متابعات

صباح الخير قلقيلية: الحياة في مواجهة الاحتلال!..

بشار إبراهيم

لن يختلف فيلم «صباح الخير قلقيلية»، للمخرجة ديما أبو غوش، (عام 2004، وثائقي مدته 25 دقيقة)، ولن يتمايز عن تيار كامل من الأفلام الفلسطينية، المُنجزة منذ مطالع القرن الحادي والعشرين، بالتوازي مع انطلاق انتفاضة الأقصى، وما تبعها من تفاصيل يومية، اخترعها جيش الاحتلال الإسرائيلي، الذي فاجأ العالم بأنه يعود مرة أخرى لاحتلال الأراضي التي كان قد انسحب منها، وفق اتفاقيات أوسلو، وبالتالي العودة لممارسة الحكم العسكري، بكل ما يتميز به من بطش وتعسف.
تأخذ المخرجة ديما أبو غوش من بلدة "قلقيلية" نموذجاً يكشف ممارسات جيش الاحتلال، ويلخص مأساة الشعب الفلسطيني، سواء على بوابات العبور، والحواجز، انتهاء بالجدار الفاصل.. هكذا تغدو بلدة "قلقيلية"، بكل تفاصيلها، فضاء للفيلم، تجول الكاميرا في جنباتها، وتتلمس تفاصيلها، في نظرات بانورامية، وتلتقي وتحاور ناسها على اختلاف شرائحم العمرية والمهنية (معمل بلاط، مشتل، مزارع، خلايا نحل)، لتكشف الخسارات المادية التي لحقت بهم جراء الحصار والاغلاق والمنع، فيما بين الجدار، والأسلاك الشائكة، وبوابات المراقبة الإلكترونية.
تضيق البلدة على ما فيها من اتساع، وتنغلق الآفاق حتى تكاد تطبق على الصدور. والاحتلال بحضوره البغيض، وآثاره الدامية، يتسرب عميقاً، إلى درجة أننا سنرى معلمة مدرسة تحكي عن أصوات المجنزرات وإطلاق النار، التي تعشعش في أجواء صفوف المدرسة!.. لنتساءل: كيف يمكن حجب هذه الأصوات عن أسماع التلاميذ في صفوفهم؟.. وكيف يمكن محو صورة الجدار، الذي ينتصب قريباً من المدرسة، ويطل من النوافذ؟..
«الجدار خنقنا».. تقول طفلة. والجدار الذي لا يكتفي بالتهام الأرض، بل يقتحم غرفة الصف في المدرسة، كما يترصد بأبراجه العالية الساكنين في بيوتهم. سيقول الرجل: «السور مش بس حطنا في قفص.. مانعنا نمارس حريتنا في بيوتنا.. كنا نقعد ع الشباك، يوم الجمعة، نشرب كاسة حليب مع بسكوته.. من يوم ما انحط البرج، إحنا ما بنقعدش.. بنحس إنو في ضيف مفروض علينا فرض.. هو مش ضيف.. هو عدو مفروض عليّ فرض.. بخاف يطلع منه رصاص.. يطلع منه غاز.. يعتقد إنو حركة إيدي، حركة إيد زوجتي، أو ولدي.. يعتقد إنو بدنا نضربه». والزوجة تتحدث عن الكوابيس التي صارت تأتي أولادها، في نومهم، بسبب من مشاهدتهم للأحداث.
تعتمد المخرجة ديما أبو غوش، في قسط من الفيلم على فعل المراقبة، والبناء البانورامي، الساعي للملمة المزيد والكثير من التفاصيل المتناثرة، التي لا يكاد البعض منها يجمعها جامع، سوى أنها تدور في "قلقيلية"؛ تناثرات من تفاصيلها المكانية، ويومياتها الحياتية، وملامح الناس المتنوعة أعمارهم، وأشغالهم، ومهنهم، وثقافاتهم..

