متابعات

مهرجان مكناس الدولي.. تكريس للهوية العربية في سينماها

المصطفى الصوفي

الممثل المغربي محمد مفتاح أثناء تكريمه في الافتتاح

مدينة مكناس التي تبعد عن العاصمة الرباط نحو 150 كيلومترا شرقا، تبدو من الهضبة المجاورة المطلة على المدينة العتيقة كلوحة تشكيلية خطتها يد فنان، وذلك بريشة لا تخلو من حياة ألوان تميل كثيرا إلى الاخضرار.

عَرَصات الزيتون المترامية الأطراف هنا وهناك تمنح لمدينة مكناس المحاذية لمدينة فاس سحرا أخضر لا يوصف، إنه سحر الحرية التي تميز الرؤية الفنية للعديد من المخرجين السينمائيين والذين وجدوا في هذه المدينة التاريخية -وهي العاصمة للسلطان مولاي إسماعيل- الفضاء الإبداعي الأرحب لتصوير الكثير من الأعمال السينمائية الروائية الطويلة، فضلا عن أشرطة وثائقية تحكي قصصا مشوقة عن التاريخ والجغرافيا والأسوار القديمة والصهاريج، وصهيل الخيول التي ركضت بعنفوان فرسانها هناك حين خاضت أعتى الغزوات، وذلك في مشاهد سينمائية لا تخطر على البال.

الناقد المصري وليد سيف اعتبر مهرجان مكناس بوتقة محورية لتكريس البعد الهوياتي في السينما العربية

مكناس.. رؤية فنية وبُعد جمالي

مدينة مكناس التي أنجبت العديد من الممثلين والفنانين المسرحيين والمخرجين السينمائيين والكُتّاب والمبدعين تشتهر إلى جانب تاريخها الفني والحضاري الأصيل بقربها من الموقع الأثري ”وليلي“، وهي مدينة قديمة بناها الرومان، ولا تزال معالمها منتصبة حتى الآن في شموخ، تحكي قصصا أسطورية عن البطل باطليموس الذي شيّد تلك المدينة الباذخة، وذلك في مشهد سينمائي مؤثر للغاية، حيث يترقب شعب السهوب الريفية في تلك الأراضي الخضراء حدّ البصر؛ خروجه عند قوس النصر من باب ”كركلا“ في المدينة الرومانية بأسوارها وأقواسها وآبارها وحماماتها وأسواقها ومخازن زيوتها المرصعة بالزليج والفخار.

تلك هي بعض من إشراقات اللغة السينمائية التي تناولتها العديد من الأفلام العربية ترسيخا لروح الهوية والبعد الجمالي في الرؤية الفنية للفيلم العربي في مدينة مكناس، حيث أخذت على عاتقها الاحتفاء بالفيلم في الوطن العربي، وذلك من خلال مهرجان دولي للفيلم العربي نظمته جمعية مكناس الزيتون الكبرى، والذي أسدل الستار عليه في دورته الأولى يوم الخميس الموافق 20 يونيو/حزيران 2019، تأسيسا لكرنفال سينمائي جديد يُضاف إلى العديد من المهرجانات والتظاهرات السينمائية المغربية المتخصصة، والتي تختلف مواضيعها وثيماتها، لكنها تلتقي في مجملها عند مفترق لجعل السينما وسيلة من وسائل الحوار والتواصل، وتكريس البعد الفني والهوياتي للممارسة السينمائية العربية في علاقتها بالعالمية، سواء من خلال الفيلم الروائي الطويل أو القصير، أو الفيلم الوثائقي والتسجيلي بشكل عام.

آلت "جائزة الزيتونة الكبرى" لفيلم "تورن" لمخرجه العراقي نوزاد شيخاني

جوائز المهرجان والأفلام المتنافسة

حفل الاختتام كان أنيقا وباذخا، تخللته لوحات فنية وموسيقية تراثية زاوجت بين الحسّ السينمائي والموسيقى التصويرية، وهو ما أعطى لفضاء قصر البلدية ألَقا فنيا استحسنه الحاضرون.

