متابعات

”سرطان البحر“: ثمن الحب والحرية

محمد هاشم عبد السلام

 

في الفيلم الجديد للمخرج اليوناني الشاب ”يورجوس لانتيموس“، الذي يحمل عنوان ”سرطان البحر“ The Lobster، يعود ”لانتيموس“ مرة أخرى بعمل لافت للغاية يرتقي بالفعل لمستوى التحفة الفنية، ولا يقلّ فنية وأهمية عن فيلمه الرائع ”أنياب الكلب“. مع كاتب السيناريو المتميز ”إيفثيموس فيليبوس“، الذي اشترك معه في كتابة معظم أفلامه الروائية، يُقدِّم لنا ”لانتيموس“ وكاتب السيناريو مجموعة من الشخصيات شديدة الغرابة والتفرُّد، تعيش في أجواء لا تمتّ للواقع بصلة. وقد استطاع فيلم ”سرطان البحر“، وعن جدارة، الحصول على جائزة ”لجنة التحكيم الخاصة“ في مهرجان ”كان“ الماضي.

 

إن دراما فيلم ”سرطان البحر“ شديدة الغرابة وبالغة الاختلاف، وهي مليئة بالسخرية المريرة أو الكوميديا السوداء والاستعارات والمجاز، والمثير أنها تجعل من قصة حب مُعاصرة أو ربما تدور أحداثها في المستقبل، مادة دسمة لكوميديا مأساوية حزينة تسخر من فكرة الثنائيات سواء في الحب أو مؤسسة الزواج. والفيلم من ناحية، وعلى نحو شديد التجريد، لا يشير إلى أي سياق زمني بعينه أو يُحيل إلى مكان بذاته، بغية تعميم الفكرة وإكسابها بُعدًا عالميًا. ومن ناحية أخرى، يتناول إجمالا في خطّه الرئيسي مُعضلة الحب، والأشخاص الذين يعانون من صعوبة الحصول على الحب أو يُعانون من الوحدة أو الهجر، والاحتياج للآخر. إضافة إلى ذلك، يطرح فكرة اقتران الحرية والحب، وكيف أنهما لا ينفصمان، وأن التضحية من أجل الحصول على الحب والفرار من الوحدة تتطلب انتفاء الحرية أو العكس، وفي حالة الحصول عليهما معًا فإنه يتعين دفع الثمن، الذي عادة ما يكون فادحًا.

بالرغم من طبيعة الموضوع الرئيسي الذي من المفترض به أنه يعالج فكرة إنسانية بالدرجة الأولى، تتسِّم بتدفّق المشاعر وكثافتها، لكن الفكرة هنا، ليس فقط بسبب التغريب أو التجريد الضارب بشدة في أنحاء الفيلم، تبدو لنا شديدة العبثية. فهي تُحسب بمعايير المعادلات الرياضية، وتقاس فيها المشاعر بالآلة الحاسبة، وتتحكم فيها وتُسيطر عليها قوانين عسكرية بالغة الجدية والصرامة والتطرُّف. والأكثر إثارة للحزن، والذي يصل بالمأساة إلى درجة الملهاة الصريحة أن شخصيات الفيلم، يصعب حتى نعتها بكلمة ”شخصية“، شديدة البرود، ولا تشعر من جانبها بذرّة مشاعر تبديها على أي نحو من الأنحاء، حتى في أشدّ لحظات الفيلم والعلاقات حميمية، إنها تمامًا مثل الآلات أو الجمادات التي دبّت فيها الحياة فحسب.

 

وفيلم ”سرطان البحر“ يتناول، إلى جانب طرحه العديد من القضايا الفرعية الأخرى، قضية أساسية متعلّقة بالحريات، وبمدى تعارض الحرية مع النظم الفوقية التي تفرض وتطبق نُظمها على الجميع دون أدنى مساحة للحرية أو الاختيار. باختصار، إنه القهر والتسلُّط لدرجة العبودية باسم النظام، بغية سلب الإنسان أي إرادة أو الإجهاز على ما تبقّى منها، وتحويله في النهاية إلى مجرد شيء أو آلة تؤدِّي وظائفها المنوطة بها في ضوء الانصياع التام للنظام وقوانينه، بصرف النظر عن مدى غرابة القوانين والنظام القائم عليها. إن الأجواء التي يُقدِّمها لنا الفيلم هي لعالم فقد فيه الإنسان، إضافة إلى العجز عن الحب، حرية التصرف في نفسه وحياته.