كل ما في "قلقيلية" يبدو على قلق. والمونتاج يعمل على تعزيز هذا الإحساس: جنديان إسرائيليان يغلقان بوابة العبور. نظرة بانورامية عامية تمسح المكان، وتظهره مفتوحاً على الأمداء الواسعة، التي تتناقض مع فعل الإغلاق، الذي يمارسه جنديا الاحتلال. ننتبه إلى الجدار الذي يشق المكان، ويقسمه: هنا وهناك!.. لقطة من أعلى إلى سطح «زينكو»، وحبال غسيل. حمامة على حافة السطح.. ترفّ وتطير. عربة كارو.. رجال مسنون جالسون في انتظار ما يبدو أنه لن يأتي. أطفال في مدرسة، يتعلمون بأصوات عذبة، وإشارات ذكية.. براءاتهم لا تستطيع محو وجود الأسلاك الشائكة، والقضبان العازلة!..
كان يمكن للكاميرا أن تتمتع، وتمتعنا بجماليات المكان، في هذه البلدة التي فيها المزيج الجميل من القرية والمدينة، من جماليات الطبيعة، وبراءتها وفطريتها، وجماليات العمران، والإنسان.. ولكن كيف للكاميرا أن تتجاهل وجود جيش الإحتلال الإسرائيلي؟.. كيف يمكن تجاهل حقيقة أن "قلقيلية" باتت حبيسة بين البوابات، والأسلاك الشائكة، والجنود، والمراقبة الإلكترونية؟.. قبل أن يضيف الاحتلال بناء الجدار، الذي كان وهمياً، ومن ثم أصبح حقيقياً، كما يقول أحد المزارعين.
«اخترعولنا الجدار.. وحبسونا ببوابات.. منحوا تصريحات.. وأخذوا يتشددون بالشروط اللازمة للحصول على التصريح.. أصبحت حياتنا مشلولة».. يقول آخر.. وحيث يوجد الاحتلال سيوجد هدم البيوت، ومصادرة الأراضي، والتضييق على سبل الحياة، من لقمة العيش، إلى خنق إمكانية التنقل والحركة.. بل، لن يتردد المحتل في بث الخوف والقلق، في عمق النفوس، وجوانيات البيوت، ومع كل نسمة هواء.
الشهادات والتصريحات الني يقدمها فيلم «صباح الخير قلقيلية»، تتنوع وتتعدد، وتختلف زوايا الرؤية ووجهات النظر.. ولكنها جميعاً تلتقي عند بؤرة واحدة: الاحتلال، وممارساته البشعة، ووجوده المرفوض، الذي يتنافى مع أبسط حقوق الناس.
يقول أحدهم إن الاحتلال «سرق الأرض، سرق الميّ، سرق البيئة، غيّر الجغرافية، بيحاولوا يغيروا بالتاريخ».. ويشير آخر، قائلاً: «على مدى عينك كل هذا لقلقيلية.. أخذوها شوي شوي».. ويعترف ثالث: «ابني ما بيعرف شو في ورا السور.. أراضينا ممنوع نفوت عليها»!.. فهل ثمة أبشع من هذا على وجه الأرض؟.. وهل يقلّ هذا كثيراً عن قتل النفس، وسحقها، وإذلالها؟.. أليس القتل البطيء، وبثّ الموات في كل شيء؛ في الزرع والضرع، في المعمل والمنشأة، في المزرعة والمشتل، في البيت والمدرسة، في اليقظة والمنام، هو جريمة أشد مرارة، وأقسى وقعاً؟..

تنتبه المخرجة، من جهة أخرى، إلى وجود المتضامنين الدوليين، في إطار حملة «مراقبة وتضامن»، هؤلاء الذين أتوا من أقصى بقاع الأرض (بلجيكا)، في موقف إنساني يؤثر لهم، وعنهم!.. أحدهم سيتحدث عن الإرادة والثقة بالنفس، عن المقاومة، التي يراها مسألة نفسية بالأساس، لأن المواطنين في مواجهة جيش.. ويرى أن قلقيلية بمقاومتها يمكن أن تكون قدوة لباقي الأماكن الفلسطينية.. فهو يعتقد أن بعد قلقيلية، سيأتي دور طولكرم، وبيت لحم، والقدس.. ويرى أن قلقيلية كانت البداية، لأنها تبعد عن البحر 18 كم فقط..
ما بين الصورة، التي تُفصح بنفسها عما يدور، وتتمكن من نقل الأحاسيس والمشاعر، بتوترها وقلقها، البادي والكامن، وترسم هيئة المكان، بأدنى تفاصيله.. ومن خلال شريط الصوت، الذي لا يتردد في نقل الكثير من التصريحات والشهادات والخبرات والتجارب، التي عاشها ناس "قلقيلية"، وخاضوا غمارها، وقاسوا منها.. وما يزالون.. وفي الوقت الذي يرصد الفيلم جزءاً كاملاً منه لبيان واقع الحال؛ صعوباته ومعاناته، والقسوة الرازحة على المكان والإنسان.. فإن الفيلم في الوقت نفسه، يفتح طاقة أمل، ويبدي قوة عزم، لإصرار ووجود: «سو ما يساوو باقيين.. إحنا موجودين»، يقول رجل!.. بينما تأمل طفلة بالقول: «بدنا فلسطين ترجع زي ما كانت»!..
يبقى من الجدير ذكره أن المخرجة ديما أبو غوش، كانت قد بدأت مسيرتها من خلال العمل في مركز الإنتاج السينمائي، بإشراف المخرج رشيد مشهراوي، قبل أن تذهب لاستكمال دراستها الأكاديمية، في بريطانيا.