وقد آلت بالمناسبة الجائزة الكبرى ”جائزة الزيتونة الكبرى“ لفيلم ”تورن“ لمخرجه العراقي نوزاد شيخاني، بينما آلت جائزة الإخراج لفيلم ”أمينة“ للمخرج السوري أيمن زيدان، أما جائزة أفضل سيناريو فكانت من نصيب الشريف الألفي عن سيناريو فيلم ”ليل خارجي“ للمخرج المصري أحمد عبد الله، في حين عادت جائزة أحسن ممثلة للفنانة المغربية جيهان كمال عن دورها في فيلم ”نديرة“ للمخرج كمال كمال، وجائزة أحسن ممثل للممثل الجزائري يوسف السهري لتألقه في فيلم ”دم الذئاب“ للمخرج عمار سي فوضيل.

وتبارت عشرة أفلام على جوائز المسابقة الرسمية، والتي ترأسها المخرج والمنتج البحريني بسام محمد الذواوي، وضمت كلا من الفنانة والمخرجة الجزائرية موني بوعلام، والمنتج العماني قاسم السليمي المدير التنفيذي لمهرجان مسقط السينمائي الدولي، والفلسطيني نصري حجاج وهو مخرج أفلام وثائقية، وكذلك الممثلة المغربية فاطمة خير.

شكلت الأفلام المتنافسة فرجة متنوعة وراقية من خلال غناها الثقافي وتنوعها الفني، وكذلك راهنيتها وتحكمها في السيناريو والرؤية الإخراجية، وتكريسها للبعد الهوياتي وتجذرها في ثقافة بلدها، وهذه الأفلام هي ”دم الذئاب“ للمخرج الجزائري عمار سي فضيل، و“يوم ببيروت“ للمخرج نديم ثابث من لبنان، و“نذيرة“ لكمال كمال، و“طفح الكيل“ لمحسين البصري من المغرب، و“أمينة“ لأيمن زيدان من سوريا، و“ولادة“ للإماراتي عبد الله حسن أحمد، و“ليل“ لأحمد عبد الله، و“شيطان“ و“القايلة“ لأحمد عبد الله من مصر، و“تورن“ لنوزاد شيخاني من ألمانيا، و“شرب الحمام“ للمخرج الكويتي رمضان خسروه.

وبالموازاة مع هذه التظاهرة السينمائية التي تميزت بانطلاقة قوية من حيث التنظيم والبرمجة، مما يجعلها تُنافس كبريات المهرجانات السينمائية بالبلاد، خاصة بمدن وجدة وتطوان ومراكش وأغادير وطنجة وزاكورة وغيرها، فقد شهدت فعالياتها تنظيم ندوة فكرية وأكاديمية مهمة.

تمحورت هذه الندوة حول الهوية في السينما العربية، وهي الندوة التي قام بتسييرها الناقد حسن نرايس، وشهدت نقاشا مستفيضا بين الحضور، وذلك بعد محاضرة الناقد السينمائي والفيلسوف مدير المركز السينمائي الأسبق والقناة الثانية المغربية ”دوزيم“ نور الدين الصايل رئيس مؤسسة مهرجان السينما الأفريقية بخريبكة، التي شكلت أرضية خصبة لتطارح الكثير من الأفكار التي لامست قضايا الهوية والسينما والعولمة، والبدايات الأولى للسينما العربية، فضلا عن ما يطلق عليه بالتناص أو المثاقفة في السينمات العربية، وتوطين عنصر الهوية فيها.

 

الهوية في الفيلم العربي

الناقد المصري وليد سيف اعتبر مهرجان مكناس بوتقة محورية لتكريس البعد الهوياتي في السينما العربية، ومحطة راسخة لتقاسم الكثير من القيم والتجارب خاصة على مستوى النقد والإنتاج والتعاون المشترك في هذا المجال، وذلك رغم الكثير من الصعوبات والعراقيل التي تعاني منها السينما العربية، وهي كثيرة وترتبط بمعضلات السيناريو والإنتاج والترويج واللغة وما إلى ذلك.

التجربة السينمائية المغربية ونظيرتها المصرية وكذلك العربية كان لها نصيب من حديث الناقد المصري الذي رأى أن السينما المغربية متأثرة بالأوروبية والمصرية، كما اعتبر ”الدارجة“ المغربية لا تزال تشكل عائقا أمام انتشار الفيلم المغربي ومدى قابلية الجمهور لمثل تلك الأفلام، منطلقا من الكثير من التجارب الفنية العربية التي وجدت في مصر الأرضية الخصبة للشهرة والانطلاق، وهو ما كرّس روح الهوية في الإبداع بشكل عام، ومنه الإبداع السينمائي.

