متابعات

حكايات تونسية… حكايات بلا هوية

في عرضه العالمي الأول تابع جمهور مهرجان الأقصر الدولي للسينما الأفريقية في دورته الأولى فيلم"حكايات تونسية" للمخرجة الشابة ندى مازني حفيظ والذي يعتبر من أوائل الافلام الروائية الطويلة  التي يتم تصويرها بعد ثورة الياسمين في يناير 2011.
تنتمى المخرجة ندى مازني حفيظ إلى الجيل الجديد من مخرجي السينما التونسية الشباب فهي من مواليد 1983 ورغم أنها درست إدارة الأعمال في مونتريال لكنها عادت وغيرت مسار الدراسة وشرعت في دراسة الإخراج السينمائي حيث تخرجت من مدرسة السينما في مونتريال.
عادت ندى إلى تونس عام 2009 وقررت أن تكتب وتخرج أول افلامها الروائية" حكايات تونسية" والذي أنتجه له زوجها المنتج الشاب محمد سليم حفيظ.
تدور أحداث الفيلم في محأولة رصد الواقع اليومي لثلاثة شخصيات رئيسية شمس الفنانة التشكيلية التي تعاني من آثار علاقة حب فاشلة تعرضت فيها للخيانة وصابرين التي تواجه ضغواطا من اهلها للزواج بينما هي تريد أن تنتظر لكي تقرر من هو الشخص المناسب اما ايناس فهي امرأة مطلقة تستمع بحياتها في علاقات حرة لكنها تهمل في المقابل ابنتها المراهقة التي تنتقم منها عبر دخولها في علاقات غير شرعية مع أصدقائها، ولدينا في المقابل الجانب الذكوري المتمثل في حسن الرجل الوسيم الذي يفقد زوجته بالموت فيقرر أن يعود من المهجر إلى تونس فيتعرف على شمس ويدخل معها في علاقة حب ولدينا سائق التاكسي العجوز الذي يجد نفسه فجأة بلا عمل فيفكر في الانتحار وأيضا "مو" صاحب البازار الفاسد الذي يتاجر في المخدرات ويعيش حياة ماجنة بلا حساب.

المخرجة ندى المازني

الصدفة الا درامية
يفتقد الفيلم بالطبع إلى خبرة كتابة السيناريو الدرامي المحكم ربما بحكم كونه التجربة الأولى لمخرجته وكاتبته حيث تعتمد اعتمادا كليا أو جزئيا على تطور الأحداث من خلال الصدف البحتة التي تتوالد منها المواقف بلا حساب، ومن المعروف أن الصدفة هي اضعف انواع التطوير الدرامي لانها قد تحدث وقد لا تحدث والعمل الدرامي الجيد هو الذي يعتمد على تطور صراعه وأحداثه من خلال قرارات شخصياته التي تتخذ بناء على الأبعاد الدرامية لكل شخصية.
فحسن بالصدفة يركب مع سائق التاكسي العجوز ليحكي له عن واقع تونس (ما قبل الثورة) الذي يتسم بالفقر وضياع الفرص، رغم اننا لا نجد هذا في حياة الشخصيات الأخرى التي تعيش في واقع مخملي، حتى حسن نفسه لا ندرى ما هو عمله، فنحن لا نراه سوى مع الفتيات الجميلات طوال الوقت يحب شمس ويداعبها ويتجول معها في كل مكان.
وشمس تكتشف خيانة خطيبها لها بالصدفة عندما تعبث في تليفونه المحمول فتجد كليبا جنسيا له مع فتاة اخرى وهي صدفة ساذجة نسبة حدوثها بسيطة وكان من الممكن ان تستمر العلاقة بينهم لو أن خطيبها رجل ذكي لن يضع مثل هذه الكليبات الفاضحة لنفسه على موبيله بشكل مكشوف هكذا أو لم تحأول هي ان تعبث به من ورائه ولو انها مثلا كانت شخصية شكاكة تبحث خلفه لكان العثور على الكليب الفاضح منطقيا بشكل درامي لأنه نابع من سمات الشخصية وليس من لحظة ملل قررت فيها شمس أن تعبث بموبيل خطيبها لتكتشف خيانته لها ويصبح هناك موقف شد و جذب بينهما.
ثم تلتقي شمس بحسن ايضا عن طريق الصدفة في احد الكافيهات حيث يعجب سائح اسباني بلوحة لها فيتحدث معها بالإسبانية فيتدخل حسن للترجمة، وبالصدفة ايضا نكتشف أن صديق حسن هو صديق لزوج احد صديقات شمس وهكذا تدور الشخصيات في فلك الصدفة الدرامية طوال الوقت ما يجعل الصراع ساكنا فاترا يتطور بشكل قافز ولا يتصاعد محبوكا ومتقنا.

