيقين الأصلعين في المشهدين، وكذلك يظهران في الفيلم الأول لكن ليس كمريضين بل عابري طريق من أمام محل التحف.

ولا تخلو الأفلام الثلاثة من فانتازيا سينمائية كمشهد عبور امرأة جميلة حاجز إسرائيلي في الفيلم الثاني “يد إلهية، هذه الفانتازيا في عبور الحاجز، يكررها في مشهد آخر في الفيلم الثالث “الزمن الباقي” حين تمر امرأة تقود عربة أطفال وسط اشتباك بين الجنود وشباب الحجارة في مدينة رام الله، فيتجمد كل شيء، ما عدا الجندي الذي يصرخ بها وهو يوجه إليها فوهة سلاحه “روخ على البيت”، فتخلع نظارتها الشمسية قائلة له “أنا روح على البيت.. أنت إلي روح على البيت”.

وهذا الحوار الذي يعبر عن فكرة الاحتلال الطارئ على الأرض في مقابل صاحب الأرض الأصلي، تتكرر في فيلم “يد إلهية” حين يقوم شاب معتقل في سيارة شرطة إسرائيلية متوقفة في مفترق طرق بوصف العنوان الصحيح لسائحة أجنبية تائهة، فهي تسأل عن عنوان لم يعرفه الشرطي، فيقوم بإخراج الشاب الفلسطيني المعتقل من السيارة، ويسأله عن العنوان، فيدلها دون أن يزيل الشرطي العصابة عن عينيه.

إن كل لقطة في الفيلم لم تكن اعتباطية أو زائدة بل جاءت إما لتخبرنا تفصيلاً جديداً عن يوميات مدن فلسطينية، أو لتكون قطعة جديدة في “بازل” ثلاثية إيليا، ثلاثية الأب والابن كما هي في أذهاننا حالياً.

وإذا كان هذا التشظي كان في أوجه بالفيلم الأول “سجل اختفاء”، سيقل في فيلم “يد إلهية” وتنمو حكاية الأب والابن، وتتحول المشاهد إلى أيقونات أيضا منعزلة لكن يربط بينها التكرار، تكرار الوقوف عند الحاجز، تكرار فتح الرسائل، تكرار رمي النفايات، تكرار انتظار الحافلة، إلا أنها في سياق أوضح.

ويبقى فيلمه الذي يصنعه داخل الفيلم قيد التحقق، فهو يعلق بطاقات القصة “الستوري بورد” على الحائط، ويقدم ويؤخر في المَشاهد، حتى يصل إلى فيلمه الأول وهو الثالث فعلاً أو السردية المتكاملة “الزمن الباقي”.

تتكرر ثيمة التهكم من الرعب الأمني في "يد إلهية" حين يذهلون أمام بالون في الهواء يحمل صورة ياسر عرفات ويتجاوز الحاجز دون أن يستطيعون منعه.

يد إلهية

يبدأ الفيلم بمشهد بابا نويل يركض حاملاً الهدايا على ظهره ومجموعة من الفتية يلاحقونه، وحين يتوقف على قمة التل، تظهر سكيناً مغروسة في صدره، وغير واضح من الطاعن، إلا أن المشهد لا يعبر سوى عن الغدر بأجمل ما في فلسطين والناصرة، إنه قتل إرث البراءة والعطاء في المدينة دون أن يكون مهماً إذا ما كان القاتل فلسطينيا أو إسرائيليا.

 بل إن هذا المشهد سيتحول إلى أيقونة في الذاكرة البصرية، وسنراه يتكرر كل عام وقت احتفالات عيد الميلاد على تلال رام الله وعند حدود غزة؛ شبان يرتدون زي بابا نويل يركضون، ويواجهون رصاصات المحتل، لتلتقط الكاميرات العالمية الصور، فيحيا مشهد الفيلم من جديد بعدة طرق، وقد يعرف هؤلاء من صاحب براءة الاختراع، وقد لا يعرفون.

