متابعات

“كان” .. قارّة السينما ومحجّ عشاق الحلم

لقطة من فيلم "أنا دانييل بلاك"
حمّادي كيروم
 
تعودت على زيارة مهرجان كان الدولي للسينما منذ خمس سنوات، وكانت الأفلام التي أشاهدها في مختلف الأقسام، تتفاوت بين الجيد والمقبول والمتوسط والرديء أحيانا. غير أن برنامج هذه الدورة التاسعة والستين متميز على عدة مستويات، من أهمها:
 
مشاركة مجموعة من المخرجين الكبار، الذين أنتجوا أفلاما كثيرة، مشهود لها بالجودة والجماهيرية واستمرار بريقها، رغم مرور الزمن على تاريخ عرضها،وهم المخرج البريطاني كين لوش، والمخرجين البلجيكيين الأخوين داردين، والمخرج الإسباني بيدرو ألمودوفار، والمخرجين الأمريكيين جيم جارموش  وشين بين، والمخرج الهولندي بول فيرهوفن. وقد نال بعض هؤلاء المخرجين السعفة الذهبية في الدورات السابقة من هذا المهرجان.
 
عودة بعض المخرجين الشباب الذين أظهروا منذ أفلامهم الأولى تميُّزا في الحكي وجرأة في طرح مواضيع جديدة، وأسّسوا بأفلامهم حداثة السينما وتفوقها على منتوجات التسلية السمعية البصرية. ومن بينهم المخرج الإيراني أصغر فرهادي، الذي نال فيلمه “الماضي” جائزة أحسن أداء نسائي سنة 2013 . وقد حصل فيلمه “الفراق” على جائزة الدب الذهبي بمهرجان برلين بألمانيا سنة 2011، كما حصل على جائزة الأوسكار الخاصة بالفيلم الأجنبي سنة 2012.  ونجد كذلك المخرج الروماني الشاب كريستيون مونجي الذي حصل فيلمه “أربعة أشهر وثلاثة أسابيع ويومان” على السعفة الذهبية سنة 2007، كما حصل فيلمه “وراء الهضاب” على جائزة الأداء النسائي سنة 2012.
وقد اشتملت هذه الدورة على واحد وعشرين فيلما جيدا باستثناء فيلم المخرج الأمريكي شين بين “الوجه الأخير” الذي جاء مخيبا للآمال. وقد أتساءل مع أغلب النقاد عن سبب برمجته في مهرجان كان باعتباره فيلما يتناقض تماما مع سينما المؤلف التي تحاول كان أن تدعمها وتساهم في ترويجها.
لقطة من فيلم "البائع المتجول"
وكان أحرى بهذا الفيلم أن يُعرض ضمن سوق الفيلم الذي يفتح شاشاته لكل أنواع الإنتاج السينمائي بمختلف أجناسه.
ومن أهم الأفلام التي أثارت إعجابي، فيلم المخرج البريطاني كين لوش “أنا دانييل بلاك” الذي كنت قد رشحته لجائزة السعفة الذهبية، وقد نالها باستحقاق،يحكي الفيلم قصة المواطن دانييل بلاك البالغ من العمر ستين سنة، توقف عن العمل بسبب أزمة قلبية. غير أن نظام المعاشات يتطلب منه أن يستمر في البحث عن عمل يناسبه، وإلا سيضيع الحق في الاستفادة من تعويضات الضمان الاجتماعي.
 
وأثناء بحثه عن حل للخروج من هذه الأزمة الإدارية والبيروقراطية، سيصادف أُمّا شابة عازبة، مسؤولة عن إعالة طفليها لكنها بدون مأوى وبدون عمل، وسيحاول أن يساعدها على حل بعض مشاكلها.
يعتبر فيلم كين لوش صرخة نضالية لرفع صوت المحرومين في المجتمع البريطاني، الذي فقد فيه الإنسان كرامته بفقدانه للعمل والسكن والطعام. وهي ميزة تتصّف بها كل أفلام هذا المخرج الثمانيني الذي قاوم بسينماه كل أشكال الرأسمالية المتوحشة التي فرضت “السيستم” على الإنسان المعاصر، وجعلت حياته واستقراره رهنا بخضوعه واستسلامه للقدر المحتوم.
 
ويأتي الفيلم الثاني الذي أمتعني كثيرا بكتابته الأنيقة والخالية من كل الأدوات البلاغية أو الزخرفية، هو فيلم “البائع المتجول” لأصغر فرهادي والذي كان يستحق الجائزة الكبرى، وقد نال أيضا جائزة أحسن سيناريو، كما نال الممثل شهاب حسين جائزة الأداء الرجالي.
 
يحكي الفيلم قصة زوجين يعملان في المسرح، ضمن فرقة مسرحية، تتدرب على إنجاز مسرحية “موت بائع متجول” لآرثر ميللر. يضطر الزوجان لمغادرة شقتهما بشكل عاجل، لأن البناية التي يسكنان بها معرضّة للسقوط بسبب أعمال الحفر التي تقوم بها إحدى شركات البناء. وفي أثناء بحثهما عن شقة ثانية، يتدخل أحد أصدقاءهما بالفرقة، ليقترح عليهما بيتا آخر، دون أن يخبرهما بأن الساكن الذي كان يسكن قبلهما، بائعة هوى يتردد عليها الزبائن. ومن خلال هذه التركيبة الحكائية ستنقلب حياة الزوجين رأسا على عقب، لأن التحولّات التي ستتعرض لها شخصية الزوج الذي هو في نفس الوقت بطل المسرحية، ستؤدِّي إلى ظهور ازدواجية في الشخصية التي ستكشف عن عنف وعدوانية رهيبة قد تؤذي وتدمر كل من يحيط بها.
يعود أصغر فرهادي بفيلمه هذا ليكرم المسرح الذي جاء منه وليبين كيف أن الإنسان المعاصر يبحث عن مبررات ذاتية من أجل تمرير مشروعية ممارسة العنف على الآخرين.
لقطة من فيلم "جولياتا"
ويبقى فيلم “جولياتا” لبيدرو ألمودوفار فيلما باذخا فوق كل التصنيفات، يسيل عذوبة واحتفالا بالفرجة والجمال. وقد أحس المشاهدون أثناء نهاية عرض الفيلم بنوع من الحسرة. وكان لسان حالهم يقول: “رجاء، دعوه يستمر في الحكي”، ولم يستطيعوا مغادرة القاعة ونظر البعض في أعين البعض غير مصدقين أن أضواء القاعة قد اشتعلت وأن الفرجة قد انتهت.
 
بهذا يبقى مهرجان كان محجّا لكل عشاق الفن السابع، حيث يجتمع كل سكان القارات الخمس، ويتكلمون لغة واحدة هي لغة الحلم. وبهذا صدق قول جان لوك جودار، عندما قال بأن السينما قارة جديدة يمكن أن تضاف إلى القارات الأخرى.