متابعات

“عاطف الطيب رائد الواقعية المباشرة”

د. أمــل الجمل

ترجع أهمية كتاب “عاطف الطيب رائد الواقعية المباشرة” الصادر حديثاً عن المجلس الأعلى للثقافة بمصر إلى أمرين؛ الأول: أنه عن أحد أهم المخرجين– ليس فقط بين أبناء جيله – ولكن على مدار تاريخ السينما المصرية والعربية، وذلك رغم أن حياته لم تكن طويلة حيث توفى عن عمر يناهز 47 عاما ومع ذلك أخرج “21 فيلم”، ولأن أفلامه – التي بدأها منذ عام 1982 لاتزال تتسم بالآنية والمعاصرة كأنها تدور اليوم – تعرضت لكثير من مشاكل الرقابة والحجر على حرية الإبداع لأنها كانت تناقش الكثير من المشاكل الحساسة والتي كانت تعد من المحرمات، ومنها تناول فساد جهاز الشرطة وتلفيق التهم التي تلوث شرف الأبرياء مثل “ملف في الآداب” 1986 والذي استلزم موافقة وزارة الداخلية قبل التصريح بالعرض. كما تعرضت بقوة وعمق للتعذيب الذى يلاقيه المعتقلون السياسيون ظلما وزورا مثل فيلم “البريء” 1986 شاهده أربع وزراء (المشير أبو غزالة “الحربية”- أحمد رشدي “الداخلية”- أحمد هيكل “الثقافة”- صفوت الشريف “الإعلام”) قبل إجازته للعرض وعدلت نهايته ليرى النور.

يُضاف إلى ما سبق جرأة الطيب في التعرض لفساد جهاز المخابرات الذي يستخدم الدعارة للحصول على معلومات عسكرية وسياسية خطيرة باسم مصلحة الوطن مثل فيلم “كشف المستور” 1994 والذي تعرض لكثير من الحذف. وأيضاً تناوله لمشكلة الدين وتزييف الوعي الديني – إلى جانب الفساد السياسي – ومحاولة ابتزاز أموال البسطاء باسم الدين كما في فيلم “الزمار”  1985 الذى منعته الرقابة واقتصر عرضه على الفيديو بعد حذف بعض المشاهد.

أما العامل الثاني الذي يمنح الكتاب مزيداً من الأهمية والقيمة أنه جاء موقعاً باسم ورؤية الناقد والمخرج السينمائي “هاشم النحاس” الذي طبع بصمته العميقة في عالم السينما التسجيلية المصرية، وحصدت أفلامه جوائز دولية وعربية، فمثلاً فيلمه “النيل أرزاق” حصل على الجائزة الأولى في مهرجان “ليبزج” الدولي عام 1972، كما اختير في السنوات الأخيرة في فرنسا كأحد أهم الأفلام في تاريخ السينما التسجيلية في العالم. إذن هنا مخرج – وليس مجرد ناقد – اتسم كثير من أعماله بقوة الرؤية الإبداعية والتجديد بين أبناء جيله، مخرج يفهم جيدا في العمل السينمائي بفضل ثقافته الواسعة وخبراته المتراكمة وإحساسه المرهف، وبفضل موهبته في أن يجمع بين الرؤية الإبداعية والنقدية في آن واحد.

