متابعات

مهرجان أكادير الدولي للوثائقي.. السينما في كل مكان وللجميع

المصطفى الصوفي

صورة جماعية لإحدى ورش المهرجان

قطيع الماعز يرعى على سفح الجبل دون وجل، وذلك في صورة موغلة في البداوة لها الكثير من الحنين إلى تلك الربوع والديار، فالراعي بلباسه الأمازيغي البسيط والمميز يضع على رأسه واقية قديمة من أشعة الشمس يطلق عليها الأهالي “ترازة”.

يراقب الراعي قطيعه من كل زوايا الحقل الذي يمتد حدّ البصر، رؤوس خارجة عن طاعة القطيع تمارس شغبها الطبيعي بشكل مبالغ فيه وأكثر من اللازم، حيث تتناطح حينا، وأخرى تقفز على أغصان شجرة “الأركان”، هذه الشجرة الفريدة التي لا تنبت إلا في هذه المناطق، وبمناطق مدينة الصويرة المحاذية، ومنها تُستخرج زيوت لها فوائد صحية جمة.

مشهد القطيع الذي يبحث عن كلأ أكثر اخضرارا ورطوبة يتكرر في كل زوايا هذا الريف الذي يمتد شاسعا، ومنازل الأهالي المُحاطة بمحاصيل زراعية وبيادر تبدو قزمية أكثر من المعتاد، فيما الراعي الذي يراقب القطيع عن كثب يتأمل الأفق بحثا عن شيء مُبهم ويداه إلى الوراء، وأحيانا يضرب أحجارا صغيرة دون أن يعرف لماذا قام بهذا الشيء الذي تعوّد عليه كلما كان وحيدا.

مشهد القطيع والراعي والجبل وظلال شجرة الأركان تكاد تسيطر على رؤية المخرج في فيلم وثائقي مفترض عن مدينة أكادير وضواحيها، هذه المدينة التي تنفرد بخصوبتها الفنية والتراثية وهويتها اللغوية والأمازيغية، مما يجعلها فضاء خصبا لتصوير أعمال وثائقية تمجّد في العمق روح الهوية وسحر السياحة التي تمتاز بها المدينة، فضلا عن غناها الزراعي والفلاحي وتنوع موروثها الثقافي والشعبي.

 

“السينما في كل مكان.. السينما للجميع”

ومن أجل إعطاء هذا المعطى الفني والسينمائي بُعدا دوليا وكونيا واستثمارا لتلك المؤهلات الطبيعية والجمالية بحثا عن معالجة خلّاقة للواقع، وتعزيز مزيد من الحوار والتواصل بين عُشّاق الفيلم الوثائقي؛ تشهد مدينة أكادير منذ عشر سنوات تنظيم المهرجان الدولي للفيلم الوثائقي، إلى جانب مهرجانات أخرى من بينها المهرجان الدولي للسينما والهجرة، وهي تظاهرة سينمائية تراهن على ترسيخ ثقافة الفيلم الوثائقي لدى الشباب في المناطق النائية، وإشراك ضيوف كل دورة على حدة، وتساهم في خلق احتفالية سينمائية جماعية تتوخى في الأساس جعل الفيلم الوثائقي هدفا للفرجة والتربية والتواصل، وتكريس روح الهوية، والتعريف بخصوصيات المجتمعات وطموح المخرجين وأحلامهم.

بلغت هذه السنة دورة المهرجان الـ11 والتي تنظمها جمعية الثقافة والتربية بواسطة السمعي البصري، حيث عُقدت في الفترة من 18 وحتى 22 يونيو/حزيران الجاري، وذلك تحت شعار “السينما في كل مكان.. السينما للجميع”، وجاءت بتعاون ودعم عدد من الشركاء أبرزهم المركز السينمائي المغربي، والمجمع الشريف للفوسفات، والمعهد الفرنسي، ومؤسسة دعم الإعلام الدولي والمجتمع المدني لمؤلفي الوسائط المتعددة، إضافة إلى وزارة الثقافة والاتصال.

جانب من الحضور للمهرجان

القوافل السينمائية.. مبادرة للجميع

وفي بادرة هي الأولى من نوعها ميّزت هذه التظاهرة السينمائية مقارنة بالعديد من المهرجانات التي تبقى أنشطتها محدودة داخل مدارها، أي دون الخروج بفقراتها إلى المناطق النائية؛ أقدمت إدارة مهرجان أكادير على خلق ما يُطلق عليه بالقوافل السينمائية أو السينما البديلة، وذلك بهدف تقريب الفيلم الوثائقي إلى مختلف شرائح المجتمع من أطفال ونساء وشيوخ في البوادي والقرى، وحتى لا تبقى الفرجة السينمائية حكرا على جمهور المدينة.