الحقد الطبقي
الازمة الكبرى في الفيلم هو أنه يتعامل مع الطبقة المخملية للنساء الأربعة على اعتبار أنها طبقة فاسدة جنت اموالها من دم الشعب ولا تجد ما تفعله سوى ان تصرف تلك الاموال على الملذات والخمر ولعب القمار وهي نظرة تقدم بشكل غير فني وتأتي اقرب للحقد الطبقي منها للتحليل الاجتماعي الجاد.
فنحن لا ندري من أين أتت ثروات هذه الأسر الغنية في الفيلم بل إننا نجد ان آباء الفتيات على سبيل المثال شمس وصديقتها صابرين يبدون رجالا على قدر من الاحترام والاتزان والشرف ولا نلمح فيهم كونهم رجال اعمال فاسدين أو مستفيدين من فساد النظام وبالتالي يبدو التناقض واضحا بشدة بين ما تريد المخرجة ان تقدمه عن هذه الطبقة وبين ما قدمته بالفعل حيث أنها تفترض أن المتلقي يعاني من حقد طبقي سوف يجعله يعرف دون أي مبررات درامية أن هذه الطبقة فاسدة طالما أنهم أغنياء وكأن كل غني فاسد..!
وفي المقابل تفترض المخرجة أيضا أن المواطن التونسي البسيط سائق التاكسي هو رجل شريف بدليل أنه فقير وأن ابنته ترتدي الحجاب في البيت امام أبيها دلالة على الشرف وهي إشارة ساذجة جدا أرادت المخرجة ان تصنع منها تقابلا مع تهتك الفتيات الأغنياء بالفيلم فجاءت بفتاة محجبة حتى في المنزل وهو نوع سطحي من المقارنات البصرية الغير حقيقية.
فليس كل غني فاسد بالضرورة وليس كل فقير شريف وليس هذا دفاعا عن الفاسدين أو هجوما على الفقراء ولكن الدراما لا تعترف سوى بالمبررات المنطقية والمستحيل الممكن تبريره في الدراما اقوى من الممكن والمنطقي الغير مبرر كما قال ارسطو قبل آلاف السنين في تنظيره الدرامي الشهير.
واتخاذ مواقف ايديولوجية ثورية يحتاج إلى أكثر من استعراض صدور وسيقان الممثلات والعربات الفارهة والفيلات البيضاء ذات الحدائق الواسعة فحتى المجتمع الأمريكي صاحب التجارب الديموقراطية الكبرى ثمة تفاوت طبقي كبير وواضح به، وثمة من يعانون البطالة ويأكلون من القمامة بينما يخسر آخرون ملايين الدولارت على موائد القمار في لاس فيجاس !

المخيلة التركية..
أصبحت ثمة ظاهرة جديدة بدأت تغزو عقول صناع السينما والدراما العربية يمكن أن نطلق عليها "المخيلة التركية" وهي صدى للدراما التركية التي سيطرت عناصرها البراقة على الشاشات العربية خلال الفترة الأخيرة.
نستطيع أن نلمح ذلك في تجربة حكايات تونسية بشكل واضح حتى أن الفيلم يمكن أن يطلق عليه اسم "حكايات" فقط دون أن تلحقه بأي جنسية تونسية كانت أو مصرية أو سورية..!
فالعلاقات العاطفية المركبة والنساء الجميلات والرجال الوسيمين الأقرب لموديلات المجلات والمنازل الواسعة المشمسة والسيارات الفخمة والشوارع النظيفة والشواطئ السياحية البراقة والحفلات الصاخبة واللحظات الرومانسية الرقيقة والعائلات الغنية ذات الوجوه المشبعة بالعز والرخاء كلها تفاصيل عامة يمكن أن تخص أي مجتمع في العالم به شرائح من الأغنياء وأصحاب الثروات ورجال الأعمال وهي ذاتها العناصر المميزة التي غزت بها الدراما التركية عقول المشاهدين العرب وباعت لهم الحلم من خلالها.
ولكنها في نفس الوقت جردت تلك العناصر من أية هوية خاصة حتى تنطبق في عمومها على أي مجتمع يعاني من تفاوت طبقي كالمجتمعات العربية أو من ظروف اجتماعية خاصة كالمجتمعات الخليجية على سبيل المثال.
وبالتالي أصبح اللجوء لمثل هذه العناصر في السينما والدراما التليفزيونية هو مسخ للهوية الخاصة بالفيلم أو العمل الدرامي ولو أن فيلم حكايات تونسية تمت دبلجته للسورية – وهي اللهجة الأثيرة في المسلسلات التركية- لما استطاع أحد أن يفرق بينه وبين اي مسلسل تركي أنيق يقدم نفس العناصر والتيمات التي قدمها الفيلم.
ولجوء المسلسلات التركية لمسخ هوية تلك العناصر سببه الرغبة في الانتشار واتساق الدبلجة لأي لغة على الصورة اللامعة المقدمة عن تلك المجتمعات، ولكن لا يمكن أن تتسق تلك الرؤية التسويقية مع رؤية من المفترض أنها تحليلية عميقة تحاول تقديم صورة عن مجتمع يعاني من تفاوت طبقي نتيجة فساد سياسي واجتماعي، ومن هنا اخفق "حكايات تونسية" في استخدامه لعناصر المخيلة التركية لصناعة تجربة فيلمية تتبنى اتجاه كاشف وثوري يفضح سلبيات مجتمع ما قبل يناير 2011 في تونس.