لكل ما سبق يُكسب الكتاب الكثير من الصدق والموضوعية، ويعتبر من دون شك أحد أهم المراجع عن عاطف الطيب، إذ لم يكتفِ مؤلف الكتاب بتقديم تحليله للأفلام جميعها، ولكنه قام بإعادة مشاهدتها وكتابة تسلسل لأهم المشاهد بكل شريط سينمائي وذلك حتى يُشرك معه القارئ في الحكم عليها وتقييمها وهي محاولة جديدة تستحق التقدير، مثلما لم يكتفِ هاشم النحاس بتحليل كل عمل من وجهة نظره مفندا مزاياه وطارحا نقاط الضعف فيه، ولكنه أضاف إليها أيضاً أهم الآراء النقدية الأخرى التي تناولت الفيلم بالشرح والتحليل، وهذه الخطوة التي أقدم عليها النحاس خطوة مهمة لأنها كانت تعمق النقاش حول الفيلم وتُثريه وتمنحه مزيدا من الجدل، وتقلل من الذاتية مما يمنح مساحة أكبر للموضوعية عند تناول الفيلم. ويُحسب للمؤلف أيضاً أنه أرفق بالكتاب قائمة بأسماء العاملين (بيانات الفيلم) كما جاءت على شريط الفيلم نفسه، وليس نقلاً عن مرجع مكتوب، مما يضمن دقة التوثيق.

يتضمن الكتاب تسعة فصول بدأها المؤلف – بعد المقدمة والشكر- بداية ذات قيمة بالغة لأنها ستمنحنا لاحقاً تفسير إنسانيا كاشفاً للجذور الأصلية وراء ذلك الاختيار الفكري الذي تميزت به مسيرة الطيب، وذلك من خلال لمحات من السيرة الذاتية للمخرج الراحل الذي عاش وتربى في حي بولاق الدكرور بمحافظة الجيزة، أي داخل إطار القاهرة الكبرى التي دارت فيها معظم أفلامه وصور شوارعها وبعض معالمها حيث حرص على تصوير أفلامه في الشوارع والمواقع الحقيقية مستخدما الكاميرا المحمولة على الكتف، وكان في ذلك أحد رواد جيله.

 وكانت فترة الحياة التي عاشها الطيب رغم قصرها مشحونة بالأحداث والتحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية أيضا، حيث اجتاحت مصر نكسة 67 مع بلوغه الوعي في سن العشرين وما تلاها من أحداث من حرب الاستنزاف إلى نصر أكتوبر إلى عصر الانفتاح، ونتائجه المدمرة. وهو ما نراه منعكسا بوضوح في معظم أفلامه.  

هنا، يُوضح النحاس كيف أثرّت نشأة الطيب وظروفه الحياتية على مسيرته السينمائية، ولماذا كانت الأسرة المصرية وما أصابها من معاناة وخاصة في عصر الانفتاح إحدى شواغله الرئيسية في عدد كبير من أفلامه، ولا غرابة في ذلك عندما نسمع ما قاله الطيب بنفسه: ” كان دكان أبي في الدقي، فقد ادخر مالا وفتح محل ألبان، كنت أساعده وأنا صغير ثم كسدت تجارته من التنافس مع رأس المال الأكبر وانكسرت نفسه وكنت أرثي لحاله جدا، كنت أوزع الألبان على شقق زبائنه حتى أساعده، فقد كنت أنا ابنه الكبير وكل أخوتي بنات و(أيمن) شقيقي الأصغر كان طفلا “.

[[{“attributes”:{},”fields”:{}}]]

هنا، أيضاً – وهو ما يُؤكده المؤلف في أكثر من موضع بالكتاب – ألا يمكن أن نستعيد شخصية حسن في “سواق الأتوبيس”؟ أليس هناك تشابه قوي بين الرجلين؟ بين حسن وعاطف؟ حتماً سيكون هذا هو الاستنتاج التلقائي عندما نقرأ السيرة الذاتية للطيب لنتأكد من صدق ما قالته زوجة عاطف الطيب في حواراتها عنه.

