متابعات

نجوم مصر.. خمسون عاما بين المهجر والمنفى

أسامة صفار

المخرج المصري يوسف شاهين

دخل المخرج المصري يوسف شاهين إلى مكتب المدير الجديد لمؤسسة السينما التي تتولى التمويل والإشراف على الإنتاج السينمائي المصري، وكان شاهين قد استُدعي على عجل للقائه، فاعتقد المخرج الطموح أن عملا كبيرا في انتظاره، وأن كل الإمكانيات التي يطلبها سوف يُستجاب لها، خاصة أن المدير الجديد هو شقيق عبد الحكيم عامر نائب رئيس الجمهورية.

استقبله صلاح عامر مدير مؤسسة السينما استقبالا فاترا، فتغاضى شاهين معللا الأمر بانشغالاته في بدء عمله، لكن عامر طرح عليه سؤالا يبدو عبثيا ومستفزا في الوقت ذاته: من أين تأتي بالأفكار التي تقدمها في أفلامك يا يوسف؟
رد شاهين: من دماغي.
تنفس صلاح عامر بعمق وقال: بدءا من اليوم لن تحتاج إلى دماغك، سوف تنفذ ما نريده من أفكار، فما رأيك؟

ساد المكان صمت تام لخمس دقائق متواصلة، حملق خلالها شاهين في الرجل، ثم استدار بهدوء وانطلق خارجا من المكتب مغلقا الباب خلفه، لكنه عاد بعد ثوان قليلة واتجه إلى الرجل الذي لم يغير من وضع جلسته بعد، وأطلق لفظا خارجا موجَّها لصلاح عامر وللمؤسسة والنظام، ثم انطلق إلى بيته في منطقة الزمالك بالقاهرة وقام بتجهيز حقيبة سفره بسرعة، ومن هناك إلى بيروت، فقد توقع أن ما فعله قد يسبب له من الأذى ما لا يحتمله، حيث استقر في لبنان، وجاءت عودته إلى مصر باتصالات من رئيس الجمهورية جمال عبد الناصر لينفذ فيلم “الناصر صلاح الدين”.

قضت هزيمة 1967 على صناعة السينما، وتحولت الأستوديوهات والمعامل التي كانت أشبه بخلايا نحل إلى خرائب تنعي من كانوا فيها يوما

هجرة ما بعد النكسة

لم يكن شاهين وحده الذي لجأ إلى بيروت في تلك المرحلة، لكن عددا كبيرا من النجوم والنجمات سبقوه أو لحقوا به، فقد قضت هزيمة 1967 على صناعة السينما، وتحولت الأستوديوهات والمعامل التي كانت أشبه بخلايا نحل إلى خرائب تنعي من كانوا فيها يوما.

ومن بين هؤلاء حسين فهمي ونبيلة عبيد ومديحة كامل وناهد شريف وفريد شوقي وشمس البارودي وغيره. واستقبلت إسطنبول عددا من الفنانين، كما اضطرت الفنانة فاتن حمامة إلى الهجرة هروبا من مطاردة جهاز المخابرات العامة لها لتجنيدها، فاستقرت لعامين مع زوجها -في ذلك الحين- النجم العالمي عمر الشريف في لندن.

ولم تسفر تلك الموجة من الهجرة عن أعمال فنية يمكن التعاطي معها بجدية، إذ جاءت ضعيفة في مستواها الفني وفقيرة إلى حد كبير، وافتقدت الحرفية التي ميزت الإنتاج المصري في ذلك الحين.

الممثل المصري فريد شوقي

الهجرة الجديدة.. منفى إجباري

وتأتي موجة الهجرة الجديدة التي انطلقت بعد انقلاب 2013 في مصر لتُعيد إلى الذاكرة سابقاتها، فقد استقر كل من الممثلين هشام عبد الله ومحمد شومان في إسطنبول، ويعيش النجم المصري العالمي عمرو واكد في جنوب إسبانيا، بينما هاجر خالد أبو النجا إلى ألمانيا، ويعيش النائب والمخرج خالد يوسف في باريس بفرنسا.

وإذا كانت الموجة الأولى بعد الهزيمة قد حدثت اختيارا –في أغلب حالاته- من الفنانين بحثا عن عمل، فإن الثانية جاءت إجبارا، بل تحت تهديد النظام الانقلابي الذي لا يقبل مجرد التفكير في المعارضة، ويقرر لمن يجرؤ عليها عقابا قد يبدأ من السجن وينتهى بالموت.