 
المشكلة أيضا أن المخرجة تعاملت مع فيلمها بشكل تليفزيوني جدا حيث امتلأت المشاهد بكميات كبيرة من الحوار المتبادل بين الشخصيات دون أن يكون ثمة توظيف لأي عنصر بصري كزاوية كاميرا أو حجم لقطة أو اشارة بالإضاءة أو الظل بل مجرد شخصيات تجلس في حجرات مغلقة أو على حمامات السباحة أو الشواطئ أو في السيارات تتحدث طوال الوقت وتعبر عن مشاعرها وافكارها بالحوار المتواصل دون لحظة صمت بل أن المخرجة تتعامل بمنطق بصري غريب وهو أن تدخل الحوار الداخلي لشخصية سائق التاكسي العجوز على مشاهد صابرين التي تعاني من ضغوط اهلها لأجبارها على الزواج وهو تداخل لا أحد يدري ما المقصود به سوى المخرجة فقط.
ناهيك عن أن بعض المشاهد تبدو منفذة بشكل غير حرفي مثل مشهد اجتماع الصديقات الأربعة في السيارة ليلا حيث نكتشف أن الإضاءة الخارجية المفترضة للشارع الذي يسيرون به اضاءة ثابتة لا تتغير مع حركة السيارة أو تتابع أعمدة الانارة على الطريق وكأن السيارة تسير وعليها كشاف ضوئي ينيرها من داخلها دون منطق بصري يحتم الإيهام بإضاءة الشارع المتلاحقة على وجوه الممثلات بالداخل وهو أحد العيوب التقنية والفنية التي تدل على قلة خبرة المخرجة والاستسهال في التعامل مع اللقطة السينمائية بشكل تليفزيوني غير محكم. 

العهد البائد
في المشاهد الأخيرة للفيلم تظهر صورة الدكتاتور التونسي المخلوع زين العابدين خلف أحد رجال الأمن في قسم الشرطة عندما يقوم رجل الأمن بمعاملة سائق التاكسي بخشونة ويأمر بطرده أيضا لأن سائق التاكسي تضرر من مصادرة عربة الخضروات البسيطة التي يعمل عليها ويرتزق من ورائها بعد أن طرده صاحب التاكسي واستبدله بقريب له.
هذه الصورة تشير بالطبع إلى أن الاحداث تدور في العهد البائد الذي يجب أن تتم مهاجمته بعد كل ثورة، ويحاول الفيلم من خلال الصورة إعطاء نفسه عمقا سياسيا خاصة أنه اعتبر الطبقة الغنية في هذا العهد هي طبقة فاسدة، رغم أن مشاكلها يمكن أن تعاني منها أية طبقة اخرى كالفراغ العاطفي أو البحث عن زوج مناسب أو اكتشاف خيانة الزوج أو شذوذه، فهي ليست مشكلات تخص الاغنياء فقط..! ولكن السيناريو الذي يعتبر أن تلك من امراض الغنى وحياة الدعة يمكن ان يعتبر أن مصادرة عربة الخضراوات من السائق الفقير هي قمة الظلم السياسي والاجتماعي وليس مثلا أن ثمة قوانين تجرم عملية البيع بهذه الطريقة !
خلاصة القول أن مثل هذه الأفلام تضر بفكرة الثورة ولا تفيد تقييم مسؤولية العهد البائد بشكل ناضج لأنها تجعل الثورة في النهاية قامت من أجل الاطاحة بطبقة من الفتيات اليائسات عاطفيا واللائي يعانين من سوء اتخاذ القرار المناسب مع شريك الحياة، ويختصر معاناة "البوعزيزي" في جملة بلا روح يقولها سائق التاكسي العجوز لنفسه أمام المرآة في النهاية وهو ان هذه البلد قد تدفع الشخص في النهاية للأنتحار!