متابعات

"متطرفو أوربا".. يقرع ناقوس الخطر عالياً

قيس قاسم ـ السويد
"متطرفو أوربا"، وثائقي، يقرع  ناقوس الخطر، ينبه الى  صعود قوى الشر ثانية في قارة أزماتها المتفاقمة، اليوم، تسمح موضوعياً بظهور منظمات متطرفة من داخلها، توفر لها المناخ الملائم لتكاثرها، ونشر أفكارها. "متطرفو أوربا" عن مستقبل الحركات اليمينية لا عن واقعها، فحسب، ومن هنا تأتي أهميه التنويه به بإعتباره فيلماً يتجاوز حدود لحظة صُنعه الى ما بعدها، والخلاصات الضمنية التي يقدمها  تشير بوضوح الى رؤية صُناعه لإتجاه سياسي عنصري، ماض في التنامي، تكتيكاته الجديدة والقوة الإجتماعية المحركة له تستحق خوض مغامرة التعرف عليها وكشفها، هذا على الأقل بالنسبة للمخرجين لورين ديلهام والكسندر سبالايكوفيتش.
يقدم الفيلم عينات، مسجلة بكاميرات خفية في الغالب، من نشاطات وأساليب عمل المنظمات الأوربية المتطرفة، ساعدت على توفرها مصاحبة صُناعه الطويلة لعدد من قادتها ونشطائها، الى جانب مرافقتهم الدائمة أثناء قيامهم بعمليات إنتقامية ضد أهداف يعتبرون مهاجمتها فعلاً قومياً نافعاً يجنب بلدانهم الأخطار المتربصة بها.

في فرنسا، وفي مدينة مونليسو، خرج  مؤسس "كتلة الهوية" فابريس روبير، بصحبة عدد من مؤيديه فجر أحد الأيام ليوزع مناشير على سكان حي يُراد بناء مسجد للمسلمين فيه. إتبع القائد المتطرف أساليب جديدة في تحركه منها؛ أنه إرتدى الزي الشعبي المغاربي وأخذ معه جهاز تسجيل، ومكبر صوت راح يبث عبره صوت أذان الفجر، ثم ذهب وجماعته ليعلقوا لوحات شوارع جديدة تحمل أسماء اسلامية مثل: شارع الشريعة أو شارع المسجد. 
 تَجَنُب التصادم المباشر، واحد من تكتيكاتهم الجديدة، لهذا نصح فابريس مرافقيه بتفادي الإحتكاك العنيف مع معترضيهم والإكتفاء بتسجيل ما قاموا به كي يُرسل وعلى الفور الى مواقع لهم على شبكة الأنترنيت، التي أتخذوا منها وسيلة فعالة لتجنيد مؤيدين جدد لهم ولنشر أفكارهم، كما إستثمروها في تشويه صورة أعدائهم من مسلمين ومهاجرين وغيرهم.
الأنترنيت صار السلاح المفضل للمتطرفين الأوربيين، فعبره يتواصلون ويتبادلون الأفكار، ويستخدمون إمكانياته اللامحدودة في تشويه خصومهم، وقد سجل الفيلم عملية خداع قام بها متطرفان، يعملان في قسم الدعاية لأحد المنظمات اليمينية الفرنسية، دخلا مسجداً وادعوا رغبتهم في فهم الإسلام فقاموا بطرح أسئلة على أحد العاملين فيه، الغرض منها كان تحويرها لاحقاً لتتحول الى دعاية مضادة للإسلام منسوجة من أكاذيب مغلفة  ب"مناخ" حقيقي يصعب على الناس التمييز بينها.
 تجربة منظمة "الجيش المحظور" الهنغارية صارت لهم قدوة في حقل الدعاية فهؤلاء لم يكتفوا بالكتابة ونشر الصور البسيطة بل أسسوا مواقع تنتج أفلاماً دعائية بمستوى عالي التقنية، فأحد أفلامهم أُنتج في هوليوود وكان مكرساً للتحريض ضد عدوهم الأول: الغجر. وعندهم وكالة أنباء خاصة تسترشد في عملها بآيدلوجية النازيين والقوميين الألمان، وتستلهم من وسائل دعايتهم القديمة، المكرسة ضد اليهود والغجر، أفكاراً جديدة. وبفضل تحسنها يزداد إرتفاع عدد المتصفحين لمواقعهم على الأنترنيت يومياً، وحسب أحد خبرائها فأن ذلك يعود الى تغيير طرق عملهم القديمة واستفادتهم من تجارب دعائية معاصرة مثل تجربة حركة "السلام الأخضر" اليسارية على الرغم من إختلاف توجهاتهم السياسية والفكرية فبالنسبة اليهم لا يهم المصدر قدر ما تهمهم النتائج.
من أساليبهم الجديدة والخطيرة تبني شعارات وسياسات مناهضة للعولمة والرأسمالية شكلاً، واستخدامها كغطاء لنشاطهم العنصري الجوهر، وقد كشف الفيلم بعضاً منها حين صور تظاهرة فقدت قيادتها زمام السيطرة على المشاركين فيها، فبدلاً من الألتزام بالشعارات التي أوصوا برفعها أثناء مسيرتهم في مدينة ليون، راحوا يصرخون: "فرنسا للفرنسيين!".