وخلال الأعوام الخمسين التي فصلت بين الهجرة (ما بعد النكسة) والمنفى (ما بعد الانقلاب) عارض القليل من الفنانين النظام السياسي من الداخل وتعرضوا للعقاب، منهم الفنان صلاح السعدني الذي مُنع من العمل بأمر الرئيس السادات، وذلك بسبب معارضته لاتفاقية كامب ديفد عام 1979، وكانت سنوات المنع ينبغي أن تكون ذروة تألقه ونضجه الفني، وهو ما أثّر على نجوميته وحضوره لفترة.

الموجة الأولى.. بحث عن عمل

تصيب الهزائم العسكرية وجدان الفنانين وحياتهم بأكثر مما تدمر من بنية أساسية وتخرب في الأوطان، لذلك تركت هزيمة 1967 في مصر جيلا من المثقفين الذين حولتهم الهزيمة إلى أشباح أصابها الجنون، ولم يحتمل بعضهم تحوّل الحلم إلى كابوس فمات كمدا وحسرة، بينما انطلق الفنانون والنجوم بحثا عن عمل خارج البلاد.

كان في طليعة هؤلاء النجم الذي أطلق عليه حينها “ملك الترسو” فريد شوقي، وملك الترسو تشير إلى أنه امتلك قلوب الفقراء والبسطاء وأصبح ملكا عليها، وكان نجم الآكشن المصري الأشهر يُقدم ما يقرب من عشرة أفلام سنويا، لكن الهزيمة عطلت ماكينة الإنتاج إلا من قليل، فاتجه إلى تركيا ليقدم فيلم “عثمان عبد الجبار” الذي حقق نجاحا نسبيا، وعاد بعدها إلى بيروت ليستقر فيها، وكانت العاصمة اللبنانية هي عاصمة الفن والحياة والاستقرار الأمني آنذاك، وقام ببطولة عدد من الأفلام إلى أن تحسنت الأحوال المصرية ليعود أكثر خبرة وتألقا فنيا.

عند ظهور ما سُمي بـ"زوار الفجر" واستغلال النجوم في أمور أخرى مرتبطة بالعمل المخابراتي؛ لم يرق هذا الأسلوب للفنانة فاتن حمامة

فاتن حمامة وشمس البارودي

ولم تكن سيدة الشاشة العربية فاتن حمامة تبحث عن أدوار، فقد تجاوزت نجوميتها الأزمات الاقتصادية، فهي الاختيار الأول لكل مخرج أو منتج لبطولة أي عمل حتى في أصعب الظروف الاقتصادية. لكن أزمتها كانت أسوأ كثيرا من عدم وجود إنتاج سينمائي، فعند ظهور ما سُمي بـ”زوار الفجر” واستغلال النجوم في أمور أخرى مرتبطة بالعمل المخابراتي؛ لم يرق هذا الأسلوب للفنانة فاتن حمامة، وحاولت بمساعدة صديقها الأقرب حلمي حليم ترك البلاد واللجوء إلى بيروت أولا لتحتمي فيها من النظام المصري، وبالفعل استقرت لفترة هناك، حيث شاركت الفنان السوري فريد الأطرش وأحمد رمزي في الفيلم الشهير “الحب الكبير”.

واستجابت الفنانة شمس البارودي لطلبات المنتجين اللبنانيين والعرب بعد النكسة، وكان عدد كبير منهم قد حاول استقطابها للعمل في بيروت لكنها كانت ترفض فيما سبق، وجاء الركود الذي طرأ على الحياة الفنية في مصر لتبدأ بسببه تقديم بطولات لأكثر من عمل فني. وقد اشتركت بالفعل في فيلم مع الفنان أحمد رمزي عام 1970 باسم “فندق السعادة”، حيث تم تصويره في بيروت.

ولقيت شمس شهرة واسعة بعد هذا العمل، لتقوم بعده بتجسيد عدد من الشخصيات في السينما اللبنانية، لكن معظم هذه الأدوار كانت تحت عنوان “للكبار فقط”، فقد كانت تندرج تحت أنواع الأفلام الجريئة المثيرة، وبالتالي فإن معظمها منع من العرض في دور السينما المصرية.