هذه المبادرة شملت العديد من القرى وبوادي جهة “سوس ماسة”، والتي تجاوب معها الجمهور بشكل كبير، مبادرة تراهن لجنة التنظيم على تطويرها في المستقبل لتشمل المزيد من المناطق النائية، وذلك لإشاعة ثقافة الفيلم الوثائقي، وجعله مهمازا حقيقيا للفرجة والمتعة والتربية والتثقيف وفهم معنى الحياة.

المخرجة المغربية لطيفة أحرار أثناء تسلمها جائزة الفيلم القصير عن فيلمها "بنت الريح"

هولندا ضيف الشرف

استضافت الدورة هذا العام السينما الوثائقية في الأراضي المنخفضة بأوروبا، وكانت هولندا ضيف الشرف، حيث شهدت مشاركة 22 بلدا يمثلون 26 فيلما، منها عشرة أفلام قصيرة و16 فيلما طويلا، حيث حظي المُنتِج الهولندي بيتر فان هيوستي المعروف في الساحة السينمائية الوثائقية العالمية بإنتاجاته الغزيرة بتكريم خاص في حفل الافتتاح، فضلا عن عرض الفيلم الهولندي “معجزة الأمير الصغير” لمخرجه مارغولين بونسترا، وذلك تقديرا للسينما الهولندية التي قدمت فيضا من الإبداعات السينمائية الوثائقية، وهمّت مواضيع كثيرة تاريخية وإنسانية وطبيعية وسياسية واجتماعية ورياضية.

صورة تجمع لجنة تحكيم المسابقة الرسمية

لجنة المسابقة الدولية للأفلام الطويلة

ومن أجل إعطاء هذه التظاهرة بُعدا تنافسيا دوليا بهدف البحث عن المميز من أفلام وثائقية وتشجيع المخرجين، ومنح نوع من القيمة الفنية لهذه التظاهرة التي ركزت خلال هذه الدورة على استحضار رمزية فنية الإبداع الأفريقي في هذا المجال؛ خصصت إدارة المهرجان مسابقة دولية للأفلام الطويلة، والتي أشرفت عليها لجنة تحكيم متخصصة ضمت أربعة خبراء، وهم المنتج والمخرج والكاتب المغربي محمد زين الدين، والإسبانية إيفا فيلا، وهي أستاذة باحثة بجامعة بومبو فابرا ببرشلونة، فضلا عن المخرج والمنتج المصري مو صيام، وكذلك الأكاديمية والباحثة البنينية فرح كليمانتين، وهي عضو اختيار أسبوع النقاد بمهرجان كان الفرنسي.

اشتغلت هذه اللجنة طيلة أيام المهرجان على اختيار الأفلام المتوجة وفق شروط تهم بالأساس موضوع الفيلم وأسلوب المعالجة من الناحية الفنية والجمالية، ومدى التأثير الإيجابي الذي تترك تلك الأفلام في المجتمع.

 

“أموسو”.. الجائزة الكبرى

حسمت اللجنة اختياراتها التي أُعلن عنها في ختام هذه التظاهرة السينمائية، فكانت الجائزة الكبرى التي يُطلق عليها جائزة “نزهة إدريسي” من نصيب الفيلم الوثائقي “أموسو” لمخرجه المغربي نادر بوهموش، وهو من إنتاج العام الجاري.

يحكي الفيلم قصة سكان قرية تسمى “أبيضار” الأمازيغية، حيث نظموا مظاهرة سلمية عام 2011 ضد أكبر منجم للفضة في أفريقيا، وبعد سنوات خلت استمروا في نضالهم واحتجاجهم عن طريق إغلاق قناة للمياه، لمنع عملية استخراج المعدن من الإضرار بالمياه الجوفية وتلويث مياه الشرب وتجفيف مزارعهم.

في الفيلم (مدته 99 دقيقة) يبدو المتظاهرون متشبثين بسلاحهم الوحيد وقوتهم الإبداعية التي تبعث الرسائل والأناشيد والمواويل عبر أشجار اللوز، وذلك كصلوات هادئة تحملها الرياح عبر صمت الطبيعة إلى من يهمه الأمر.

 

جوائز المهرجان

وضمن باقي جوائز الدورة التي وزعت في حفل اختتام جميل شهد تقديم لوحات موسيقية تراثية، تبعها تكريم للمخرج السويسري نيكولاس واديموف، وعرض لفيلمه “أبولو غزة” الفائز بجائزة لجنة التحكيم.