وفي بريطانيا  تستغل منظمة "رابطة الدفاع الأنكليزية" وزعيمهم تومي روبسون الظروف الإجتماعية والسياسية المضطربة لمصلحة تنظيمهم العنصري، والتسجيلات الخفية لكاميرا "متطرفو أوربا" كشفت الطريقة التي إستغلوا بها حالة الفوضى التي شهدتها مدينة تور هامليتز، وكيف ظهروا خلالها بمظهر المدافع عن الدولة ونصبوا أنفسهم بديلاً عن أجهزة شرطتها، لقد اتبعوا أساليب جديدة في بريطانيا تعتمد على تحييد المهاجرين واليهود والتركيز على المسلمين، فالمنظمة كما تدعي هي فقط ضد "أسلمة" المجتمع البريطاني ولهذا ترفع في تظاهراتها الأعلام الإسرائلية وتخلو شعاراتهم من مطالبة الأجانب بالرحيل، بإستثناء المسلمين فهؤلاء هم الخطر القادم حسب زعمهم. ويستغل روبسون ومنظمته الأخطاء التي يرتكبها  المتطرفون المسلمون، وقد صور الوثائقي الفرنسي التصادم الذي افتعلوه لحظة رفع بعض المسلمين شعارات معادية ضد الجنود العائدين من أفغانستان. كما كشف تكتيكاتهم في مركزة نشاطاتهم في مدن تكثر فيها نسبة المهاجرين المسلمين وتعاني من مشاكل اجتماعية كثيرة ونسب البطالة فيها مرتفعة، مثل مدينة لوتون. ومن الأساليب الجديدة سعيهم لتحسين صورتهم النمطية، العنيفة، عبر كسبهم نساء أكثر، ليضفي وجودهن انطباعاً باللّين ويعطين للحركة طابعاً سلمياً والمفارقة ان المنظمة العنصرية أطلقت عليهن لقب "الملائكة"!. وفي ألمانيا يتجه اليمينيون المتطرفون الى تحقيق أهدافهم بإستخدام اسلوب جديد سموه "المناطق النظيفة" ويراد به تفريغ مدن وقرى كاملة من الناس ثم إسكانها ثانية بالمؤيدين لحركتهم. ومقابلات صناع الوثائقي لبعض العوائل الباقية يكشف حجم الرعب الذي ينشره المتطرفون ضد أبناء جلدتهم هذة المرة، فهم لا يريدون ألمان "أنقياء العِرق" فحسب، بل يريدون متطرفين يكرهون الأجانب ويتفاخرون بنازيتهم القديمة.
ما يخرج به "متطرفو أوروبا" من حقائق ومعطيات موثقة، تخيف؛ فعددهم في إزدياد ملحوظ والإنتخابات الأخيرة في عشرِ دول أوربية كشفت عن حصول ممثليهم على أصوات كثيرة بلغت نسبتها ما بين 10 الى 30 % من أصوات الناخبين وأن قادة منهم قد وصولوا الى برلماناتها وحتى الى حكوماتها ما يدفع الى قرع ناقوس الخطر عالياً. فالتطرف الأوربي لا يختلف في جوهره عن باقي أَشكال التطرف، وصعودهم مرة أخرى الى مراكز الدولة الأوربية يهدد ديمقراطيتها في الأساس وينسف مفهومي التعدد الثقافي والسلام الإجتماعي بالكامل.