من جانبه تساءل الصايل عن نتيجة طرح قضية الهوية في السينما، وهي المتداولة في كثير من المناسبات لأكثر من أربعين سنة، وقد استنبط روح الهوية في السينما بكثير من الحسّ الأيدولوجي واللغة السينمائية التي تميز كل فيلم على حدة، من خلال عدد من التجارب السينمائية العربية والدولية، ومنها فيلم ”باب الحديد“ ليوسف شاهين من مصر، و“وشمة“ لحميد بناني من المغرب، و“الرجل الذي يعرف أكثر من اللازم“ لألفريد هتشكوك من الولايات المتحدة، فضلا عن فيلم ”آندري ريلوف“ لتاركوفسكي من روسيا، فضلا عن فيلم ”أطفال الجنة“ من فرنسا، ثم فيلم آخر للمخرج سيزار دباباس من غواتيمالا الذي فاز بجائزة الكاميرا الذهبية خلال الدورة الأخيرة من مهرجان كان السينمائي.

كما تطرق الصايل لكثير من القضايا ذات الصلة بالهوية، خاصة اللغة السينمائية والدبجلة والرواية المحكية والخصوصية السينمائية، فضلا عن الهوية التي تحضر في تجسيد الأدوار بين الممثلين، كممثل مغربي مثلا يلعب دورا في فيلم إسباني أو العكس، وكذلك التكامل بين الهوية والبُعد الأيديولوجي ورؤيا المخرج، وكذلك المسلسلات التي تنافس السينما.

الممثلة المصرية بوسي أثناء تكريمها

الإنتاج السينمائي العربي.. إشكالات وإكراهات

وبدون إنتاج حقيقي لا يمكن للسينما في الوطن العربي أن تستمر وتتطور، وبهدف تسليط مزيد من الضوء على موضوع الإنتاج الذي يعيش الكثير من الإشكالات والإكراهات؛ سطرت إدارة المهرجان ندوة فكرية ثانية إلى جانب ندوة الهوية في السينما، وتمحورت حول آفاق الإنتاجات السينمائية العربية، وهي الندوة التي شارك فيها كل من الناقد السينمائي والكاتب محمد شويكة، ومدير الإنتاج بالقناة التلفزيونية المغربية الأولى إدريس الإدريسي، فضلا عن الناقد المصري وليد سيف أستاذ السيناريو بأكاديمية الإعلام الدولية، والباحث جمال السويسي، ورئيس مهرجان الأقصر.

وقد تضاربت الآراء بخصوص هذا الموضوع من حيث تمويلات القطاع السينمائي والإنتاج المشترك والبيئة الحاضنة، فضلا عن رغبات المنتجين والمخرجين وتطلعات الجمهور والأفلام المحلية والأجنبية.

وقد أقر إدريس الإدريسي بوجود معضلات عويصة ترتبط بالتمويل والترويج والبحث عن أسواق، مؤكدا أن السينما العربية التي لا تزال تعيش في جلباب الدولة من حيث دعمها لم تصل بعد إلى صناعة سينمائية حقيقية قادرة على منافسة الصناعة السينمائية الغربية، خاصة الأمريكية التي لا تزال مهينة، مؤكدا أن القطاع الخاص لا يزال بعيدا كل البُعد عن الانخراط في هذه التجربة، وأنه لا يوجد منتجون حقيقيون بل منفذون للإنتاج، وأن التلفزيون لا يزال مساهما حقيقيا في الإنتاج، داعيا إلى تكثيف الجهود من أجل الخروج بوصفة عربية من شأنها تطوير مجال الإنتاج السينمائي.

وطرح محمد شويكة الكثير من القضايا التي ركزت بالخصوص على أزمة الإنتاج السينمائي العربي فيما يتعلق بالبيئة، ولهجات البلدان العربية والهوية الفنية، وكذلك رهان الأفلام على القيمة الفنية وعلى الجمهور، والدعم المحلي والأجنبي الذي يفرض شروطه من أجل تمرير العديد من الرسائل، خاصة المواضيع المسكوت عنها في المجتمعات العربية، إضافة إلى خلفيات إنتاج أفلام سلبية بأبطال منهكة منهارة بقيمها، عكس البطل الأجنبي برؤية تحررية وعقلانية وديمقراطية.

أما وليد سيف فقد كان أكثر تشاؤما في مداخلته، حيث شدد على استحالة وجود إنتاج مشترك في السينما العربية لعدة اعتبارات فنية وسياسية، كما لامس مواضيع أخرى تعلقت خصوصا بآفاق الإنتاج في السينما العربية والتي ارتبطت بأفلام الجمهور وأفلام المهرجانات والشبابيك، داعيا هو الآخر إلى إيلاء مزيد من الاهتمام لهذا الموضوع، وذلك من أجل مستقبل زاهر للسينما في الوطن العربي.