 

في تلك المدينة الغريبة بالفيلم، التي لم يُذكر اسمها، وحتى الشخصيات بالفيلم لا تحمل أية أسماء بل توصيفات سادية، باستثناء بطل الفيلم ”ديفيد“، يُفرض على كل من صار عازبًا لسبب أو آخر، أن يغادرها على الفور. ومن ثم يجد المرء نفسه مرغمًا على الإقامة إما بأحد الفنادق الغريبة أو بالغابة الأشدّ غرابة من الفندق. في الفندق يُسمح للنزلاء بالبقاء فقط لمدة تصل إلى 45 يومًا. ومنذ يومه أو يومها الأول وحتى انتهاء تلك المهلة، يتعين على الشخص إيجاد شريك أو شريكة حياة من بين نزلاء أو نزيلات ذلك الفندق، ولو انقضت المدة سُدى، فإن الشخص يتحول إلى الحيوان الذي اختار في البداية، مع قدومه للفندق، أن يكونه أو يتحول إليه. وتلك هي الحرية الوحيدة المُطلقة المسموح بها للنزيل، إضافة لحرية اختيار الشريك أو الشريكة، التي هي مُقيدة بالأساس بحكم طبيعة وعدد نزلاء الفندق المحدودين أصلا.

بطل الفيلم، ”ديفيد“ (كولين فاريل)، مهندس معماري هجرته زوجته من أجل رجل آخر، وليس له من أنيس سوى كلبه ”بوب“، الذي هو بالأساس شقيقه، وقد تحول لكلب بعدما فشل في الحصول على شريكة حياة. يعاني ”ديفيد“ من قصر النظر، نلاحظ عليه بعض السمات الإنسانية، مثل الخجل والانطواء والانهزام والبُعد كل البُعد عن العصبية أو حتى التمرد، إنه شخصية مُسالِمة وراضية بقدرها مهما كان. وقد اختار ”ديفيد“ لنفسه أن يتحول إلى كائن سرطان البحر، ومن هنا جاء عنوان الفيلم، وفيه نلمح بعض السخرية القاتمة، نظرًا لأن سرطان البحر يتسم بالخصوبة الشديدة ويتمتع بالعمر الطويل، حيث يتجاوز عمره أحيانًا ما يزيد عن مائة عام، في حين يُعاني ”ديفيد“ من الوحدة أصلا، إضافة إلى أن حياته صارت رهنًا بالمُهلة الممنوحة.

من بين الغرائب التي تُبيِّن إلى أي حد وصل التحكم في حريات الأشخاص وتقييدها، نجد أن النزلاء مُحرَّم عليهم لمس أعضائهم أو مُمارسة العادة السرية، بل ويتم تقييد أيديهم لهذا السبب، ووضع أقفال على ملابسهم، ومن يفلح ويتحايل على هذه القيود يكون مصيره حرق يده مثل ”الأثلغ“ (جون رايلي)، ويتم التحكم في هذا الأمر بمعرفة خادمة الفندق، وهي المسئولة فحسب عن تلبية تلك الرغبة عن طريق التلامس الخارجي فقط. حتى الألعاب الرياضية، مسموح فقط بلعب التنس للأزواج، بينما العُزّاب فيلعبون الجولف فحسب، على سبيل المثال. كذلك أيضًا، قيام النزلاء برحلات من أجل صيد العزّاب بالغابة المحيطة بالفندق، ونعرف لاحقًا أنه كلما اصطاد النزيل أحد العزاب بالغابة ازدادت فرصته في الحصول على فترة إقامة أطول بالفندق.

