متابعات

مهرجان الإسماعيلية.. يستعيد البريق بعد سنين من الوهن والارتباك

د. أمــل الجمل

حصد فيلم "رمسيس راح فين" للمخرج عمرو بيومي الجائزة الكبرى للأفلام التسجيلية في المهرجان

بعد أن فات في سنوات من الوهن والارتباك وكاد أن يتم سحب البساط من تحت قدميه، نجح أخيراً الناقد السينمائي المتميز عصام زكريا في إعادة البريق والثقة لمهرجان الإسماعيلية الذي ظل لسنوات طويلة أهم مهرجان سينمائي للأفلام التسجيلية والقصيرة في مصر والعالم العربي.

لسنوات كانت الحافلات تتحرك في الصباح الباكر من القاهرة مُحملة بالجمهور من الطلاب والمثقفين والمهتمين لتلحق بعروض الأفلام في قصر ثقافة الإسماعيلية قبل أن تعود بهم إلى القاهرة في المساء، هذا إلى جانب عدد كبير من الضيوف من شتى أنحاء العالم الذين يتم استضافتهم بالقرية الأولمبية بالإسماعيلية. فقد كان المهرجان خلال تلك السنوات من التسعينيات ومستهل الألفية الثالثة بوابتنا على عوالم متباينة شاسعة الآفاق تلتقي فيها الثقافات والحضارات على أشرطة الفن السابع.

حملت دورة العام الماضي مؤشرات لنجاح هذه الدورة وتثبيت أقدام هذه التظاهرة على خارطة المهرجانات السينمائية خصوصاً في ظل استمرار رئاسة زكريا، فليلة أمس بعد سبعة أيام من اللهاث بين عروض الأفلام والتكريمات وقاعات الندوات وحلقات البحث الثرية والخصبة، أُسدل الستار على فعاليات مهرجان الإسماعيلية للأفلام التسجيلية والقصيرة في دورته الحادية والعشرين -الممتدة بين 10 و16 أبريل/نيسان الجاري- بمشاركة 150 فيلما من نحو 51 دولة حول العالم، وسط إشادة بالتنظيم وبمستوي العروض من جميع ضيوف المهرجان المصريين والأجانب وبينهم مديري مهرجانات كُبري مثل كريس ماكدونالد رئيس مهرجان هوت دوكس الكندي الدولي للأفلام الوثائقية والذي يُعتبر أكبر مهرجان للسينما التسجيلية في أمريكا الشمالية.

في "نحن منا أميرات" تلتقي مجموعة من النساء السوريات اللاجئات في بيروت عندما يتم اختيارهن لأداء أدوار في مسرحية أنتيجون اليونانية لسوفوكليس

نحن مَنّا أميرات.. لاجئات سوريات يسردن حكايتهن

فعاليات الدورة الحادية والعشرين التي اختتمت أمس الثلاثاء في حفل اقتصر على توزيع الجوائز وفقرة غنائية كُتبت خصيصا لمهرجان الإسماعيلية أدتها المطربة المغربية “أسما لزرق” من كلمات أحمد حسن راؤول وتلحين كريم عرفة وتوزيع أيمن التونسي، بينما اقتصر حفل الافتتاح على تقديم للفنان سمير صبري أعقبه عرض فيلم “نحن منا أميرات” للمخرجتين السورية عتاب عزام والإنجليزية بريدجيت أوجير.

تبلغ مدة الفيلم 75 دقيقة ويذكرنا في أسلوبه السردي بالفيلم الوثائقي “يوميات شهرزاد” المنتَج عام 2013 للمخرجة اللبنانية زينة دكاش التي قامت بتصميم عرض مسرحي يهدف إلى استخدام الدراما في علاج موضوع السجينات بلبنان. وينهض العمل على التطهر والحكي إذ تقوم المخرجة بإجراء حوارات وتسجيل اعترافات السجينات التي ستكون جزءاً من العرض المسرحي والفيلم في آن واحد، وكذلك يتضمن الشريط الوثائقي بعض كواليس التصوير.

