كرة القدم السودانية.. حكايات الثورة والرياضة في عصر الاحتلال

السودان بلد النيلين والحضارات، وملتقى الثقافة العربية الأفريقية، ومهد البشرية منذ القدم. يتغنّى بالنيل ويزفّه في موكبٍ مهيب حتى يُبَلِّغَه الأراضي المصرية. كان وادي النيل موحَّدا، لولا أن عبثت به أيادي المحتلين البريطانيين، فقسّمته على غير رغبة معظم أهله، ليسهل عليها السيطرة عليه ونهب خيراته.

وحكاية كرة القدم في السودان لا تختلف عن مثيلاتها من الشقيقات العربية، فقد كانت متنفَّسا للشباب السوداني الرازح تحت ظلم الإنجليز، وكانت أنديتها غطاءً لحركة النضال الشعبي الذي أسفر عن استقلالها. واليوم تفتح الجزيرة ملف كرة القدم السودانية ودورها الوطني، في حلقةٍ من سلسلة الكرة والحرية بعنوان “حكايات عن الكرة والحرية.. السودان”.

كُرة الجِلد للمحتل ولفائف القماش للمواطن.. عصر الإنجليز

في نهايات القرن الـ19 وقعت السودان ومصر في قبضة الاحتلال البريطاني، ومنذ ذلك الوقت أصبح الوجود الإنجليزي راسخا ومتحكما في جميع مناحي الحياة في السودان؛ السياسي منها والثقافي والاجتماعي والرياضي.

من مباراة بين الجنود الإنجليز في السودان حيث كانت كرة القدم لا تزال لعلبة غريبة على السودانيين

وفي أوقات فراغهم كان الإنجليز يستمتعون بلعب كرة القدم في ثكناتهم وساحات أحيائهم الخاصة، وكان السودانيون الذي يعملون لديهم في المهن اليومية يشاهدون الإنجليز وهم يركلون هذه الكرة العجيبة بأقدامهم، فاستهوتهم هذه اللعبة وصاروا ينقلونها شيئا فشيئا إلى المجتمع السوداني.

كان السودانيون يصنعون كراتهم من القماش ولفائف الصوف والجوارب، ويلعبون بها في الحارات والشوارع بدون قوانين، وكانت ميادينهم قريبة من المعسكرات الإنجليزية.

ملاعب المحتل.. سحر اللعبة القادمة من الشمال

تعتبر عطبرة من أوائل المدن التي عرفت كرة القدم، لأن الإنجليز جاءوا من شمال السودان ثم مدينة مدني، ثم انتقلت إلى الخرطوم، والملاحَظ أنها انتشرت على طول خط سكة الحديد، وكذلك مدينة بورسودان، الميناء الشهير الذي كانت ترسو فيه سفن الإنجليز والأجانب.

كلية “غوردون باشا” التي أصبحت فيما بعد جامعة الخرطوم

تَشكَّل في الخرطوم “فريق الطلبة” من كلية “غوردون”، وعرف فيما بعد باسم “النيل”، وكان هنالك أيضا “تيم عباس”، وتشكلت فرق أخرى في مدينة أم درمان. وفي الغالب كان لاعبو الفرق إما من العسكريين الذين يخدمون مع الإنجليز، أو من طلبة الكليات والمعاهد العليا.

وعندما قام “غوردون باشا” بتأسيس كليته التذكارية أنشأ لها ملعبين، وما زالت هذه الملاعب موجودة بعد أن أصبحت الكلية جامعة الخرطوم اليوم، وكان طلبتها يمارسون كرة القدم، أو يشاهدون المعلمين الإنجليز يلعبونها.

أندية السودان.. واجهة رياضية ذات مآرب وطنية

بدأ تشكيل الأندية في السودان بأسماء مغمورة قبل 1910، ولم تكن هنالك بطولات ومنافسات رسمية بينها، وإنما بعض المباريات الودية في العاصمة المثلثة “الخرطوم وأم درمان والخرطوم بحري”، ولربما يعود ذلك إلى عدم وجود الطرق والجسور التي تسهل حركة الانتقال بين المدن.

في 1918 تأسس نادي الخريجين، ولم يكن ناديا رياضيا، بل كان أول تجمع سياسي في وجود الاحتلال، ولكنه لم يكن بعيدا عن الرياضة، فمعظم أعضائه هم خريجو كلية “غوردون” الذين بدأوا نشاط كرة القدم في الساحات والأحياء الشعبية، ومنذ ذلك الوقت بدا واضحا ذلك الامتزاج بين النشاط الرياضي والنشاط السياسي في مقاومة الاحتلال الإنجليزي.

ونتيجة لبعض الخلافات السياسية بين الأعضاء في نادي الخريجين، انفصل بعضهم عن النادي وأصبحوا يمارسون نشاطهم السياسي والرياضي في النوادي المنتشرة في الأحياء والمدن.

كانت المنافسات الرياضية السودانية تقام تحت إشراف المحتل الإنجليزي وتخليدا لأسماء أبطالهم

كانت الفترة بين 1918-1924 مرتعا للشباب السوداني في الفرق الرياضية آنذاك، وقام حراك رياضي على كل المستويات، فأقيمت عدة منافسات بإشراف سلطات الاحتلال، وبأسماء تخلد رجالا إنجليزا أو أحداثا بريطانية سودانية، مثل كأس السابع من يناير، وهي ذكرى زيارة الملك “جورج الخامس” للسودان.