خصصت الدورة حصصا مهمة لورش عديدة عن السيناريو وصناعة الفيلم الوثائقي

ورش للطلبة وعشاق السينما

ولأنه عادة ما يكون مثل هذه التظاهرات قبلة للعديد من الطلبة والشباب وعشاق السينما، فقد خصصت الدورة حصصا مهمة لورش عديدة عن السيناريو وصناعة الفيلم الوثائقي، فضلا عن إدارة التصوير.

وشكلت هذه الورش لدى المشاركين فيها أرضية خصبة للحوار والتواصل والتلاقي والتكوين والمعرفة، فضلا عن تأطير الشباب والمنخرطين فيها وتطوير أدوات اشتغالهم، وتأهيلهم لفهم واستيعاب الخطاب السينمائي وفق قراءة نقدية فيلمية جادة تساهم في بروز نُقّاد جدد قادرين على إبداء وجهات نظرهم بكل حرية واحترافية، وتطوير الخطاب السينمائي بشكل عام.

ومن أجل تقريب التجارب السينمائية العربية للجمهور، شهدت الدورة -التي جرى فيها توقيع ثلاث اتفاقيات للتعاون بين مهرجان مكناس ومهرجان مسقط السينمائي ومهرجان الأقصر للسينما الأفريقية ومهرجان الإسكندرية السينمائي الدولي- تنظيم لقاءات مفتوحة مع كل من المخرجَين المغربيين كمال كمال ونور الدين الخماري والكاتب والسيناريت المصري وليد سيف، إضافة إلى عرض أفلام خارج المسابقة من المغرب ومصر ضيف شرف، وهي ”الاختيار“ ليوسف شاهين، و“انتبهوا أيها السادة“ لأحمد فوزي صالح، و“مولانا“ لمجدي أحمد علي، و“أرض الخوف“ لداوود عبد السيد، أما من المغرب فتم عرض أفلام ”في بلاد العجائب“ لجيهان بحار، و“دالاس“ لعلي المجبود، و“بورت آوت“ لنور الدين الخماري، و“أفراح صغيرة“ لمحمد الشريف الطريبق، و“الفراشة“ لحميد باسكيط.

حفل الاختتام كان أنيقا وباذخا، تخللته لوحات فنية وموسيقية تراثية زاوجت بين الحسّ السينمائي والموسيقى التصويرية

فرجة سينمائية بأبعاد إنسانية

وفي تصريح بالمناسبة أكد الممثل والمخرج إدريس الروخ مدير المهرجان الذي شهد في الافتتاح تكريم كل من الممثل المغربي محمد مفتاح، وبوسي ومحمود قابيل وعمرو سعيد من مصر، فضلا عن الممثل الجزائري سيد أحمد أقومي؛ إن هذه التظاهرة السينمائية الحديثة تؤسس لمفهوم جديد للانفتاح على الإنتاجات السينمائية العربية ذات الجودة في كل حقول الإبداع السينمائي، وذلك على مستوى السيناريو والتشخيص والصورة والإخراج، من أجل الابتعاد عن المألوف من الأعمال المستهلكة والتجارية، مبرزا قيمة هذا المهرجان الذي يسعى إلى خلق نقاش جادّ وهادف عن ماهية السينما بشكل خاص، وماهية الثقافة بشكل عام، وإلى تسليط الضوء على الكثير من القضايا الثقافية والاجتماعية والاقتصادية التي تشغل بال المواطن العربي.

كما لفت الروخ إلى رهانات المهرجان المتعددة حتى يكون موعدا سنويا للفرجة السينمائية بكل أشكالها بأبعاد إنسانية، مع طرح الكثير من القضايا الفنية والسينمائية والإبداعية التي تهم القطاع السينمائي في الوطن العربي، مضيفا أن التظاهرة تستطيع أن تجعل لغة الشباب لغة الأمل والطموح في البحث عن مستقبل فني يؤهلهم للانخراط في الحركة السينمائية وتطويرها، وتوسيع دائرة المعرفة الفنية والثقافية، أملا في ترسيخ ثقافة سينمائية عربية جميلة وممتعة، وقادرة على معالجة الكثير من القضايا والمواضيع، وتحقيق أفق انتظار الجمهور.