متابعات

وثائقي يجسد محنة مسلمات البوسنة المغتصبات

عدنان حسين أحمد
لا تتخذ المخرجة البوسنية ياسميلا زبانيتش من الحرب الفعلية موضوعاً لأفلامها، بل تركِّز على نتائج هذه الحرب وتداعياتها الخطيرة. ففي فيلمها السابق "Grbavic" الذي تُرجم بعنوانين مختلفين، الأول إنكليزي "سرّ أسما: گـرافيتسا" و الثاني أميركي " گـرافيتسا: أرض أحلامي" وقد خطف جائزة الدب الفضي في الدورة الساسة والخمسين لمهرجان برلين السينمائي الدولي.

المخرجة ياسميلا زبانيتش
يتمحور الفيلم على الشخصية الرئيسة أسما، وهي امرأة وحيدة فقدت زوجها في خنادق القتال في أوائل تسعينات القرن الماضي. تحتفظ أسما بسرّ خاص لا تريد أن تبوح به إلى ابنتها الوحيدة "سارا" ذات الاثنتي عشرة سنة. غير أن الأم الضحية لا تستطيع أن تتكتم على هذا السر طويلاً فقد عرفت الابنة أن اسمها ليس مدوناً في قائمة أبناء الشهداء الأبطال الذين قاتلوا دفاعاً عن حياض الوطن فتعترف الأم لسارا أنها ليست ابنة أبيها، وإنما جاءت إلى الدنيا بسبب اغتصاب القوات الصربية لها في أثناء الحرب وأنهم أجبروها على الاحتفاظ بها، فتتفهم الطفلة ما حدث لأمها وتتعاطف معها كلياً.
الاغتصاب ثانية
على الرغم من أن عدد النساء البوسنيات اللواتي اغتصبن من قبل القوات الصربية قد بلغ العشرين ألف امرأة بوسنية إلاّ أن 1785 امرأة بوسنية مسلمة قد اغتصبن وذبحن بطريقة بشعة في مدينة فيشغراد، كما تم اغتصاب 200 امرأة بوسنية في غرف فندق فيلنا فلاس في منطقة فيشغراد أيضاً وهو ذات المكان الذي وُلد فيه الروائي اليوغسلافي المبدع إيفو أندريتش الحاصل على جائزة نوبل للآداب عن روايته الشهيرة "جسر على نهر درينا" وهو الجسر ذاته الذي أغرقته دماء الضحايا من النساء المغتصبات اللواتي ّذُبحن كما تُذبح الخراف ثم ألقيت جثثهن بدم بارد في النهر الذي ظل صامتاً، كما ترى المخرجة ياسميلا زبانيتش وممثلة الفيلم الرئيسة كيم فيركو.
إذن، هذا الفيلم مكرّس إذن لإحياء ذكرى كل النساء البوسنيات والكرواتيات المغتصبات ليس في فيشغراد حسب، وإنما في كل أرجاء بوسنة والهرسك وإن جاء التركيز على منطقة فيشغراد وجسرها ذائع الصيت على نهر درينا وفندقها الذي بات مشهوراً لأن أسرِّته وجدران غرفه لا تزال تشهد على عذابات النساء المغتصاب اللواتي تجاوزن المئتي امرأة في هذا الفندق، سيئ الصيت والسمعة، الذي انطلقت منه شرارة الفيلم من دون أن تعرف كاتبة السيناريو والممثلة الرئيسة فيه حيث نامت في إحدى غرفه وأمضت فيه ليلة كابوسية قلقة لم تستطع تفسيرها في حينه، لكن الأمور تكشفت رويداً رويداً حينما عادت ثانية إلى سيدني وأيقنت بالأدلة القاطعة أن الفندق أعلاه كان مكاناً لاغتصاب النساء البوسنيات المسلمات غير أن اللافت للنظر أن شركة السياحة وكتالوغاتها لم تذكر أي شيئ يشير إلى حوادث الاغتصاب في الفندق المذكور سلفاً. فثمة تواطؤ كبير لا يقتصر على شركة السياحة الأسترالية، ولا على دوائر المدينة، ولا على سكانها، وإنما على الجسر ذاته، والفندق الذي احتضن عمليات الاغتصاب، وعلى الطبيعة المحيطة بالمدينة برمتها.
ثقافة الصمت
لم يكسر حاجز الصمت عامل داخلي لأن النص في الأساس كتبته الممثلة المسرحية الأسترالية كيم فيركو التي صوّرت فيه نفسها سائحة أسترالية تغادر سيدني لتقضي عطلتها في البلقان مستصحبة كاميرتها الفيديوية كي تسجِّل يومياتها بالصوت والصورة متمترسة بعدد من كتيبات الأدلة السياحية التي صمتت هي الأخرى عن الجرائم والفظائع والاغتصابات الجنسية المُرتكبة بحق النساء المسلمات في البوسنة والهرسك. لقد سبق لكيم فيركو أن كتبت نصاً مسرحياً عنوانه "سبعة كيلومترات شمال شرقي" وحينما شاهدته المخرجة ياسميلا كعرض مسرحي مصوّر أعجبها جداً لذلك طلبت من كاتبته وممثلته الرئيسة أن تؤفلمه فوافقت في الحال لأن قضيته الإنسانية أكبر من أي ربح مادي، ويبدو أن كليهما الممثلة والمخرجة لا يسعيان إلى الربح المادي، بل أن المخرجة نفسها عملت بصمت كبير كي لا يتسرّب اسمها في أثناء التصوير فهي مخرجة معروفة في البوسنة والهرسك وقد سبق لنا أن أشرنا إلى أن فيلمها ذائع الصيت"سرّ أسما: گـرافيتسا" إضافة إلى نحو عشرة أفلام مهمة أخرى من بينها "سيرة ذاتية"، "الليلة التي تألقنا فيها"، "هل تتذكر سراييفو؟"، "عيد ميلاد"، "جزيرة الحب" وأفلام أخر هي نتاجات معروفة خارج حدود الوسط الثقافي فلا غرابة أن تطلب ياسميلا من كل الممثلين والممثلات وعلى رأسهم كيم فيركو أن تتكتم على اسم ياسميلا وتقول بأن التصوير يتعلق بسائحة أسترالية وفدت إلى البوسنة والهرسك كي تصور الجسر الذائع الصيت على نهر درينا وهو الذي حمل عنوان رواية إيفو أندريش نفسها.
لا تقتصر فظاعات القوات البوسنية على الاغتصاب والقتل وهما أبشع ما يمكن أن تفعله لكننا يجب أن نشير إلى أن عدداً من الضحايا قد ألقين بأنفسهن من نوافد الفندق كي يحمين أنفسهن من عار الاغتصاب الذي قد يلاحقهن لسنوات طويلة. الغريب أن السكان المحليين قد أنكروا مثل هذه العمليات وقد سبقهم إلى هذا الإنكار موظفوا الدولة ورموزها ولعل أبرزهم ضابط البوليس بوريس إيساكوفيتش وليون لوسيف اللذين أنكرا حادثة الاغتصاب في الفندق والتطهير العرقي في المدينة كلها.
على الرغم من قوة الفيلم كتابة وتمثيلاً وتصويراً وإخراجاً إلى أنه يبقى متحاملاً على ثقافة الصمت والسكوت، والخوف والخنوع الذي يمتدّ من البشر إلى الأمكنة جسراً وفندقاً، أزقة وشوارع، جبالاً وغابات، ونهراً يُفترض أن يبوح في الأقل إلى ضفتيه!