ولأنه يخشى مصيره الحتمي ومصير شقيقه، بعدما فشل في إيجاد شريكة، يلجأ ”ديفيد“ إلى الادّعاء بأنه شديد القسوة والعدوانية وأنه حادّ الطباع، كي يستطيع الزواج من ”امرأة بلا مشاعر“ (أنجيليك ببوليا)، فيعيش معها حياة شديدة البرود تزيد من وحدته، لكنه مع ذلك لا ينبس، فقط يُبدي رغبته في الهرب ومفارقة الفندق بعدما تُطلق الزوجة النار على الكلب أو شقيقه. وبالفعل، يستطيع ”ديفيد“ بمساعدة ”الخادمة“ (أريان لابيد) الهرب من الفندق. بهروب ”ديفيد“ من الفندق، يتصور أنه قد تنفس الصعداء ونال حريته المنشودة حتى وإن ظل عازبًا، لكنه يُفاجئ بأن ثمة مجتمع آخر معاكس تمامًا لمجتمع الفندق، هو مجتمع الغابة، حيث يعيش ”المنعزلون“ الذين انشقّوا وتمردوا على مجتمع الفندق وأفراده. ذلك المجتمع تسيطر عليه ”القائدة الوحيدة“ (ليا سيدو).

 

تمامًا كمديرة الفندق الصارمة الحازمة، نكتشف أن مديرة الغابة أو ”القائدة الوحيدة“ هي نسخة طبق الأصل من مديرة الفندق، وأنهما، على غرار جميع الأشخاص الدكتاتوريين أو السلطويين، يضعون القيود ويسلبون الحريات ويمارسون القهر والحرمان والتعذيب على الآخرين، بينما هم خارج تلك النظم والقوانين بالمرة، بل ويتمتعون بحياتهم، ويعيشون على نحو طبيعي للغاية. وبالرغم من أن الفيلم فقد إلى حد كبير الكثير من قوته وعدميته وسخريته السوداء، وتنوع وفرادة وعمق شخصياته، مع انتقالنا إلى مرحلة الغابة والمدينة، لكنها من ناحية أخرى، كانت ضرورية من وجهة نظر كاتب السيناريو والمخرج أيضًا، وذلك لتعميق الجزء الأول منه عن طريق إظهار الجانب الآخر المضاد لفكرة الفندق.

 

إن مجتمع الغابة، على سبيل المثال، ممنوع فيه الزواج، وتُقطع على الفور شفتي من يُشتبه في مجرد تقبيله للآخر، وليس الارتباط أو الغرام به، ناهيك عن الاتصال الجسدي. ويتعين على أعضاء مجتمع الغابة الهروب من فخ الموت، رغم حفرهم لقبورهم بأيديهم، ومن الوقوع في أسر نزلاء الفندق الذين يحاولون قنصهم، وإلا تحولوا بدورهم إلى حيوانات، بل وشنّ غارات على نزلاء الفندق ليثبتوا لهم كيف أن علاقاتهم ستقوم على الكذب والخداع. في هذا المجتمع الشاذّ بدوره، والذي هو بمثابة الوجه الآخر لمجتمع الفندق، يقع ”ديفيد“ في حب زميلته ”المرأة قصيرة النظر“ (راشيل وايز).

يفرّ ”ديفيد“ و“المرأة قصيرة النظر“ إلى المدينة ليعيشا كزوجين، وليس كعازبين. بطريقة أو أخرى، تعرف ”القائدة الوحيدة“ بقصة حبهما وهروبهما، فتصطحب ”المرأة قصيرة النظر“ لطبيب عيون لعمل نظارة طبية لها، لأنها تعاني من قصر نظر شديد مثل ”ديفيد“، وهناك توعز للطبيب المؤتَمر بأمرها بسلبها نظرها كي تصير عمياء، وبالفعل يتحقق هذا. وعندما يعلم ”ديفيد“ بالأمر يُصرُّ على أن يكون أعمى بدوره قبل أن يتزوجا، كي يعيشا معًا سواء بسواء، ولا تتحمل حبيبته بمفردها ثمن حبهما، وتكون قد دفعت بصرها كمقابل لحريتهما في المدينة. إن ”ديفيد“ وحبيبته استعادا حريتهما وإرداتهما الحرة بالفعل، وفوق ذلك فازا بعلاقتهما كحبيبين، لكن ثمن الحرية والحب في النهاية كان باهظًا بالفعل.