 إن فيلم ” يد إلهية” منذ اللقطة الأولى حتى الأخيرة لا يضم سوى مشاهد ستبقى أمثولة في ذاكرة السينما العالمية؛ “الحب الذي تمارسه أيدي العاشقين على الحاجز، بذرة المشمش التي تفجر دبابة، فتاة النينجا التي تتخلص من نخبة جنود إسرائيليين بالحجارة، بالون عرفات، بابا نويل المطعون، فتاة الحاجز”

وهي أيقونات مكثفة من المفارقات والتناقضات بنقاء خالص، وربما أكثرها شهرة بعد مشهد بابا نويل المغدور، مشهد الفتاة الجميلة التي تقطع الحاجز أمام دهشة الجنود وصمتهم، كذلك البالون الذي يعبر الحاجز مطبوعاً عليه صورة عرفات، ويصل إلى القدس المحتلة، وقد يعبر عن بطولة أو وهم البطولة فما يحمله هواء وداخله هواء أيضاً.

 إنها ثلاثة مشاهد رئيسية ستحمل طوال الزمن الباقي تناص مع الحياة، وتتكرر كتعبير هازئ في مناسبات وطنية ودينية، ونموذج مغاير في مواجهة الاحتلال، ومفارقة الأنوثة الطافحة أمام بندقية عسكرية.

ومع هذه المشاهد الكثيرة الساطعة عن باقي الفيلم والتي تكسر رتم امتداد حكاية العودة مرة أخرى لإيليا من نيويورك ولكن هذه المرة حين يقع والده مغشيا عليه بسبب مشكلة في قلبه، تبقى مدينة الناصرة تفيض بذكورها الذين يقضون وقتهم بالشجارات والغضب، فقد تجاوز الأمر انتظار أن تنتهي البطالة كما في الفيلم الأول.

 ويقترب إيليا من والده في أكثر من مشهد يجمعهما في المستشفى، يظهر فيه حرص الابن على الأب لكن دون كلام أو حتى تبادل النظرات، كأنه اغتراب داخل عودة، إلى أن يقرر في ” الستوري البورد” الخاص بصناعة فيلمه داخل الفيلم وفاة الأب، أو هكذا تريد اليد الإلهية!

عرض فيلم "الزمن الباقي " في مهرجان سينما فلسطين

الزمن الباقي

ليس إيليا وحده من يتقدم به العمر، ويمشي الشيب في رأسه بل يزداد انكفاء مدينة الناصرة إلى داخل حدود وضَعها الاحتلال، وتتآكل مصاطب الحارة، ومع كل ذلك تجد الحداثة طريقها كي تصل إلى المدينة، ويصبح لدى والدته “ربة منزل” أجنبية، وكذلك جهاز “كاريكوي”.

ويبدأ الفيلم بمشهد لسائق يضع حقائب إيليا سليمان في سيارة الأجرة، إلا أن الأمطار الغزيرة والرياح تحول دون تقدم السيارة، ولا يعود السائق الإسرائيلي قادرا على رؤية الطريق فيتوقف. وهنا ينتقل الفيلم إلى زمن 1948 حيث والده الشاب اليافع صانع الأسلحة يحب ابنة الجيران.

 ولم يسلم السرد التاريخي من تهكم إيليا اللاذع، حين يحاول جندي عراقي البحث عن طبرية للمحاربة مع جيش الإنقاذ العربي، ويدله بسخرية مجموعة من الرجال الذين يجلسون على ذات مصطبة المقهى لكن هذه المرة يحملون بنادقهم ينتظرون الاحتلال.

 في هذا الفيلم يصل إيليا إلى الحكاية والسردية المتكاملة لقصة والده وعائلته وطفولته والتي كانت عبارة عن ومضات في الفيلمين السابقين. ويتدرج بكيفية وصول أهل المدينة إلى قبول العيش تحت الراية الزرقاء وغناء أناشيد المحتل كأنها أناشيد الوطن، فيسلم مفتش المنطقة الإسرائيلي المعلمة العربية وسط سعادة المدير العربي أيضاً جائزة الاندماج في مجتمع ديمقراطي.