أسلوب السرد والمعالجة متشابه جدا، ربما باستثناء توظيف الرسوم المتحركة بالفيلم الأحدث لسببين، للتعبير عن مشاهد وقعت في الماضي مثل إحدى المشاركات التي تحكي عن رحلة مرض طفلها وموته وجنازته التي لم يحضرها أحد سواها أثناء الحرب، أو لأن بعض المشاركات منعها الأهل من الظهور بالفيلم فاكتفت بظهور صوتها لسرد حكايتها. لكن يظل فيلم دكاش أكثر جرأة وقوة.

في “نحن منا أميرات” تلتقي مجموعة من النساء السوريات اللاجئات في بيروت عندما يتم اختيارهن لأداء أدوار في مسرحية أنتيجون اليونانية لسوفوكليس، وتبدأ كل منهن في سرد تفاصيل من حكايتها في مجتمع أبوي ذكوري، مروراً برحلة الفقد على مستويات عدة؛ فقْدِ الوطن، وفقد الأبناء بالتقاطع مع الراهن الذي يعيشونه في المجتمع اللبناني.

أهم شيء برحلة التطهر هنا أننا نشعر أن هؤلاء النسوة لا يحاولن فقط مواصلة الحياة رغم تفاقم الأوضاع في الوطن، ولكنهن يكتشفن مكامن القوة بدواخلهن، مثلما يستعدن المرح والقدرة على الضحك، بل إن تلك المأساة قد أعادت إليهن كينونتهن وهويتهن، مما يجعلنا نتساءل: هل تأثرت مخرجتا الفيلم بتجربة الممثل والمخرج الأمريكي شون بين في الفيلم القصير -المشترك مع آخرين- عن أحداث ١١ سبتمبر/أيلول عندما جعل بطله الأرمل فاقد الذاكرة يستعيد وعيه عقب سقوط البرج الأول لمركز التجارة العالمي، إذ مع السقوط الكارثي للبرجين بدأت الشمس تدخل إلى بيت الرجل وتفتحت الورود بعد غياب، وسرعان ما أفاق الرجل من أوهامه؟!

 

تأتون من بعيد.. الشتات الفلسطيني

من أبرز جديد هذه الدورة أنها ضمت أربع مسابقات رئيسية تم تقسيمها على لجنتي تحكيم في سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ المهرجان، وكان عصام زكريا قد أكد أن هناك نية أن تصل إلى أربع لجان تحكيم في السنوات المقبلة.

اللافت أيضاً مشاركة عدد من الأفلام المصرية المتميزة التي نالت نصيب الأسد من الجوائز، ومن أهمها فيلم “تأتون من بعيد” للمخرجة أمل رمسيس والذي أُنتج بتمويل مشترك بين مصر لبنان وإسبانيا وقطر. وهو الفيلم ذاته الذي شهد عرضه الأول خارج مصر ونال جوائز في قرطاج وتطوان مثلما تم الاحتفاء به في تظاهرات بالأردن ولبنان، ومؤخرا حصد اثنتين من أهم جوائز مهرجان الإسماعيلية هما جائزة لجنة تحكيم الاتحاد الدولي للصحافة السينمائية (فيبريسي)، وكذلك جائزة لجنة تحكيم نقاد السينما الأفريقية. 

من الفيلم نتعرف على عائلة فلسطينية تتكون من أبوين مناضلين وأبنائهما الثلاثة، ومن خلال رحلة الشتات لهذه العائلة ترسم المخرجة المصرية أمل رمسيس بورتريه للشتات الفلسطيني، كاشفة كيف أثر النضال والآراء الحرة على حياة ومسار المناضلين ومنهم الفلسطيني نجاتي صدقي المخلص لأفكاره ومبادئه اليسارية الأممية التي شاركته فيها زوجته الأوكرانية، ورحلة نضاله ضد الفاشيات، مروراً بكثير من الثورات في العالم ضد الإمبريالية، وكيف تم استغلال العرب في بعض هذه الحروب.