يتناول هذا الفصل أيضاً اهتمام الطيب المبكر بالأدب – منذ صباه – والذي كان وراءه محاولاته لتحويل بعض الروايات الأدبية إلى أفلام وكان في مقدمتها وأنجحها “الحب فوق هضبة الهرم” لكن أجرأها كانت محاولته تحويل الرواية الفكرية “قلب الليل” إلى الشاشة الفضية. يتطرق أيضاً إلى التحاقه بمعهد السينما، وعمله لمساعد لأهم المخرجين المصرين وعدد من المخرجين الأجانب، ثم إصراره على اقتحام سوق الإنتاج السينمائي والإنتاج بميزانيات غير مكلفة، ومشاكله مع الرقابة والجوائز التي نالها، ثم اكتشاف إصابته بمرض القلب وتكتم الخبر خوفاً من رد فعل المنتجين وتوقعه بأن يحرموه من العمل الذي كان دوما هو طوق الحياة والنجاة له، وهنا – في لافتة تؤكد قسوة وفظاظة رأس المال – يستعيد هاشم النحاس ما حدث مع المخرج أحمد ياسين (1946 – 1988) مخرج فيلم “الملاعين / 1979” وأفلام أخرى، والذي كان قد أصابه المرض في القلب فسحب منه المنتج الفيلم الذي تعاقد معه على إخراجه، ما أصاب أحمد ياسين بعدها بسكتة قلبية قضت على حياته.

ثم يتناول المؤلف في فصل لاحق مبررات وصف عاطف الطيب بالمخرج العظيم، يليه فصل آخر باعتباره رائد الواقعية المباشرة، مفسراً القصد من وراء ذلك، وإن كانت كاتبة هذه السطور تُفضل وصف “الواقعية الآنية أو الحاضرة” على وصف “المباشرة”. ثم في الفصول التالية يتناول صاحب الكتاب أفلام عاطف الطيب من خلال رؤى نقدية مقارنة، ثم رؤى تحليلية عن قرب إذ أنه بعد تقديم نظرة شاملة لأفلام الطيب يقترب النحاس أكثر في الفصل التالي لتقديم تحليلا فنيا أكثر عمقاً لثلاثة أفلام كانت تمثل ثلاث مغامرات فنية متمايزة – وليست الوحيدة – لعاطف الطيب، وفيها يكشف المؤلف عن الأسلوب الفني للطيب ومقدرته على تجاوز الدعائية وكافة المنزلقات (ومنها فقدان الموضوعية، فقدان القدرة على التحليل والتعمق، المحلية الضيقة، الفلكلورية) مما سبق ذكره في فصل ” رائد الواقعية المباشرة “. وتُعد كل من الأفلام الثلاثة نموذجاً مختلفاً من المعالجة، إذا كانت المغامرة الأولى “سواق الأتوبيس” تتسم بطابع اجتماعي، بينما تحلق الثانية “قلب الليل” في آفاق فكرية، في حين جاءت المغامرة الثالثة في “ناجي العلي” ذات طابعا ملحميا.

أما أحد أكثر الفصول التي تهم بالأساس كل من يشغله الإخراج ويفكر في أن يكون طريقه المستقبلي هو صناعة الأفلام فهو المعنون بـ “كيف يصنع الطيب أفلامه؟” وفيه يتعرف القارئ على الطريقة التي كان عاطف الطيب يتعامل بها مع الموضوع الذي يريد أن يجعل منه فيلمًا في جميع مراحله. ثم يختتم المؤلف كتابه بفصلين هما: “الطيب.. المخرج الإنسان” وهى رؤية من خلال الذين احتكوا به وتعاملوا معه في أفلامه – ثم الختام الأخير “عاطف الطيب عن عاطف الطيب”.

إن المتعة المتولدة عن قراءة كتاب “عاطف الطيب رائد الواقعية المباشرة” تؤكد أنه أحد الكتب التي كانت تنقص المكتبة السينمائية العربية والتي تكشف أن سينما الطيب لاتزال قادرة على التعبير عن كثير مما يدور في مجتمعنا، خصوصاً بشخصياته التي لا تقبل الاستسلام للأوضاع المنحرفة المفروضة عليهم، فهم ليسوا شخصيات منسحقة، ربما يكونون مغيبين أو مخدوعين في البداية أحيانا. لكنهم لا يلبثون أن يستردوا وعيهم ويدخلون في صراع عنيف مع هذا الواقع كما في “البريء” و”سواق الأتوبيس”.

[[{“attributes”:{},”fields”:{}}]]