متابعات

"فينيل".. شغف سكورسيزي الجديد

 محمد رُضــا

 

"مارتن سكورسيزي"

«فينيل» هي التركيبة الكيماوية التي تُـستخدم، فيما تستخدم فيه، لصنع الأسطوانات، وهو الموضوع الذي اختاره المخرج مارتن سكورسيزي ليتولّى إنتاجه في ثلاث حلقات تلفزيونية (كل واحدة مدتها نحو ساعتين) لصالح شركة HBO، كذلك هو عنوان هذه الحلقات التي تم تصويرها سينمائياً وقام سكورسيزي بإخراج أولى هذه الحلقات.
خلفية هذا الموضوع تكمن في الرسالة التي بعث بها المغني "ميك جاغر" إلى المخرج المعروف ليحثّه على قراءة الملخص المرسل بالملف. الرغبة لدى عضو فرقة «ذا رولينغ ستونز» في أن يتبنّـى سكورسيزي مشروعاً له تعود لما بعد قيامهما بإنجاز فيلم «سلّـط ضوءا» Shine a Light وهو فيلم تسجيلي لحفلة قامت بها الفرقة البريطانية وأخرجها سكورسيزي سنة 2008 مستخدماً العديد من الكاميرات.

 

سكورسيزي بدوره لم يكن يوماً بعيداً عن الموسيقى

سنة 1970، قام سكورسيزي بتوليف الفيلم الموسيقي الصارخ «وودستوك» وبمساعدة مخرجه مايكل وودلي. لاحقاً، يمكن النبش عن حبّـه للفيلم الموسيقي فهو حقق فيلم «نيويورك، نيويورك» سنة 1977 عن هبوط عازف ساكسفون (روبرت دينيرو) وصعود صديقته المغنية (ليزا مانيللي). بعده بعام أخرج فيلم موسيقي تسجيلي عنوانه «الرقصة الأخيرة» (The Last Waltz) من بطولة فريق «ذا باند» الأميركي. بعد ذلك تعدّدت زياراته للنوع من فيلم حول إحدى حفلات مايكل جاكسون (عنوانه Bad) حقّقه سنة  1987 إلى آخر حول جاكسون سنة 2003 (Michael Jackson?:? Number Ones) مروراً بتلك المشاريع التسجيلية الأخرى التي خصّـها لتصوير حفلات بعض كبار الموسيقيين وصولاً إلى «فينيل» الذي يدور حول الموسيقى ذاتها.
الاهتمام الكبير الآخر لسكورسيزي هو عالم الجريمة و«فينيل» يحتوي هذا العالم أيضاً. أكثر من ذلك، فإن مواقع بعض أفضل أفلام سكورسيزي هي شوارع مدينة نيويورك. «فينيل» أيضاً يدور في تلك الشوارع. يدور في تلك المدينة ذات الطوابق الحياتية المختلفة.

من دون إرادة حرة

إنه عن منتج موسيقي في فترة السبعينات اسمه ريتشي فينيسترا (يقوم به بوبي كانافال الذي أصر آل باتشينو على أن يلعب أمامه في فيلم «داني كولينز» قبل سنة). نتعرّف عليه في منتصف طريقه إلى الجحيم. جالس في سيارته في أحد الشوارع الحقيرة («الشوارع الحقيرة» هو عنوان أحد أفلامه كما سنرى) يتصل برجل بوليس ثم يقفل الهاتف. يمدّ يده إلى علبه تحتوي الكوكايين الذي كان أدمن عليه ويأخذ شمّـتين كبيرتين. ها هم الشبان والشابات يتراكضون لدخول ملهى للرقص. يخرج من السيارة وينضم إليهم. كونه أكبر سناً يجعله يبدو خارج المكان. في نهاية الحلقة الأولى سنعود إلى ذلك المكان وإليه وقد بدأ يتمايل طرباً على أنغام الميتال روك، فجأة يسقط السقف عليه وعلى الجميع.

ما بين البداية والنهاية حقل مرمى النيران بلا أهداف

 

سكورسيزي وديكابريو في كواليس فيلم "ذئب وول ستريت"

"سكورسيزي" يقدّم شريحة وضعها أمامه "مايك جاغر" عن أحداث استمدّ بعضها مما شهده عندما انطلقت الفرقة في مسيرتها لغزو أميركا. الغزو نفسه كان جزءاً من موسيقى الستينات البريطانية التي عرفت فرق روك آند رول وبوب عديدة بدأت بالبيتلز واحتوت على الفرقة (الأفضل تقنياً) «ذا كينكس» وعلى «ذا أنيمالز» و«هرمان هرميتس» و«مانفرد مان» و«دايف كلارك فايف» والكثير سواها. في الحلقات الثلاث من المسلسل أكثر من حكاية وإحداها حكاية فرقة بإسم وهمي جاءت من بريطانيا لتقيم حفلاتها في نيويورك واشتركت في ذلك الصخب الكبير والحياة المشحونة بالمجون والجنس والمخدرات.

 

ريتشي كشاف مواهب ويدير مبيعات شركة إسطوانات تملي عليه التعاقد مع من يتوسم فيه النجاح. في بداية تعرّفنا عليه، بعد المقدّمة المذكورة (عشر دقائق من الفيلم) هو إنسان عادي إلى حد بعيد. متزوج وعنده عائلة. يشرب قليلاً. يتناول المخدرات قليلاً. لكن الضغوط كبيرة والانزلاق سهل وفي الساعة الثانية يجد نفسه، من حيث لا يرغب، شريكا في جريمة قتل لم يرتكبها بل كان حاضراً لها.