ثم جاءت اللحظة الحاسمة التي أغلق فيها الاحتلال الباب أمام ذلك الحراك الرياضي، ففي 1924 اغتيل “لي ستاك” لدى زيارته القاهرة، مما أحدث هزة في الوسط السوداني عامة، حيث ألغت سلطات الاحتلال التجمعات الشعبية أيا كان شكلها، حتى الأفراح والأتراح.

ثورة اللواء الأبيض.. تداعيات تلد نوادي عربية بأسماء إنجليزية

كان لثورة “اللواء الأبيض” تداعياتها على الحركة الرياضية، فقد فطنت سلطات الاحتلال لخطورة كرة القدم في تجميعها للشباب السوداني وتحفيزهم للثورة ضد الاحتلال، فقامت بإغلاق الباب أمامها، ولم تعد النشاطات الرياضية حتى نهاية 1926، عندما بدأ تسجيل الفرق الرياضية بشكل رسمي.

وكان تسجيل الفرق يجري عند المفتش الإنجليزي في كل مدينة من العاصمة المثلثة؛ الخرطوم بحري والخرطوم وأم درمان، وكان الهدف من التسجيل هو حصر المشاركين خوفا من أي تحرك سياسي.

وقد أدى فتح الباب بتسجيل الأندية إلى دخول الكرة السودانية مرحلة أكثر مؤسسية، وانتشرت الأندية المسجلة رسميا، وعلى الرغم من كونها أندية سودانية فإنها لم تحظ بأسماء سودانية، حيث كانت تنشأ قسرا تحت إشراف سلطات الاحتلال، ممثلةً بالحاكم العام ومفتشي المدن الكبيرة.

على الرغم من أن النادي سوداني اللاعبين والمدربين إلا أن المحتل هو من اختار اسمه “كوبر”

فمثلا، كان نادي الوطن في عطبرة يسمى “توماس”، ونادي هلال الساحل في بورسودان يسمى “وينجيت”، بينما نادي الاتحاد البحراوي كان يسمى “زالاتين”، وما يزال نادي “كوبر” باسمه حتى يومنا هذا.

بقي الحال هكذا حتى 1927، حين نجحت مجموعة من الضباط السودانيين في كلية أم درمان بإنشاء النادي الذي سيكون منذ تلك اللحظة شيخ الأندية السودانية، إنه نادي “المورَدَة”، وكان لهؤلاء الضباط دور كبير في مقاومة المحتل.

“لا بطولات إذن بدون الهلال”.. نادي الحركات الوطنية

توالى بعد ذلك إنشاء الأندية السودانية حتى جاء فبراير/شباط 1930، فأنشئ النادي الذي سيكون رائدا للحركة السودانية بضروبها المتنوعة. وبينما المؤسسون جلوسٌ في ليلة أُنسٍ يفكرون في اختيار اسم للنادي، إذ طلع عليهم قمر تلك الليلة لينير لهم جلستهم، فقالوا: هو “الهلال” إذن. ليكون أول نادٍ يطلق عليه هذا الإسم في الوطن العربي.

اكتسب “الهلال” جماهيرية واسعة بسبب مواقفه المناهضة للاحتلال، ونشاطاته التطوعية والسرية التي كانت تجتذب الوطنيين السودانيين، حتى كان يسمى “نادي الحركة الوطنية”، وحدث أن كان “الهلال” ممنوعا من المشاركة في إحدى المنافسات، وجاء الحاكم الإنجليزي لحضور البطولة فلم بجد جمهورا، فتوجه من فوره ليجد الجماهير محتشدةً لأحد تمارين “الهلال”، فقال: لا بطولات إذن بدون “الهلال”.

الهلال السوداني أول الأندية العربية التي تحمل هذا الاسم

لم يسجَّل أنْ لعب السودانيون مع الإنجليز في مباراة، لكن المحتلين كانوا حريصين أن يلعب السودانيون تحت مراقبتهم اللصيقة، فالبريطانيون يعون تماما ماذا يعني أن يتركوا السودانيين ليديروا نشاطاتهم الرياضية بأنفسهم.

كانت الأندية السودانية ممنوعة من ممارسة أي نشاط سياسي، مع أن كثيرا من أعضائها كانوا من الناشطين سياسيا، ولهذا كانت تنتهز أي مناسبةٍ للمشاركة في الأنشطة الوطنية والاجتماعية والتطوعية، وكانت تقيم البطولات لدعم التعليم، لأن التعليم وقتها كان حكرا على علية القوم وأبناء العاملين مع الإنجليز.

نقابة الأندية.. نشاط تنظيمي خطير برعاية المحتل

في 1933 دعا نادي “التذكار” مجموعة من أندية العاصمة المثلثة لتكوين نقابة أو اتحاد لتنظيم نشاطات كرة القدم، ويشرف عليه السادة علي الميرغني وعبد الرحمن المهدي والشريف الهندي، وهم زعماء الطوائف الدينية في ذلك الوقت، فتنبّه الاحتلال لخطورة ذلك الأمر، وقام في مطلع 1936 بتشكيل الاتحاد السوداني لكرة القدم بإدارة إنجليزية خالصة، ورئاسة فخرية للحاكم العام.

أعضاء أول اتحاد كروي سوداني برئاسة الدكتور عبد الحليم محمد

بعد إعلان السودان دولة مستقلة في يناير/كانون ثاني 1956، جاءت الفرصة ليكون الدكتور عبد الحليم محمد أول رئيس للاتحاد السوداني لكرة القدم، وبعضوية سودانية كاملة، لتشهد كرة القدم السودانية أزهى أيامها وطنيا وعربيا وأفريقيا، ومنذ ذلك الوقت دأب الاتحاد على تنظيم المسابقات المحلية بمستوياتها المختلفة.