كما آلت جائزة الاستحقاق للفيلم الطويل “دريم أواي” لمروان عمارة وجوهان كومغي من ألمانيا ومصر، أما الجائزة الخاصة بحقوق الإنسان فكانت من نصيب المخرج الجزائري دروتي مريم كيلو عن فيلمها “في المنصورة فرقت بيننا”، وعادت الجائزة الخاصة بالفيلم القصير للمخرجة المغربية لطيفة أحرار عن فيلمها “بنت الريح”، أما جائزة الاستحقاق للفيلم القصير ففازت بها أيضا المغربية هدى رحماني عن فيلمها “جوج بغال”.

وعادت جائزة الجمهور للفيلم الإيطالي “فراشة”، وهو من إخراج كيسي كوفمان والساندرو كاسيغولي، وهو فيلم يحكي عن أول مُلاكِمة إيطالية يتم اختيارها للألعاب الأولمبية، حيث تتدرب ابنة نابولي مثل مجنونة سعيا للفوز بالذهبية، لكن الوساوس لا تفارقها إن هُزِمت في هذا التحدي.

جانب من حفل توزيع الجوائز في الاختتام

عروض خارج المسابقة

وشهدت الدورة بالمناسبة العديد من العروض خارج المسابقة، فضلا عن ورش متنوعة لفائدة تلامذة العديد من المؤسسات التعليمية وجمهور العالم القروي، وذلك في مجالات الإنتاج والكتابة الوثائقية التي تأتي ضمن برنامج للإقامة السينمائية الأفريقية وغيرها، وذلك بهدف تكريس البُعد الاحترافي في مجال الفيلم الوثائقي، وخلق جيل جديد من المخرجين والمؤلفين والمنتجين القادرين على استيعاب رهانات وآفاق الفيلم الوثائقي، وذلك ضمن مشتل جديد لمواهب وشباب يدركون أهمية التربية والثقافة السينمائية في مجال إبداع الشريط الوثائقي.

تحدث المندوب العام للمهرجان هشام فلاح في المهرجان عمّا أسماه بـ”المعجزة السينمائية الوثائقية”، وهي القدرة على إعادة ابتكار الذات باستمرار، والاعتماد على مصادر حب الاستطلاع والقدرة على العطاء والإبداع والإصغاء، وهي التوجه للقاء الآخر واكتشاف العالم باستخدام الأدوات التقنية الجديدة المتاحة، وتجريب مختلف الأنماط السردية في نفس الفيلم، مؤكدا أن الدورة استضافت مواهب مبدعة، وهم سينمائيون متميزون مثل أسلافهم، كجان روش ويوهان فان دير كيوكين، في حركة دائمة كأبطال منتصرين ومتميزين بشجاعتهم ومثابرتهم اليومية، وعاديين حين يواجهون شكوكهم.

وأوضح فلاح أن هؤلاء الرجال والنساء هم شعراء وسككيون ورعاة لا يتوانون في الحديث عن تجاربهم مهما كلفهم الأمر، فهم يجازفون أمام الكاميرا وخلفها، وغالبا ما يتوقون إلى خلق المفاجأة إرضاء للمشاهدين والجمهور الذي رحل مع أفلام المهرجان عبر محطات ساحرة من هولندا إلى الأمازون، ومن قطاع غزة إلى ميناء نابولي ثم البحر الأحمر.

أوضحت هند سايح أن الدورة ساهمت بشكل كبير في تعزيز اللقاءات المهنية المتجهة نحو الإنتاج المشترك للسنة الثالثة على التوالي

لقاءات مهنية وإنتاج مشترك

من جهتها أكدت رئيس المهرجان هند سايح على غنى فقرات الدورة والقيمة الفنية للأفلام المشاركة، وعلى أهمية إقامة الكتابة الأفريقية للخلية الوثائقية التي سمحت بصناعة جيل جديد من المخرجين المغاربة والأفارقة الذين تشهد لهم أعمالهم وقوتها على نبوغهم وتألقهم.

وأوضحت سايح أن الدورة ساهمت بشكل كبير في تعزيز اللقاءات المهنية المتجهة نحو الإنتاج المشترك للسنة الثالثة على التوالي، وذلك من خلال ورشة الإنتاج جنوب أكادير، والتي نُظمت بتعاون مع الشركاء في مهرجان القارات الثلاث بمدينة نانت الفرنسية، كما شددت على أن مهمة مهرجان أكادير تكمن في جعل الفيلم الوثائقي أداة للإبداع والتفكير، وهي مهمة حساسة ومعطاءة لأنها تُفضي أيضا إلى خلق تراث بصري وموروث عالي الجودة بالنسبة للأجيال القادمة.