هذه الشخصية لافتة في حياة "سكورسيزي" السينمائية كونها ليست جديدة

إذ نعود إلى تاريخه نجد أن أحد أفلامه الأولى (الفيلم الطويل الرابع له والأول الذي حقق نجاحاً بينها) كان «بوكسكار برتا» الذي أنتجه روجر كورمان مصطاداً سكورسيزي كموهبة جديدة كما سبق وأن أتاح الفرصة لعدد كبير من المخرجين والممثلين في مطلع حياتهم.
«بوكسكار برتا» (1972) كان ولا يزال فيلمه الوحيد عن الجريمة من بطولة نساء (امرأة وبناتها) بعد ذلك، ومنذ «شوارع حقيرة» (Mean Streets، سنة 1973) ومجرموه من الرجال. وليس كل نوع من الرجال: هم أشخاص مالوا إلى الجريمة انزلاقاً وليس عن إرادة حرّة. بالنسبة لسكورسيزي هناك أناس يولدون مجرمين وهو لا يتعاطى مع هؤلاء، وآخرون يخطئون ويندمجون، وهم أبطاله في «شوارع حقيرة» و«تاكسي درايفر» و«أصحاب طيبون» على الأخص. في أفلامه الأخرى هم إما محكومون بعواطف هدامة للذات («ثور هائج» (1980) أو يشتركون في منظومة أكبر شأنا من قدرتهم كأفراد على مقاومتها («عصابات نيويورك» و«كازينو» مثلاً). في «كايب فير» بطله من النوع النادر بين أعماله إذ هو مجرم بالسليقة.

قلب أبيض

هذا المنحى يحمل تفسيراً كاثوليكياً ينصّ على الخطيئة والغفران. بالنسبة إليه فإن معظم أبطال أفلامه مخطئون يرتكبون الآثام ويمكن أن يغفر لهم الله إذا شاء. سكورسيزي عبر هذا السبيل يجد في نفسه تعاطفاً حيالهم. لا يصوّرهم كملائكة لكنه لا يدينهم أيضاً. هم على الجانب الخطأ من القانون لكنهم أفضل شأناً من رجال القانون أنفسهم.
نجد هذا المفهوم في فيلم سكورسيزي السينمائي الأخير «ذئب وول ستريت». الحكاية المقيتة حول قرش سرق أموال المضاربين في البورصة وهدم بيوتاً واقتحم عالم النجاح من دون رادع أخلاقي، تمرّ وفيها ذيول من شخصية «تاكسي درايفر» (روبرت دينيرو) الذي تحوّل إلى الجريمة لأن قلبه أبيض ولا يريد لفتاة صغيرة أن تعمل عاهرة. في «أصحاب طيّـبون» يقف سكورسيزي أمام مرآة لامعة لتنقل مجموعة من المجرمين الذين لا يتركون لباقي شخصيات الفيلم الأخرى مكاناً يدلون منه بمواقف إنسانية أو عاطفية بريئة. الحال نفسه في «ذئب وول ستريت» حيث شخصيته الأنانية موضع احتفاء سكورسيزي لا يدينه بل يترك إدانته للمشاهد إذا أراد. عليه تقديم الصورة ولا بأس إذا زيّـنها أيضاً.

في «فينيل» الأمر نفسه

 

بطل الحلقات التلفزيونية خاطئ ويدفع ثمن خطيئته بالتدريج. إنه إنسان شريف في الصميم، يريد أن يساعد الموهوبين فعلياً. يعارض قيام أصحاب الشركة باستغلال الموهوبين لجني الثمار من دون الاكتراث لفن يضمره الموهوب وحلم كيان ذاتي يصبو إليه. لكنه أيضاً خاطئ حيال عائلته وحيال علاقاته وحيال نفسه.
لا ننسى، في معرض حديثنا عن شخصيات سكورسيزي أنه صوّر المسيح كضحية وليس كنبي صاحب رسالة. وجد أن اليهود مسؤولون فعلاً عن موته، بعض جوانبه رمادية غير مفهومة. رسالته إلى البشرية ناصعة. تطبيقها مشوّش.
في فيلمه الديني الآخر «كوندون» (1997) البوذية ليست بدورها حلاً. وفي حين أن سكورسيزي لم يعرف عنه حبّـه لتحقيق أفلام عن الدين، إلا أن الدين موجود ضمنياً في كل الأفلام المذكورة إما من خلال شخصيات تبحث عن التوبة ولا تتوب، أو من خلال مؤثرات مفاهيمه التي كونّتها حياته كطفل كاثوليكي أمّ الكنيسة وتأثر بها في مدينة كنيويورك.

 

بالإمعان وحده يمكن لنا الربط كذلك بين تأثر سكورسيزي بالكاثوليكية وتأثر ألفريد هيتشكوك بها أيضاً. لكن في حين أن تأثر الأول منحه الرغبة في الدفاع عن الخاطئين، فإنه منح الثاني الرغبة في أن يتولّـى الدفاع عن المتهمين الأبرياء الذين لم يرتكبوا خطيئة لكنهم مدانون بما لم يرتكبوه.
«فينيل» فيه كل تلك العناصر: نيويورك والموسيقى والشخصيات المنحرفة والمنزلقة. بالنسبة لقوامه الإنتاجي، يتمتع بما يكفي لتأييد ما بدأ العديد من نقاد الدراميات التلفزيونية ترداده وهو أن هناك أعمالاً تلفزيونية منفّـذة سينمائياً تبرز الكثير من المنتج للشاشة الكبيرة.