مديحة كامل ويوسف شاهين

وكانت مديحة كامل قد سبقت الهزيمة بأشهر إلى بيروت، لتستقر هناك وتقدم أعمالا لم تضف رصيدا فنيا إليها، وإن ساعدت على انتشارها وتعرّف الجمهور عليها. ثم جاءتها الفرصة في مصر في فيلم “الصعود إلى الهاوية” مع الفنان جميل راتب. وقدم الفنان حسين فهمي عدة أفلام بينها “سيدة الأقمار السوداء” الممنوع من العرض نظرا للمشاهد الإباحية فيه، فضلا عن ضعف مستواه الفني.

واستقر يوسف شاهين في بيروت لعامين قدم خلالها مع الفنانة العربية الكبيرة فيروز فيلم “بياع الخواتم”، ثم عاد إلى مصر ليقدم فيلم “الناصر صلاح الدين” بطلب من جمال عبد الناصر.

محمد شومان أحد الممثلين المصريين الذين استقروا في الخارج هربا من النظام المصري

واكد وأبو النجا.. إلى المنفى

إن نظرة واحدة على وجوه الفنانين المصريين الذين نزحوا إلى خارج مصر في السنوات الأخيرة –على اختلاف توجهاتهم– تؤكد أن ميدان التحرير قد جمعهم يوما ما خلال الأيام الـ18 للثورة المصرية المغدورة، وهو ما يشير إلى أن تلك الثورة هي المستهدفة بالاغتيال، وأن من شاركوا فيها هم المستهدفين بالتشريد، وهم محمد شومان وهشام عبد الله وقد استقرا في تركيا، والمخرج خالد يوسف (باريس)، وأخيرا النجمان العالميان عمرو واكد وخالد أبو النجا، فالأول استقر في جنوب أسبانيا، ويعيش الثاني بين برلين وكاليفورنيا الأمريكية.

كان عمرو واكد هو أول الوجوه الفنية المشهورة التي التقطتها عدسات التلفزيون والمصورين الصحفيين في ميدان التحرير عام 2011؛ مشاركا أبناء جيله والشعب المصري أحلام الثورة، وظل يسجل مواقفه عبر المشاركات العامة القليلة والتويتات على موقع “تويتر” بشكل كثيف، حتى جاءت التعديلات الدستورية التي جمعته بالممثل خالد أبو النجا في موقف موحد ضدها، حيث تُجهز تلك التعديلات على آخر مكتسبات ثورة يناير، وتؤسس لتخليد رئيس الجمهورية في المنصب.

وفوجئ عمرو برفض تجديد جواز سفره من قبل السفارة المصرية في إسبانيا، وإبلاغه بصدور حكم عسكري عليه بالسجن ثماني سنوات، فحضر ومعه أبو النجا جلسة استماع غير رسمية في الكونغرس الأمريكي تنديدا بأوضاع حقوق الإنسان في مصر.

واكد وأبو النجا يعملان في أفلام ومسلسلات هوليودية بالإضافة للمصرية، ولعل أشهر أعمال واكد هو فيلم “لوسي” الذي قام ببطولته مع سكارليت جوهانسون.

النجمان المصريان عمرو واكد وخالد أبو النجا

خالد يوسف.. محاولات التشويه

وكان المخرج خالد يوسف قد اتخذ موقفا متضامنا مع النظام وأصبح جزءا منه، ورُشِّح لعضوية البرلمان وأصبح معروفا بقربه من رأس النظام، خاصة أنه تولى تصوير مظاهرات 30 يونيو/حزيران، أو ما عرف بعدها بثورة 30 يونيو، والتي أعقبها الانقلاب في مصر بتاريخ 3 يوليو/تموز 2013.

لكن خالد الذي شارك في وضع الدستور ضمن لجنة من 50 شخصية عامة رفض التعديلات الدستورية، وهو ما دفع بالنظام لمحاولة تشويهه عبر نشر مقاطع فيديو إباحية زعم أنها له، والقبض على بعض الوجوه الجديدة من الممثلات اللاتي ظهرن في تلك المقاطع، وبقي يوسف في باريس بانتظار ما يسفر عنه الاستفتاء على تلك التعديلات.

أما كل من شومان وهشام عبد الله فقد اتخذ كل منهما موقفا مبدئيا واضحا من البداية ضد النظام في مصر، ويجتهد شومان في تقديم أعمال كوميدية على شاشة قناة الشرق، أما عبد الله فيقدم برنامجا يوميا يتناول من خلاله الواقع المصري.