ولم تفوت رمسيس الفرصة للاستعانة بكثير من اللقطات الأرشيفية من نكبة فلسطين، ومن الحرب الأهلية الإسبانية، والوجود العربي في تلك الحرب، وكيف أصبحت اللغة عائقًا في طريق فهم أفراد هذه العائلة لبعضهم البعض.

نال الفيلم إعجاب الكثيرين حتى إن بعض الفلسطينيين المثقفين اعتبره بمثابة اكتشاف مهم ليس فقط فيما يتعلق بشخصية نجاتي صدقي، ولكن أيضاً لأن أمل رمسيس أثبتت خلال بحثها مشاركة أكثر من ألف مناضل عربي جاء غالبيتهم من الجزائر وتبعهم آخرون من دول أخرى إلى جانب فلسطين ولبنان وسوريا وتونس والمغرب.

 

الجحيم الأبيض.. بين عُمّال المحاجر

أما الفيلم المصري الوثائقي القصير “الجحيم الأبيض” البالغ 14 دقيقة للمخرجين أحمد عاصم ومحمود خالد وعمر شاش، فنال جائزة لجنة التحكيم برئاسة المخرج المصري يسري نصر الله، وبعضوية كل من كريس ماكدونالد من كندا، وسلاف فواخرجي من سوريا، وبيدرو بيمينلا من موزمبيق، وشيريل تشانج من الصين، وقد منحته اللجنة جائزتها لأحداثه غير المألوفة، ولمعالجته السوريالية.

تدور أحداث الفيلم حول مجموعة من عمال المحاجر وصعوبات الحياة، فهناك نحو 35 ألف عامل يعملون مقابل مبلغ لا يتجاوز 50 جنيهاً في تلك المهنة رغم المخاطر التي يتعرضون لها، وربما يكون هذا المكان واحداً من أخطر بيئات العمل بمصر حيث أدوات قطع الحجارة والسائقين الذين يسرعون بين سحب الغبار الأبيض الذي يشكل خطرا داهما على صحة العمال، إذ يتسلل إلى الرئتين ويصيبها بالتليف وعدم القدرة على التنفس.

تتجسد أهمية فيلم "رمسيس راح فين" على مستوى الشكل الفني والموضوع اللذين يصعب فصلهما عن بعضهما البعض

رمسيس راح فين.. عن تاريخ مصر

المفاجأة الكبرى بين الأفلام المصرية فجرها فيلم “رمسيس راح فين” للمخرج المبدع عمرو بيومي، فمنذ عرضه الأول في الليلة الأخيرة قبل الختام نال التصفيق الحماسي طويلاً، وجاءت نتيجة لجنة التحكيم مرضية تماماً إذ حصد الجائزة الكبرى للأفلام التسجيلية الطويلة من بين ١٢ فيلم آخر.

كان بيومي قد بدأ مسيرته الروائية بفيلم “الجسر” عام 1997 من بطولة الفنان القدير محمود مرسي ومادلين طبر، وكان العمل لافتاً لموهبة المخرج الشاب حينها ودالا على قدراته في إدارة الممثل وضبط الإحساس وإيقاع الزمن النفسي للعمل، ثم قدم عمرو بيومي شريطه الروائي الثاني “بلد البنات” عام 2008، مثلما قدم بعض الأفلام الوثائقية منها “كلام في الجنس”.

أما فيلمه الأحدث “رمسيس راح فين” الذي يعود به بعد غياب طويل، فترجع فكرته إلى عام 2006 عندما بدأت تنتشر الأخبار عن نقل تمثال رمسيس من الميدان الشهير، فتتبع عمرو الأخبار وعندما تم التنفيذ قام بتصوير مرحلة شديدة الأهمية من رحلة الخروج. وقتها لم يكن عمرو قد حسم أمره بشأن أسلوب المعالجة أو كيف سيصنع الفيلم وذلك وفق تصريحه، ثم عادت الفكرة للظهور عام 2013 عندما انتقل للإقامة مرة أخرى بشقة أسرته في السكاكيني حيث بدأت علاقته بتمثال رمسيس في الطفولة. أما مرحلة كتابة السيناريو والعمل الجاد على الفيلم مع الشركة المنتجة فبدأت منذ عام 2015 ليخرج فيلمه الرائع للنور في الربع الأول من 2019.