وبمجرد مغادرتهم يقرّع المدير الطفل إيليا “مين قلك أنه أمريكا كولنيالية؟ تعرف هذا الحكي ما بنحكاش في الصف”، وتكون ساحة المدرسة خالية إلا من الزينة البيضاء والزرقاء، وفي مشهد لاحق، يسأل المدير الطفل إيليا مرة أخرى ” مين قال لك إنه أمريكا إمبريالية؟ بتعرف هذا الحكي بنحكاش في الصف”، وهذه المرة تكون الساحة ممتلئة بالأطفال ولكن الجميع في حركة متجمدة، ما يعبر عن الكثير من ملامح المستقبل القادم.

لقطة من فيلم " الزمن الباقي" الذي يتدرج بكيفية وصول أهل المدينة إلى قبول العيش تحت الراية الزرقاء وغناء أناشيد المحتل.

ويصور إيليا طفولته ومراهقته بين الاعتناء بوالده وكونه طفلا لديه أفكار مغايرة وتدهشه عروض السينما، وبين مراقبة الجيران الذي يكرر أحدهم محاولات الانتحار في مشاهد كوميدية وحوارات عن نظرياته السياسة أكثر هزلية، كما يكون إيليا شاهداً على منعطفات تاريخية؛ كزمن الوحدة العربية، ووفاة جمال عبد الناصر، واستلام السادات، ومناوشات بين شباب مدينة الناصرة وجنود الاحتلال.

ويحدث التحول في زمن الفيلم مرة ثانية حين يكون الشاب إيليا في الصيدلية يشتري الدواء لوالده المريض، في اللحظة التي ينام فيها والده بالسيارة على أنغام “أنا قلبي دليلي” للمطربة ليلى مراد، وهي ذاتها الأغنية التي يستمع إليها جنود الاحتلال حين يسرقون جهاز “الجرامفون” من منزل حبيبته التي تغادر الناصرة مع عائلتها بعد احتلالها عام 1948.

والزمن الذي ينتقل إليه ليس الماضي وليس الحاضر الذي يمثله وجوده بسيارة الأجرة المتوقفة بسبب المطر، بل إلى زمن يصل فيه إلى منزله في الناصرة، لزيارة والدته الوحيدة مع المربية، وهنا يطرق الباب أحدهم، فينظر إيليا من عين الباب “السحرية” ليجد شرطياً إسرائيليا، ما يربكه لأن لهذا الزي الأزرق ذكريات سيئة من طفولته، إلا أنه حين بفتح الباب لا يكون إلا جارهم الفلسطيني الذي يعمل بالشرطة الإسرائيلية وهو الأمر الذي يبدو أنه لم يعد عاراً، ويرحب به الشرطي مقدماً له صحن سلطة تبولة.

 وهنا تستمر مفارقات مشابهة مع أصدقائه وأهل الحارة وفي المقهى، كما يزور رام الله ويقدم أكثر من صورة ساخرة عن الرعب الأمني للاحتلال فيها وقد ذكرتها في فقرة السابقة، كما يصور تناقضات الحياة والاحتلال في مدينة رام الله؛ فيرقص شبابها على صخب موسيقى صالة الديسكو، في وقت تنادي دورية الاحتلال بحظر التجول عند باب الصالة، ولا أحد يهتم.

 وهنا ينتقل إلى المشهد الفنتازي الأكثر بروزاً في الفيلم حين يقفز بعصا الزانة من فوق جدار الفصل العنصري ليسقط على الناحية الأخرى دون ضجيج، فيسجل هنا مشهد آخر من أيقونات السينما الفلسطينية في العالم.

 وبعده يعود إلى زمن الفيلم الحاضر؛ السائق نائم بالسيارة، وحين يصل إيليا سليمان إلى مكان ما، نجده في المستشفى حيث والدته تعاني من نوبة سكر، يتبادلان النظرات والابتسامات لكن دون كلام أيضاً، وينتهي الفيلم وهو يراقب المرضى وقد عادوا ليكرروا جنون يومياتهم في الساحة الخارجية، فيضع بذلك آخر قطعة من البازل مكانها!