تتجسد أهمية فيلمه “رمسيس راح فين” على مستوى الشكل الفني والموضوع اللذين يصعب فصلهما عن بعضهما البعض، فعمرو من خلال رسم بورتريه ذاتي له منذ طفولته وعلاقته بوالده يرسم لنا بورتريه لهذا البلد خلال ثلاثة رؤساء.

يمزج الفيلم بذكاء بين سلطة الأب التي تنتهك آدمية الإنسان، وسلطة من يتولى شؤون إدارة وحكم البلد، ويمزج بين المظاهرات الناجمة عن ارتفاع الأسعار عام 1977 والتي أَطلق عليها مَنْ هم في سدة الحكم “انتفاضة الحرامية”، وبين أحداث ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011.

ينتقل الفيلم بين أسباب استقدام ونقل تمثال رمسيس إلى الميدان الشهير وبين محاولات إعادته ثانية إلى متحف “ميت رهينة”، يُنقب في الأسباب ويأخذ آراء المختصين، لكن اللافت أن عمرو بيومي أثناء الانتقال بين العام والخاص يفعل ذلك بسلاسة وانسيابية لافتة في حساسيتها، فهو يروح ويجيء بين الماضي والحاضر بدرجات متفاوتة بمهارة لا تخلو من جعل المتفرج ينطلق بالضحك عالياً، والفيلم في ذات الوقت مغلف بالسخرية السوداء وأحيانا بالمرارة.

إنه فيلم لا يحكي فقط عن تمثال رمسيس، ولكنه يحكي عن محطات من تاريخ مصر، يجعلنا نتساءل: أين ذهبت الشركات الوطنية الجيدة، وأين ذهب الإنسان المصري، ولماذا اختفى؟ فيلم سينمائى يبحث في التاريخ، في السياسة، في البنية المجتمعية، ولكنه يفعل ذلك بهدوء ومن دون ضجيج، ومن دون أن يقول إنه يفعل.

الفيلم الوثائقي "يوميات شهرزاد" المنتَج عام 2013 للمخرجة اللبنانية زينة دكاش التي قامت بتصميم عرض مسرحي يهدف إلى استخدام الدراما في علاج موضوع السجينات بلبنان

النسمة الزرقاء ومونولوج السمك وتانغو الحنين

على جانب آخر، كانت هناك أفلام عديدة جيدة ومهمة بالدورة الحادية والعشرين من مهرجان الإسماعيلية للأفلام التسجيلية والقصيرة، ومنها مثلاً الفيلم التسجيلي الطويل “النسمة الزرقاء”، وهو إنتاج برتغالي فنلندي فرنسي مشترك منحته اللجنة جائزتها الخاصة. كما نوهت اللجنة بفيلم “مايكل ودانيال” من تأليف وإخراج الأوكراني أندريه زاجدانسكي.

أما في مسابقة الأفلام التسجيلية القصيرة فقد فاز بالجائزة الكبرى فيلم “بعيدا” من إخراج بيجم زولدوباي من قرغيزستان، وفي مسابقة الأفلام الروائية القصيرة فاز بالجائزة الكبرى الفيلم المكسيكي “أركانغيل” للمخرج أنجليس كروز. وفاز بجائزة لجنة التحكيم الفيلم الهندي “مونولوج السمك” للمخرجة سوبورنا سينجوتي توشي، وفي مسابقة أفلام التحريك، فاز بالجائزة الكبرى الفيلم السويسري “أطفال” للمخرج مايكل فري، بينما منحت لجنة التحكيم جائزتها الخاصة للفيلم البولندي “تانغو الحَنين” للمخرجة مارتا سزيمايسكا.